أقلامنا الأولى الوطني تحاليل وآراء

انهيار النظام الدولي بين منطق القوة ومسؤولية أوروبا في صياغة البديل

يكشف ما جرى في فنزويلا، عقب العملية العسكرية التي أطلقتها الولايات المتحدة تحت مسمى “العزم المطلق” لاختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، عن انهيار فعلي لما كان يُعرف بالنظام الدولي وسيادة القانون الدولي، في مشهد يؤشر على انتقال العالم من منطق القواعد والمؤسسات إلى منطق القوة المجردة.

ولم يسقط النظام الدولي فجأة، بل كان يعاني منذ سنوات من تآكل واضح، بدليل التعامل الدولي مع الأزمة الفنزويلية منذ 2013، حين وُجهت اتهامات لمادورو بالاستيلاء غير الشرعي على السلطة دون أن تترتب عن ذلك أي إجراءات ملموسة. غير أن العملية الأمريكية الأخيرة تمثل تجاوزا لخط أحمر، إذ لم تسبقها أي شرعية قانونية أو غطاء دولي، على عكس ما حدث خلال غزو بنما سنة 1989، حين جرى على الأقل إخطار الكونغرس الأمريكي وصدرت إدانات دولية صريحة من الجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظمة الدول الأمريكية والبرلمان الأوروبي.

ويعكس الصمت الدولي الحالي تجاه ما حدث في فنزويلا موت النظام الدولي فعليا، خاصة في ظل شروع الولايات المتحدة مباشرة في التلويح بملفات أخرى مثل غرينلاند، في إشارة إلى أن منطق الردع القانوني لم يعد قائما، ما يؤكد أن العالم لا يمكن أن يستمر دون نظام، لأن العودة إلى شريعة الغاب في عالم معقد ومترابط تقود حتما إلى سباق تسلح شامل، وربما إلى انتشار أوسع للأسلحة النووية باعتبارها الوسيلة الوحيدة للردع.

وكانت الاستراتيجية الأمنية الأمريكية الصادرة نهاية 2025، أقرت بأن النخب الأمريكية أخطأت في تقدير قدرة الولايات المتحدة على تحمل أعباء القيادة العالمية إلى ما لا نهاية وهو ما أكده ستيفن ميلر، نائب كبير موظفي البيت الأبيض، قائلا أن العالم تحكمه القوة وليس القواعد، الامر الذي يمكن أن يقود البشرية نحو الدمار المتبادل.

وتعتبر أوروبا الطرف الأكثر تضررا من غياب النظام الدولي، نظرا لاعتماد اقتصاداتها الكبرى بنسبة تفوق 60% على التجارة الخارجية، مقارنة بنسب أقل لدى الولايات المتحدة والصين وروسيا. لكنها في المقابل تملك مؤهلات فريدة لتكون وسيطا في صياغة نظام عالمي جديد، بحكم قلة أعدائها وكثرة شركائها، إضافة إلى تقاليدها العريقة كمركز عالمي للمؤسسات والمنظمات الدولية.

كما أن أوروبا أمام فرصة تاريخية لتحويل الأزمة إلى مشروع سياسي عالمي، شريطة التحلي بالجرأة والقوة، ليس فقط العسكرية بل أيضا الأخلاقية والفكرية، عبر الدفاع عن القيم دون ازدواجية، وصياغة مؤسسات دولية جديدة قادرة على حمايتها. كما أن ملف غرينلاند قد يكون الشرارة التي توقظ أوروبا من ترددها، إما لتكرس تبعية جديدة، أو لتفتح صفحة جديدة في تاريخ النظام الدولي.

وبين هذين الخيارين، يبقى مستقبل العالم رهينة استعداد أوروبا لتحمل مسؤولية تاريخية في إعادة بناء نظام دولي متوازن، قادر على حماية الاستقرار ومنع انزلاق البشرية نحو فوضى القوة.

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام