يعدّ الأمن الغذائي أحد أهم ركائز الأمن القومي، لما له من تأثير مباشر على الاستقرار الاجتماعي والسياسي للدولة. فغياب الغذاء الكافي أو ارتفاع أسعاره قد يؤدي إلى اضطرابات تهدّد السلم الداخلي. وفي ظلّ التغيّرات المناخية والأزمات الاقتصادية والنزاعات الدولية، بات تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز الإنتاج المحلي ضرورة استراتيجية لضمان استقرار الدول على المدى الطويل.
وتعدّ الجزائر من بين الدول النامية التي أولت اهتمامًا متزايدًا بقضايا الأمن الغذائي، خاصة بعد تسجيلها عجزًا معتبرًا في هذا المجال نتيجة الاعتماد الكبير على استيراد المواد الغذائية، ما شكّل تحديًا انعكس سلبًا على أمنها الاقتصادي. وفي هذا السياق، ترى القيادة العليا أن تبني استراتيجية وطنية فعالة لتعزيز الأمن الغذائي أصبح أمرًا ملحًا لتحقيق التنمية المستدامة.
وفي هذا الإطار، أكّد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أن الجزائر جعلت من الأمن الغذائي رهانًا استراتيجيًا، في ظل عالم يشهد تصاعد استخدام الغذاء كأداة ضغط قوية. وعلى ضوء ذلك، أجرت “شرشال نيوز” حوارًا مع المحلّل السياسي د. رابح لعروسي لتسليط الضوء على واقع الأمن الغذائي في الجزائر، ورهاناته وتحدياته في ظلّ التحوّلات الجيوسياسية الراهنة.
-شرشال نيوز: د. لعروسي، هل يمكن أن تقدّم للقارئ تعريفًا مبسطًا لمفهوم الأمن الغذائي؟ وإلى أي مدى أصبح اليوم جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي؟
د.رابح لعروسي: يُقصد بالأمن الغذائي قدرة الدولة على توفير الغذاء الصحي والكافي لجميع الأفراد، في كل الأوقات وبأسعار مناسبة، بما يضمن حياة صحية ونشطة. والأمر لا يقتصر على وفرة الغذاء فقط، بل يشمل أيضًا إمكانية الوصول إليه واستدامة مصادره. اليوم، أصبح الأمن الغذائي جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي، فالدولة التي تعجز عن تأمين الغذاء لسكانها تظلّ عرضة للاضطرابات الداخلية والضغوط الخارجية، خاصة في ظل الأزمات الدولية واستعمال الغذاء كسلاح جيوسياسي.
– شرشال نيوز: كيف تقيّمون واقع الأمن الغذائي في الجزائر في ظل التحوّلات الجيوسياسية والاقتصادية الراهنة؟
-د. رابح لعروسي: الجزائر أحرزت تقدّمًا ملموسًا في بعض المواد الاستراتيجية مثل الحبوب والخضروات والفواكه، بالإضافة إلى الحليب ومشتقاته، بفضل برامج الدعم الحكومي وتوسيع المساحات الزراعية، خاصة في الجنوب الكبير. لكن البلاد ما تزال تعتمد بشكل كبير على الاستيراد في مواد أساسية مثل القمح اللين والزيوت والسكر، مما يجعلها عرضة لتقلّبات السوق العالمي والتوتّرات الجيوسياسية، كالحرب الروسية–الأوكرانية واضطراب سلاسل التوريد وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة. لذلك، أعادت الجزائر ترتيب أولوياتها الغذائية ضمن رؤية سيادية واضحة.
-شرشال نيوز: ما أبرز التحدّيات التي تواجه الجزائر حاليًا في مجال تحقيق الأمن الغذائي؟
د. رابح لعروسي: هناك عدّة تحديات أساسية، أهمها:
عامل المناخ، بما في ذلك شحّ الأمطار والجفاف والتغيّرات المناخية التي تؤثر على الإنتاج الزراعي.
ضعف مردودية بعض الشعب الزراعية مقارنة بالمعايير الدولية.
الاعتماد على الاستيراد في أساسيات الزراعة مثل البذور والأعلاف والأسمدة.
محدودية الصناعات الغذائية المحلية والتحدّيات المتعلّقة بالتخزين والتحويل.
البيروقراطية التي تحدّ أحيانًا من فرص الاستثمار في المنتجات الزراعية الخاصة.
-شرشال نيوز: وما هي الرهانات الاستراتيجية التي تعوّل عليها الجزائر لتعزيز أمنها الغذائي؟
د. رابح لعروسي: الجزائر تعوّل على عدة رهانات استراتيجية، أبرزها:
توسيع الزراعة الصحراوية واستغلال إمكانات الجنوب.
تحديث القطاع الفلاحي عبر الرقمنة والتكنولوجيا والبحث العلمي، واستخدام المكنسة والذكاء الاصطناعي.
تنويع الشراكات الدولية والإقليمية لتقليص حجم التبعية.
تطوير الصناعات الغذائية لرفع القيمة المضافة وتقليص الاستيراد.
تعزيز المخزون الاستراتيجي من المواد الأساسية.
تشجيع الاستثمار، خاصة للخواص، في مجال الفلاحة التحويلية.
-شرشال نيوز: في ظل عالم يتزايد فيه استخدام الغذاء كأداة ضغط سياسي، ما الخطوات الضرورية لتحصين الأمن الغذائي الجزائري؟
د. رابح لعروسي: من الضروري اتخاذ خطوات حاسمة، من بينها:
جعل الأمن الغذائي أولوية سيادية مساوية لأمن الطاقة.
تقليص التبعية الغذائية عبر إحلال الإنتاج المحلي محل الواردات تدريجيًا.
بناء دبلوماسية غذائية نشطة لتنويع الموردين والشركاء.
الاستثمار في البحث الزراعي لمواجهة التغيّر المناخي.
إصلاح منظومة الدعم لتوجيهها نحو الإنتاج وتشجيعه وليس الاستهلاك فقط.
رفع الوعي المجتمعي بأهمية الاستهلاك العقلاني ومحاربة التبذير.
وفي الأخير أكّد المحلل السياسي د.رابح لعروسي أن الأمن الغذائي لم يعد مسألة تقنية أو فلاحية فقط، بل أصبح قضية سيادة وطنية وخيارًا استراتيجيًا. مبرزا أن الجزائر، بما تملكه من إمكانات طبيعية وقدرات بشرية، قادرة على تحقيق قفزة نوعية في هذا المجال، شريطة وضوح الرؤية واستدامتها وربط الغذاء مباشرة بمفهوم الأمن القومي الشامل.




