أكدت الدكتورة مايسة خليل حسن، الأكاديمية المصرية المتخصصة في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية، بأن احتفالية الذكرى السبعين للعدوان الثلاثي على جمهورية مصر العربية، التي احتضنها قصر الثقافة مفدي زكريا بالجزائر العاصمة، الخميس، بمبادرة مشتركة نظمتها جمعية “مشعل الشهيد” بالتنسيق مع “الجمعية الدولية لأصدقاء الثورة الجزائرية”، وبمشاركة سفارة جمهورية مصر العربية بالجزائر وإدارة قصر الثقافة، هي مناسبة لتذكير بأن العلاقة بين مصر والجزائر ليست علاقة مصالح متغيرة، بل علاقة موقف تاريخي مشترك، بعدما خاض البلدان المعركة نفسها في اللحظة نفسها.
وأوضحت الدكتور مايسة خليل حسن، في مداخلة لـ”شرشال نيوز”، أن سفير مصر بالجزائر عبد اللطيف عبد السلام عبده اللايح أشار، خلال الاحتفالية، إلى العمق التاريخي ومحطات النضال المشترك بين البلدين، مؤكدا أن إحياء الذكرى يجمع بين مناسبتين عظيمتين، هما مرور سبعين عاما على اندحار العدوان الثلاثي على مصر، والذكرى الثانية والسبعون لاندلاع ثورة التحرير الجزائرية التي ألهمت الأحرار في العالم، مضيفا أن العلاقات الراهنة بين الجزائر ومصر تعد نموذجا يحتذى به.
تضامن تاريخي تجاوز حدود المواقف السياسية
وأبرزت الدكتورة مايسة خليل، أن جذور العلاقة بين البلدين تعود إلى ما قبل عام 1956، حين ساندت مصر الجزائر في ثورتها للتحرر من الاستعمار الفرنسي عام 1954، وتعرضت بسبب ذلك للعدوان الثلاثي عام 1956.
وأشارت إلى أن الشعب الجزائري لم ينس مساندة مصر لثورته، التي تواصلت بعد العدوان إلى غاية تحقيق الاستقلال، الذي دفع فيه ثمنا باهظا تجاوز المليون شهيد.
وفي المقابل، لم ينس الشعب المصري وقوف الجزائر إلى جانبه سياسيا وماديا عقب هزيمة 1967، وهو الدعم الذي تواصل حتى حرب 1973، التي شاركت فيها قوات جزائرية إلى جانب مصر، وكانت الجزائر ثاني دولة من حيث الدعم خلال الحرب، من خلال إرسال قوات مدرعة ومشاة ميكانيكية إلى الجبهة المصرية، إلى جانب إمداد مصر بدبابات وآليات مجنزرة ومدافع وطائرات حديثة.
واعتبرت الدكتورة، مايسة خليل حسن، أن هذا الموقف يعكس حقيقة راسخة في العلاقة بين البلدين، مفادها أن التضامن لم يكن يوما شعارا، بل التزاما ماديا وعسكريا يدفع ثمنه من يتبناه.
من التنسيق الظرفي إلى البناء المؤسسي
وفي ما يتعلق بتطور العلاقات الثنائية، أوضحت الأكاديمية المصرية أن العلاقة بين البلدين دخلت منذ عام 2014 مرحلة جديدة من التطور المؤسسي، بالقول” انتقلت العلاقة بين البلدين من التنسيق الظرفي إلى البناء المؤسسي، وتجلى ذلك في الزيارات الرئاسية المتبادلة، وفي الاتصالات الدورية، وفي اجتماعات اللجنة العليا المشتركة التي عقدت دورتها الثامنة في الجزائر عام 2022، والتاسعة في القاهرة في نوفمبر 2025، حيث وقع البلدان 11 اتفاقية ومذكرة تفاهم في مجالات التعليم العالي والصناعة والموارد المائية والبيئة والمشروعات الصغيرة والبورصة وتنمية الصادرات.”
تطور المبادلات التجارية والتعاون الاستثماري
وأكدت مايسة خليل حسن أن العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين تشهد تطورا ملموسا، حيث ارتفعت قيمة التبادل التجاري إلى 622 مليون دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2024، مقابل 563 مليون دولار خلال الفترة نفسها من عام 2023.
وأشارت إلى أن الصادرات المصرية إلى الجزائر سجلت 605 ملايين دولار، وجاءت الزيوت العطرية ومستحضرات التجميل في المرتبة الأولى بقيمة 84 مليون دولار، إضافة إلى الحديد والصلب والآلات والأجهزة الكهربائية والنحاس، في حين تستورد مصر من الجزائر منتجات كيماوية والزجاج والمطاط ومنتجات الحديد والصلب.
كما ذكّرت بالاجتماع الأول للجنة الفنية المصرية الجزائرية للتعاون الاستثماري، الذي استضافته الهيئة العامة للاستثمار في 25 نوفمبر 2025، حيث تم تسجيل 21 مشروعا لمستثمرين مصريين في السوق الجزائرية، والاتفاق على تنظيم الاجتماع الثاني بالجزائر خلال عام 2026.
تطابق المواقف بشأن القضايا العربية المشتركة
وفي الجانب السياسي، أبرزت الدكتورة مايسة خليل حسن، أن التنسيق بين البلدين حول القضايا العربية المشتركة يمثل الدلالة الأكثر عمقا على متانة العلاقة، مشيرة إلى وجود تطابق كامل في وجهتي النظر بشأن الملف الليبي.
وفي هذا السياق، ذكرت أن الآلية الثلاثية لدول جوار ليبيا، التي تضم مصر والجزائر وتونس، عقدت اجتماعا وزاريا بالقاهرة في 21 مايو 2026، ثم اجتماعها الثاني بالجزائر يوم 25 أكتوبر 2026، حيث أصدر وزراء خارجية الدول الثلاث بيانا مشتركا أكدوا فيه المسؤولية التاريخية والدور المركزي لآلية دول الجوار في دعم المسار السياسي الليبي.
وأشارت الدكتورة مايسة خيلا، الى أن البيان قد أكد مساندة الجهود الأممية الرامية إلى تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة وحرة ونزيهة وفق إطار دستوري وقانوني متوافق عليه، ورفض التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية، والمطالبة بانسحاب المرتزقة والمقاتلين الأجانب والقوات الأجنبية من كامل التراب الليبي، إلى جانب التأكيد على ضرورة تحقيق المصالحة الوطنية والمحافظة على موارد الشعب الليبي وصون أصوله المالية المجمدة في الخارج، مع الاتفاق على عقد الاجتماع المقبل للآلية في تونس.
وبخصوص القضية الفلسطينية، أكدت الدكتورة مايسة خليل حسن، أن البلدين يرفضان تهجير الفلسطينيين، ويدعمان حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على خطوط الرابع من جوان 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
كما أشارت إلى إشادة الرئيس عبد المجيد تبون بجهود مصر في وقف الحرب على غزة، وتأكيده دعم الجزائر الكامل لهذه الجهود، مقابل تثمين الجانب المصري دور الجزائر في نصرة القضية الفلسطينية من خلال عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن خلال الفترة 2024-2025.
أما بشأن الملف السوداني، فأوضحت أن البلدين أكدا أهمية التوصل إلى هدنة إنسانية ودعما وحدة السودان وسيادته.
وفي قضية سد النهضة، أشارت إلى توافق الرئيسين على ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم عملية الملء والتشغيل بما يحقق مصالح الدول الثلاث بشكل عادل ومنصف.
كما استحضرت تصريحات وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، التي أكد فيها أن السياسة الخارجية المصرية تجاه دول حوض النيل تقوم على التعاون والتنمية وتحقيق المصالح المشتركة، وأن الحفاظ على الأمن المائي المصري لا يتعارض مع تطلعات دول الحوض إلى التنمية، مع رفض مصر الإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي وتمسكها بقواعد القانون الدولي ومبادئ عدم الإضرار والتعاون والتوافق.
أبعاد إسلامية وعربية وأفريقية للعلاقة
وأوضحت الدكتورة مايسة خليل، أن العلاقات الجزائرية المصرية تكتسب بعدا أوسع من إطارها الثنائي، لارتباطها بثلاثة أبعاد متداخلة، هي البعد الإسلامي والعربي والأفريقي.
فعلى المستوى الإسلامي، أشارت إلى أن الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية ووزارة الشؤون الدينية الجزائرية تمثل مرجعيات وسطية يمكن أن تتعاون في تجديد الخطاب الديني ومواجهة الفكر المتطرف.
وعلى المستوى العربي، اعتبرت أن البلدين يشكلان ركيزتين في جامعة الدول العربية، ويدعمان القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية للأمة.
وفي هذا الصدد، ذكّرت بتأكيد الرئيس عبد المجيد تبون، أن أمن مصر والسعودية جزء من الأمن القومي الجزائري.
أما على المستوى الأفريقي، فأبرزت أن البلدين يلتقيان في عضوية الاتحاد الأفريقي، ويسعيان إلى تعزيز دوره لتحقيق الاندماج القاري وفق أجندة التنمية الأفريقية 2063، كما يتقاسمان عضوية النيباد ومنظمة التعاون الإسلامي، ويواجهان التحديات نفسها في منطقة الساحل والصحراء.
الطاقة رافد أساسي لتعزيز الشراكة الاستراتيجية
وفي ما يتعلق بالتعاون الطاقي، أكدت مايسة خليل حسن، أن الطاقة تمثل أحد أهم روافد الشراكة التي يمكن أن تمنح البلدين ثقلا استراتيجيا، مشيرة إلى توقيع الهيئة المصرية العامة للبترول ومؤسسة سوناطراك الجزائرية، في الخامس من ماي 2026، مذكرة تفاهم لإرساء إطار مؤسسي لشراء النفط الخام الجزائري لمصر.
وأضافت أن وزير البترول المصري كريم بدوي وصف هذه الخطوة بأنها مهمة نحو تعزيز التكامل الإقليمي في مجال البترول، موضحة أن الاتفاق يستهدف توريد ما بين 1.5 ومليوني برميل شهريا، على شحنتين، بمتوسط يتراوح بين 65 و70 ألف برميل يوميا، مع بدء التصدير خلال الربعين الثالث أو الرابع من عام 2026.
وأبرزت أن التعاون النفطي يتجاوز حدود الشراء إلى الاستثمار المباشر، مشيرة إلى توقيع شركة بتروجت المصرية، خلال الزيارة نفسها، عقد تطوير المرحلة الثانية من حقل حاسي بير ركايز الجزائري باستثمارات تبلغ 1.1 مليار دولار، يتضمن إنشاء وحدة معالجة مركزية جديدة بطاقة 31.5 ألف برميل يوميا، على أن يمتد تنفيذ المشروع عبر 39 شهرا.
وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة مايسة خليل قائلة “وهذا يعني أن العلاقة لم تعد علاقة مشترٍ وبائع، بل أصبحت شراكة في الإنتاج والتطوير.”
مستقبل قوي بين البلدين
وأشارت الدكتورة مايسة خليل حسن، أنه في ضوء هذا الترابط، فإن استشراف مستقبل قوي بين البلدين لم يعد حلما بعيدا، بل أصبح مسارا قابلا للتحقق إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية المشتركة.
وفي ذات السياق، لفتت الدكتورة مايسة حسن خليل، الى أن مستقبل العلاقات بين البلدين يتشكل على أربعة مستويات كاملة، قائلة “وأرى أن هذا المستقبل يمكن أن يتشكل على أربعة مستويات متكاملة”.
وأضافت بأن “المستوى الأول هو الشراكة الاستراتيجية الشاملة، التي تنتقل بالعلاقة من التنسيق الظرفي إلى التكامل المؤسسي، عبر آلية تشاور سياسي دائمة على مستوى وزيري الخارجية، ومجلس أعلى للتنسيق الأمني والدفاعي، ولجنة مشتركة للطاقة والأمن الغذائي والمائي.” موضحة بأن تحقق هذا يفتح الطريق أمام المستوى الثاني.
واعتبرت أن المستوى الثاني، هو التكامل الاقتصادي والطاقي، الذي يبدأ، وفقا لها، من تحويل مذكرة التفاهم النفطية إلى اتفاق طويل الأجل، ثم يمتد إلى بناء بنية تحتية مشتركة، وإلى توسيع التعاون ليشمل الغاز المسال والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، بحيث تتحول مصر والجزائر من متنافسين في سوق الطاقة إلى شريكين في إنتاجها وتكريرها وتصديرها.
وفي هذا الاطار، أكدت بالقول ” ومع تحقق التكامل الاقتصادي، يصبح المستوى الثالث ممكنا وهو المحور العربي المستقل، الذي يجعل من البلدين نواة لمحور عربي قادر على إدارة أزمات الإقليم دون انتظار تدخل خارجي، وصياغة مواقف مشتركة في القضية الفلسطينية والأزمة الليبية والسودان وسد النهضة”.
وأضافت بأن “هذا المحور العربي، إذا ترسخ، يفتح بدوره الباب أمام المستوى الرابع، وهو الصوت الأفريقي المسموع، الذي يعزز حضور البلدين في الاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن ومنظمة التعاون الإسلامي، ويجعلهما قادرين على صياغة أجندة القارة والدفاع عن مصالحها في نظام دولي يتشكل من جديد.”
كما ترى الدكتورة مايسة خليل أن هذا المستقبل ليس مجرد أمنية، بل هو ممكن لأن البلدين يمتلكان مقوماته الحقيقية، موضحة ذلك بالقول” أن مصر تمتلك موقعا جغرافيا فريدا يتحكم في قناة السويس وباب المندب، وقدرات عسكرية وأمنية راكمتها منذ 2014، وخبرة دبلوماسية واسعة في إدارة الأزمات”. كما أن “الجزائر تمتلك عمقا صحراويا وموارد طاقية هائلة، ونفوذا في الساحل، وخبرة في مكافحة الإرهاب، وشبكة علاقات دولية مستقلة.”
وفي سياق متصل، قالت الدكتورة مايسة خليل “إذا اجتمعت هذه المقومات في إطار شراكة مؤسسية، فإن مصر والجزائر لن تكونا فقط قوتين إقليميتين لا يستهان بهما، بل ستصبحان ركيزتين لنظام إقليمي جديد يقوم على المصالح المشتركة والكرامة والاستقلال، لا على التبعية أو الارتهان لقوى خارجية.”
وفي ختام مداخلتها، أكدت الدكتورة مايسة خليل بأن الاحتفال بالذكرى السبعين للعدوان الثلاثي وذكرى الثورة الجزائرية ليس مجرد استذكار لتاريخ نضالي مشترك، بل هو دعوة صريحة لتحويل هذا الإرث إلى شراكة استراتيجية فاعلة في الحاضر والمستقبل.
وأضافت “فمصر والجزائر، اللتان خاضتا معا معركة التحرر في الخمسينيات، وتبادلتا التضحيات في 1967 و1973، وتبنيان اليوم شراكة طاقية واقتصادية وسياسية غير مسبوقة، تمتلكان فرصة تاريخية لأن تصبحا معا قوة عربية وإقليمية لا يستهان بها، وقادرتين على حماية مصالحهما وصياغة مستقبل المنطقة بدلا من تلقيه.” مشيرة الى أن هذا هو المعنى الحقيقي للاحتفال بالقول” أن نتذكر ما فعله الأجداد، لنعرف ما يجب أن نفعله نحن في زمن مختلف، وأن ندرك أن التضامن الذي أنقذ الماضي هو نفسه الذي يمكن أن يبني المستقبل.”
مهدي الباز




