صدر في العدد 72 من الجريدة الرسمية المرسوم الرئاسي رقم 26-326، الموقع من طرف رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، والمتضمن مهام وتنظيم وسير الشباك الوحيد الوطني للاستثمار.
ويشكل هذا الشباك، الذي تم وضعه تحت وصاية الوزير الأول، المخاطب الوحيد والمدمج والحصري للمستثمرين، ويفصل في جميع القرارات ويسلم كل العقود والاعتمادات والتراخيص وكافة الوثائق الأخرى المرتبطة بالاستثمارات المسجلة على مستواه، ابتداء من تسجيلها إلى غاية إنجازها واستغلالها.
ولفهم ما الجدوى الفعلية للشباك الوحيد في منظومة الاستثمار الوطني، وإلى أي مدى ينجح في اختصار المسافات وتذليل العقبات أمام المستثمرين؛ أجرت “شرشال نيوز” اتصالاً بالخبير الاقتصادي هواري تيغرسي، حيث أكد الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن صدور المرسوم الرئاسي رقم 26-326 المؤرخ في 12 أكتوبر 2026، المتضمن مهام وتنظيم وسير الشباك الوحيد الوطني للاستثمار، يمثل محطة مهمة في مسار إصلاح منظومة الاستثمار في الجزائر، بالنظر إلى الدور المنتظر من هذه الهيئة في تحسين العلاقة بين الإدارة والمتعامل الاقتصادي، وتبسيط الإجراءات المرتبطة بإنجاز المشاريع ومتابعتها.
وأوضح تيغرسي،في مداخلته، أن الأمر لا يتعلق بمجرد إنشاء هيئة إدارية جديدة، وإنما بمحاولة تنظيم المسار الاستثماري ضمن إطار أكثر تنسيقًا ووضوحًا، يسمح للمستثمر بالانتقال من مرحلة تسجيل المشروع إلى مرحلة تجسيده واستغلاله في ظروف أفضل.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن أهمية هذه الخطوة تنبع من كون الاستثمار إحدى الركائز الأساسية لتنويع الاقتصاد الوطني، وتقليص التبعية للمحروقات، وخلق مناصب الشغل، وتوسيع القاعدة الإنتاجية.
وأشار الخبير تيغرسي قائلا “غير أن تحقيق هذه الأهداف،لا يرتبط فقط بتوفير الامتيازات الجبائية أو العقار الاقتصادي، بل يتطلب أيضًا إدارة فعالة قادرة على مرافقة المستثمر وتوفير المعلومات الضرورية له وتقليص العراقيل الإدارية التي قد تؤخر إنجاز مشاريعه.”
وشدد الخبير الاقتصادي على أن نجاح الشباك الوحيد ينبغي أن يُقاس بقدرته على تحويل الإجراءات القانونية والتنظيمية إلى نتائج اقتصادية ملموسة، معتبرًا أن إحدى أبرز الإشكاليات التي تواجه المستثمر تتمثل في تعدد الإدارات والجهات المتدخلة في المشروع الواحد، وما يترتب عن ذلك من تنقلات متكررة للحصول على المعلومات والتراخيص والوثائق، واستهلاك الوقت في متابعة الإجراءات بدل التركيز على التحضير للمشروع والإنتاج.
وأضاف، أن توحيد المسار الاستثماري وتنسيق تدخلات الإدارات من شأنهما تخفيف العبء الإداري وتقليص تكاليف التأخير، ومنح المستثمر رؤية أوضح بشأن مراحل معالجة ملفه.
وفي هذا السياق، نبه الخبير تيغرسي إلى أن الشباك الوحيد لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد فضاء يجمع ممثلين عن إدارات متعددة، بل آلية لتنظيم العلاقة بين هذه الإدارات والمستثمر، بما يضمن وضوح المسار والوثائق المطلوبة والآجال المتوقعة والجهة المسؤولة عن معالجة كل إجراء.
وأكد أن استمرار الإدارات في العمل بصورة منفصلة، مع بقاء المستثمر مطالبًا بالتنقل بينها وتحمل عبء التنسيق، قد يجعل توحيد الشبابيك إجراءً شكليًا لا يحقق التحول المنتظر.
مرافقة المشاريع من التسجيل إلى دخول مرحلة الإنتاج
أبرز الأستاذ تيغرسي أهمية مرافقة المشروع الاستثماري عبر مختلف مراحله، بدل حصر العلاقة مع المستثمر في تسجيل المشروع أو منحه قرار الاستفادة من المزايا، موضحًا أن التحدي الحقيقي في الجزائر لا يتمثل فقط في استقطاب النوايا الاستثمارية، وإنما في تحويلها إلى مشاريع منجزة تدخل حيز الاستغلال.
ولفت إلى أن بعض المشاريع قد تحصل على الموافقات الضرورية، ثم تواجه صعوبات مرتبطة بالعقار أو التهيئة أو الربط بشبكات الطاقة والمياه أو تأخر التراخيص القطاعية، ما يجعل متابعة تقدم المشاريع والتنسيق لمعالجة العراقيل عنصرين أساسيين في جعل الشباك أداة لدعم الاستثمار الفعلي.
وفي سياق متصل، تطرق الخبير الاقتصادي إلى أهمية العقار الاقتصادي باعتباره أحد المحددات الأساسية للقرار الاستثماري، مشيرًا إلى حاجة المستثمر إلى معلومات دقيقة حول الأراضي المتاحة ووضعيتها القانونية ومساحتها ومدى جاهزيتها وإمكانية ربطها بمختلف الشبكات، فضلًا عن شروط الاستفادة منها.
وأضاف، الأستاذ تيغرسي قائلا” أن تطوير قاعدة بيانات عقارية محينة وإتاحتها للمستثمرين من شأنه تقليص الغموض والمساعدة على توجيه المشاريع نحو المواقع المناسبة لطبيعة نشاطها.” مشددا في الوقت ذاته على توفير معلومات موثوقة وآليات واضحة للتخصيص ومعايير معلنة تراعي جدية المشروع وقدرته على الإنجاز ومساهمته في خلق القيمة المضافة.
الرقمنة والتنسيق الإداري لتحسين مناخ الاستثمار
ومن جهة أخرى، أكد الأستاذ تيغرسي أن الرقمنة تكتسي أهمية خاصة في إنجاح هذا المسار، بالنظر إلى ما تتيحه من إمكانات لإيداع الملفات إلكترونيًا ومتابعة مراحل معالجتها وتلقي الإشعارات والوصول إلى المعلومات المتعلقة بالعقار والفرص الاستثمارية.
وأوضح أن البيانات التي يجمعها الشباك يمكن أن تساعد السلطات العمومية على فهم توزيع المشاريع بين القطاعات والولايات، وتحديد العراقيل الأكثر تكرارًا، وتحسين توجيه السياسات الاستثمارية.
وفي ذات السياق، شدد الأستاذ تيغرسي على مرافقة الرقمنة بمراجعة الإجراءات وتوحيد البيانات وتعزيز الربط بين الأنظمة المعلوماتية للإدارات.
كما أشار إلى أن وضع الشباك الوحيد تحت وصاية الوزير الأول يعكس أهمية التنسيق بين القطاعات في معالجة الملفات الاستثمارية، باعتبار أن المشاريع الاقتصادية غالبًا ما تتجاوز اختصاص إدارة واحدة.
الاستثمار المنتج ركيزة تنويع الاقتصاد الوطني
أبرز الأستاذ هواري تيغرسي أهمية الشباك الوحيد، قائلا “أن أهمية هذه الهيئة تتجاوز تسريع معالجة الملفات إلى إمكانية المساهمة في توجيه الاستثمار نحو الأنشطة المنتجة، وتعزيز التكامل بين المؤسسات الوطنية، وتطوير الصناعات التحويلية، وتقليص الاعتماد على استيراد بعض المدخلات متى كان إنتاجها محليًا مجديًا اقتصاديًا.
وشدد على أن الجزائر تحتاج إلى استثمارات لا تقتصر على رفع عدد المشاريع المسجلة، بل تساهم في خلق قيمة مضافة وتوفير مناصب شغل مستدامة وتطوير المهارات وتعزيز تنافسية المنتوج الوطني وفتح فرص جديدة للتصدير.
ومن هذا المنطلق، أكد أهمية استغلال المعلومات التي يوفرها الشباك في تحديد الاحتياجات القطاعية والمجالية، وتحسين التنسيق بين المشاريع والبنية التحتية والموارد المتاحة.
ودعا تيغرسي إلى اعتماد تقييم دوري لأداء الشباك الوحيد، يستند إلى مؤشرات واضحة، من بينها متوسط آجال معالجة الملفات، وعدد المشاريع التي انتقلت من التسجيل إلى الإنجاز، ونسبة المشاريع التي دخلت حيز الإنتاج، وحجم الاستثمار المنجز، ومناصب الشغل المستحدثة، والقيمة المضافة المحلية، ومساهمة المشاريع في الصادرات.
كما أكد أهمية الاهتمام بشكاوى المستثمرين وتحليل أسباب تكرارها، باعتبارها مؤشرات قد تكشف عن اختلالات إدارية تحتاج إلى معالجة من جذورها، موضحًا أن الإدارة الفعالة لا تكتفي بالرد على المستثمر عندما يشتكي، بل تعمل على منع تكرار المشكلة وتحسين الإجراء الذي تسبب فيها.
وفي المقابل، نبه الخبير الاقتصادي إلى ضرورة ألا يؤدي تبسيط المسار الاستثماري إلى تجاوز القواعد القانونية أو إضعاف الرقابة اللازمة لحماية البيئة والسلامة والمنافسة والمصلحة العامة.
وأفي هذا الصدد، أوضح أن المطلوب ليس منح الموافقات بصورة آلية، وإنما جعل دراسة المشاريع أكثر وضوحًا وفعالية، وتطبيق المعايير على الجميع بصورة متساوية، مع تمكين المستثمر من معرفة حقوقه وواجباته واحترام القواعد ضمن آجال وإجراءات مفهومة.
من إدارة الملفات إلى إدارة النتائج
وخلص تيغرسي إلى أن التحدي الأساسي أمام الشباك الوحيد الوطني للاستثمار يتمثل في الانتقال من منطق إدارة الملفات إلى منطق إدارة النتائج، مؤكدًا أن نجاحه لا ينبغي أن يُقاس بعدد المكاتب أو المنصات أو الملفات المستقبلة، وإنما بمدى مساهمته في تقليص الوقت الفاصل بين فكرة المشروع وبداية الإنتاج، وإزالة العراقيل التي تحول دون تجسيد الاستثمارات.
كما جدد التأكيد على أن المرسوم الرئاسي رقم 26-326 يوفر إطارًا تنظيميًا لتطوير دور الشباك الوحيد في مرافقة الاستثمار وتحسين التنسيق الإداري وتسهيل الوصول إلى المعلومات والعقار الاقتصادي ومتابعة المشاريع، غير أن القيمة الاقتصادية لهذا النص ستتحدد بمدى فعالية تطبيقه وقدرته على إحداث تغيير ملموس في تجربة المستثمر ونتائج الاستثمار على أرض الواقع.
واختتم الخبير الاقتصادي مداخلته بالتأكيد على أن “الشباك الوحيد الناجح ليس الذي يجمع الإدارات في مكان واحد فحسب، بل الذي يجعلها تعمل كمنظومة واحدة لخدمة الاستثمار”.
وأضاف، قائلا ” الاستثمار لا يتحول إلى ثروة بمجرد تسجيله، بل عندما يصبح مشروعًا منتجًا يخلق القيمة المضافة ويدعم الاقتصاد الوطني.”
مهدي الباز




