الأولى الثقافي الوطني

“الجالية الجزائرية بتونس من 1871 إلى 1962”: تاريخ مُغيّب يرويه المؤرخ جمال حڨي لمصطفى آيت موهوب

في لقاء نشره موقع الجمعية الدولية لأصدقاء الثورة الجزائرية، أعاد الإعلامي مصطفى آيت موهوب بالمؤرخ التونسي جمال حڨي، بمناسبة إصدار كتابه المعنون” الجزائريون في تونس، من 1871 إلى 1962: من الجامعوية إلى الوطنية”، إلى فترة كان فيها الوجود الجزائري في تونس هو الأكثر تنوّعا، لكن في الوقت ذاته، هو الأقل حظا في اهتمامات المؤرخين، ليضع تاريخ التفاعلات المتبادلة بين الشعبين في صدارة اهتمام لقائه، ويمنحه مساحة واسعة طالت جميع جوانبه.

واستهل الصحفي الجزائري آيت موهوب حواره، بالحديث عن خلفية بدايات اختيار المؤرخ التونسي جمال حڨي لموضوع الهجرة الجزائرية إلى تونس، والتي شكّلت الانطلاقة الأولى لدراسته، فبعيدا عن القرب الجغرافي بين البلدين، إلا أن تاريخ الوجود الجزائري في تونس كان مبهما نوعا ما من طرف المؤرخين، لمحدودية الأعمال التي كانت موجودة آنذاك، وهذا ما جعل الكاتب يهتم بكتابة تاريخ أكثر شمولا.

كما أن الصحفي آيت موهوب لم يفلت بالحديث عن الفترة التي حدّدها الكاتب والتي لم تكن وليدة ساعتها، وسعى من خلالها إلى ربطها بثورة المقراني وتزامنها في منطقة القبائل وفي الشرق الجزائري، باعتبارها القطرة التي أفاضت الكأس في تكثيف الهجرة الجزائرية نحو تونس، ورغم أن المؤرخ حڨي، أشار بأن عام 1871 لا يمثل عام بداية الهجرة، إلا أن وفرة الوثائق وتنوّعها في تلك الفترة هو العامل الذي أتاح تتبّع حركات الهجرة واستقرار الجزائريين في تونس، معتمدا في الوقت ذاته، على منهج يقوم على المقاربة المنهجية المتقاطعة للمصادر، بحيث يسمح هذا المنهج باستعادة استمرارية مسارات الهجرة وأشكال استقرار الجالية الجزائرية في تونس؛ والتي كانت تقتصر في البداية فقط على الفلاحين وصغار الملاك والمزارعين إلى جانب التجار والثوار الفارين من القمع الاستعماري والأعيان والشخصيات الدينية.

وكل ذلك كان تحت تأثير التوسّع الاستعماري وتطوّر اقتصاد السوق في الجزائر وتونس، فضلا عن العمل المأجور الذي جذب عمالة جزائرية مسّت حتى الطلاب الذين قدموا لمواصلة دراستهم في جامعة زيتونة وغيرهم.

وتركزت الجالية الجزائرية بشكل أكبر في البداية في المناطق الحدودية والداخلية في مهن أكثر مشقّة وأقل تأهيلا وأدنى أجرا، إلى غاية ثلاثينيات القرن الماضي بلغ عدد الجالية 2500 عامل جزائري في أرصفة الموانئ وورش السكك الحديدية.

لينتقلو فيما بعد إلى المراكز الحضرية الكبرى، التي كانت فيها تونس العاصمة هي أحدا الأقطاب الرئيسية.

وبحسب حڨي شكّلت بيئات العمل فضاءات هامة للتواصل الاجتماعي والتعبئة، الأمر الذي ساعدهم في الانخراط في العمل النقابي.

هذا وقد حازت قدرة الجالية على الحفاظ على تماسكها وثقافتها الأصلية على الأرض التونسية اهتماما واسعا من الصحفي موهوب، خاصة في ظل تنوعها، وهذا ما جعل المؤرخ حڨي يذهب بالقول إلى أن الأعراف العرفية والتضامن العائلي وكذا المؤسسات الدينية والفئوية، قد سمحت بالفعل في الحفاظ على الممارسات الاجتماعية والثقافية الموروثة من البلد الأصلي، على اختلاف أصولهم سواء عاصميين أو قسنطينيين او وهرانيين ميزابيين سوافة وتواتيين وورقليين وغيرهم.

وهذه الأصول بحسب حڨي، لم تكن كشكل من أشكال الفئوية ولم تعزل الجزائريين عن المجتمع التونسي، طالما أنه كان موجود بالفعل بين التونسيين أنفسهم. كما أن التقارب الجغرافي واللغوي وغيره ساهم في التبادل والاندماج في المجتمع التونسي، على غرار المصاهرة وتطور العمل المأجور والتوسع الحضوري والعمل السياسي والنقابي، وهذا نتج عنه وعي سياسي انتقل الى شعوري وطني جزائري فيما بعد.

هذا وقد خصّ الصحفي آيت موهوب حيّزا للحديث عن الوضع القانوني للجزائريين في تونس خلال الفترة الاستعمارية؛ قسّم فيه المؤرخ حڨي الوضع على ثلاث وضعيات كبرى تمثلت الأولى في الجزائريين الذين اعتبروا من رعايا الباي وتحول جزء منهم تدريجيا الى التونسة، أما الوضعية الثانية فقد ضمت الجزائريين الذين يخضعون للقضاء الفرنسي انتقلوا من رعايا فرنسيين الى فرنسيين مسلمين منحدرين من الجزائر، في حين أن الفئة الثالثة كانت أكثر هجانة لم تعامل لا كفرنسيين بالكامل ولا تونسيين تماما.

وفي معرض حديثه عن الفئة الثالثة، أشار المؤّخ التونسي جمال حڨي إلى المواجهة التي وقعت بين عمال من وادي سوف وعمال تونسيين في مارس 1937 حول الأولوية في التوظيف، وهو الموقف نفسه الذي تكرر عام 1955، ألزم على الجزائريين تبني إحدى الجنسيتين المتاحتين، غير أن الجزائريين قد طالبوا بهويتهم الخاصة، فبحسب حڨي، برغم ما انتجت هذه التجربة أثار الاقصاء والتهميش بقدر ما ساهمت في تعزيز التضامن بين الجزائريين والشعور بوحدة المصير وترسيخ الوعي الوطني.

وبرغم الحيز الذي أخذه موضوع الوعي الوطني في حوار مصطفى آيت موهوب، إلا أنه لم يُفرط في معرفة كيف استيقظ هذا الوعي، خاصة وأن الجالية كانت متعددة ومتنوعة بشكل كبير، وهذا السؤال لامس بالفعل إشكالية المؤرخ حڨي في كتابه المعنون “الجزائريون في تونس من 1871 إلى 1962: من الجمعوية إلى الوطنية”، فمن خلال هذا الكتاب أشار حڨي إلى أن الانتقال من وعي فئوي مجزأ إلى وعي وطني أكثر شمولا اعتمد على عدة عوامل؛ من بينها درجة اندماج مناطق المغادرة والوصول في اقتصاد السوق، تطور النزعة الفردية لدى المهاجرين، وفقدانهم للصفة الفلاحية وتحولهم الى بوليتاريا، فضلا عن اندماجهم الاجتماعي والمهني. وكما اعتبر أن عام 1930 كان المنعطف التاريخي بين هاتين الظاهرتين، كان أيضا يتوافق مع فترة للتحولات التاريخية والاجتماعية العميقة داخل الجالية الجزائرية في تونس، إضافة إلى صعود الحركات الوطنية في شمال افريقيا والعالم المستعمر.

وتبقى المرجعيات العائلية أو القبلية أو الاقليمية أساس تقلص الانغلاق الفئوي، فضلا عن تشكل مجتمعات مصالح تتجاوز أطر الجالية الأصلية وكذا وفرة ظروف الحياة والعمل الجديدة التي وفرت بيئة خصبة لتضامن يوقم أكثر على التجارب والمصالح.

وفي ختام حواره، وجه الصحفي موهوب سؤالا أزاح من خلاله الغموض عن العوامل التي تفسر أن تونس كانت القاعدة الخلفية الحقيقية للثورة الجزائرية، وذلك بفضل قربها الجغرافي من الشرق الجزائري -يقول حڨي- وكذا وجود حدود مواتية للتنقل، الراوبط الانسانية والتاريخية بين الشعبين، فضلا عن العدد الكبير للجالية الجزائرية في تونس، والدعم السياسي من السلطات التونسية، من تأمين وظائف التجنيد والإيواء والتظريب وغيرها، الأمر الذي جعل تونس توصف أحيانا “بالولاية السابعة” بحسب حقي.

ومن العدد الذي بلغ 250.000 لاجئا عام 1960 وكذا 66.000 مهاجرا مستقرا عام 1956 بحسب إحصاءات تونسية، لم يكونوا متفرجين في نظرة حڨي وإنما شاركوا في تجنيد المجاهدين وجمع الأموال والمعدات وقدموا الاطارات والمعلمين والأطباء والممرضين وغيرهم من الفاعلين الأساسيين في الكفاح، فضلا عن نقابات العمال والطلاب والصحافة والاذاعة التونسية التي ساهمت في نشر القضية الجزائرية.

كما أن قصف ساقية سيدي يوسف في فبراير 1958 والتي اختلطت فيها دماء الشعبين عززت من التضامن وساهمت في تدويل القضية الجزائرية بشكل أكبر.

هذا لم يخدم الثورة الجزائرية فحسب، بل شكل “قصة من التفاعلات المتبادلة” -بحسب ما وصفها حڨي- ساهمت في بناء الدولة التونسية المستقلة، وذلك من خلال تصاعد توترات اقليمية أضعفت المنظومة الاستعمارية الفرنسية وهذا الاخير خدم استقلال تونس والمغرب عام 1956، كما أن وجود جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني والحكومة المؤقتة ومئات الالاف من اللاجئين وضع الدولة التونسية أمام تحديات جديدة تتعلّق بالأمن والدبلوماسية والادارة وتأمين الحدود.

حفيظة بن عيسى

 

لقراءة الحوار كاملا من موقع الجمعية الدولية لأصدقاء الثورة الجزائرية اضغط هنا

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام