أقلامنا الأولى الدولي الوطني تحاليل وآراء

اضطرابات إيران تضع روسيا أمام اختبار النفوذ وحدود التحالف

تجد روسيا نفسها أمام مشهد إقليمي بالغ الحساسية مع تصاعد الاضطرابات الداخلية في إيران، حيث بات مستقبل النظام الإيراني معلقا على وقع احتجاجات متزايدة وضغوط خارجية متنامية، في وقت تراقب فيه موسكو التطورات بحذر شديد، مدركة أن أي تغيير جذري في طهران قد ينعكس مباشرة على مكانتها ونفوذها في الشرق الأوسط.

وتتزامن هذه التطورات مع مواقف أمريكية تصعيدية، إذ لم يستبعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اللجوء إلى الخيار العسكري ضد النظام الإيراني، ملوحا باتخاذ إجراءات قوية في حال تنفيذ أحكام إعدام بحق محتجين، فضلا عن فرض رسوم جمركية صارمة على الدول التي تواصل التعامل التجاري مع طهران، ما يزيد من عزلة إيران ويعمق أزمتها الداخلية.

وتكمن أهمية إيران بالنسبة لروسيا في كونها شريكا استراتيجيا وعسكريا واقتصاديا، إضافة إلى دورها كقوة إقليمية قادرة على فتح مساحات نفوذ لموسكو في منطقة تعاني أصلا من تراجع الحضور الروسي بعد اهتزاز تحالفاتها مع دول مثل سوريا وفنزويلا وأرمينيا. لذلك، فإن احتمال فقدان إيران كحليف يشكل مصدر قلق أكبر للكرملين مقارنة بخسائر سابقة، باعتبار أن طهران تمثل منصة تأثير إقليمي لا يمكن تعويضها بسهولة.

ويرى محللون أن سقوط النظام الإيراني، إن حدث، قد يفتح الباب أمام فراغ سياسي وصراعات داخلية بين أطراف متنافسة، ما يهدد بتفجر حالة عدم استقرار تمتد إلى مناطق حساسة مثل القوقاز، وهو ما تعتبره موسكو تهديدا مباشرا لأمنها القومي. كما أن انتقال عدوى الفوضى إلى محيطها الجغرافي سيجبر روسيا على البحث عن آليات جديدة لحماية حدودها والحفاظ على حد أدنى من النفوذ في المنطقة.

وعلى الرغم من عمق التعاون الروسي الإيراني خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا واعتماد موسكو على الدعم العسكري الإيراني، إلا أن هذا التحالف كشف عن حدوده خلال فترات التوتر بين إيران وإسرائيل، حيث التزمت روسيا موقفا حذرا وامتنعت عن تقديم دعم عسكري مباشر، ما عكس أولوية مصالحها الخاصة وتجنبها الانجرار إلى مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وحلفائها.

هذا الموقف الروسي لم يمر دون دلالات داخل طهران، إذ بدأ يظهر أن التحالف مع موسكو يقوم على تبادل المصالح الظرفية أكثر من كونه شراكة دفاعية صلبة. وفي ظل تصاعد الاحتجاجات واتساع الضغوط الدولية، يرى مراقبون أن روسيا تفتقر إلى الأدوات الفعلية لإنقاذ النظام الإيراني، سواء سياسيا أو عسكريا، خاصة في ظل انشغالها بجبهات أخرى واستنزاف قدراتها.

وفي حال حدوث تغيير سياسي في إيران، يرجح محللون أن تسعى موسكو إلى إعادة التموضع سريعا عبر فتح قنوات تواصل مع أي سلطة جديدة، في محاولة للحفاظ على موطئ قدم داخل البلاد ومنع إقصائها الكامل من الشرق الأوسط. فخسارة إيران ستعني بالنسبة لروسيا تراجعا إضافيا في قدرتها على منافسة الولايات المتحدة في المنطقة، وهو سيناريو تسعى جاهدة لتفاديه، ولو عبر تحالفات جديدة أقل طموحا ولكن أكثر براغماتية.

وبين الانتظار والترقب، تبدو روسيا اليوم أمام معادلة معقدة، حيث لا تملك القدرة على التأثير الحاسم في مسار الأحداث داخل إيران، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن نتائج هذه الأزمة قد تعيد رسم ملامح نفوذها الإقليمي لسنوات قادمة.

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام