أكد الكاتب محمد شريف غبالو، اليوم الثلاثاء، أن الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي لم تكن حدثاً عابراً، بل كانت ثمرة “كفاح ثوري” متراكم، تلازم فيه الرصاص مع الفكر والموقف.
وفي حديثه لشرشال نيوز على هامش مشاركته في تظاهرة ثقافية وعلمية بمناسبة إحياء ذكرى عيد الاستقلال والشباب المصادف لـ5 جويلية من كل سنة، بقصر مصطفى باشا (العاصمة)، أبرز الكاتب محمد شريف غبالو المحطات الفاصلة من تاريخ المقاومة الجزائرية، بدءاً من المقاومات الشعبية الأولى في سيدي فرج وسطاوالي وبوزريعة، موضحاً أهمية مقاومة بوزريعة في منع الاستعمار الفرنسي من دخول مدينة الجزائر، ومؤكداً أن الشعب الجزائري أثبت آنذاك قدرته على المقاومة رغم التفاوت الصارخ في موازين القوى.
المقاومة الشعبية الجزائرية لم تتوقف يوما
وفي هذا الصدد، أشار الأستاذ غبالو إلى الإرادة الصلبة لدى الشعب الجزائري، مستحضراً محطات من تاريخ المقاومة الشعبية التي تلت سقوط مدينة الجزائر وبعد نهاية مقاومة الأمير عبد القادر، قائلاً: “المقاومة ضد الاستعمار ما حبستش”، بل واصلت انتشارها عبر مختلف أنحاء الوطن، ومن أبرزها مقاومة الأمير عبد القادر، ومقاومة لالة فاطمة نسومر بمنطقة القبائل، ومقاومة بومزراق المقراني وبومعزة، وكذلك الشيخ الحداد. وبيّن أن المقاومة لم تنطفئ أبداً على عكس ما يُقال، بل اتخذت أشكالاً تنظيمية وسياسية متطورة من خلال الكتابة وممارسة العمل السياسي المقاوم عبر تنظيم الحركة الوطنية.
وعرج في حديثه إلى محطات مهمة كانت من بين أهم العوامل التي فجّرت الثورة، وعلى رأسها أحداث 8 ماي 1945، التي استشهد فيها أكثر من 45 ألف شهيد.
ثم انتقل إلى محطة 18 فيفري 1947 وتأسيس المنظمة الخاصة (OS)، مع محمد بلوزداد وحسين آيت أحمد، وصولاً إلى “اللجنة الثورية للوحدة والعمل”، التي شكلت النواة الصلبة لإعلان ثورة أول نوفمبر.
قوة الكلمة في بيان نوفمبر
ولم يغفل شريف غبالو في حديثه لشرشال نيوز عن الدور الجوهري للكلمة، حيث روى كواليس صياغة بيان أول نوفمبر، قائلاً: “التقى محمد بوضياف وديدوش مراد في 10 أكتوبر 1954، وكتبوا نص أول نوفمبر في دكان عيسى كشيدة بالقصبة”.
وأشار في هذا السياق إلى حرص قادة الثورة على تدقيق نص البيان لتجنب أي تأويل، قائلاً إن ديدوش مراد تحدث مع بوضياف واقترح الاستعانة بكاتب صحفي يُدعى محمد العيشاوي من منطقة القبائل لتدقيق البيان “.
وتابع سرده أن النص نُقل لاحقاً إلى قرية إيغيل مولى، حيث أوصله كريم بلقاسم إلى علي زعموم. وأضاف: “غير أن علي زعموم ذكر في أحد تسجيلاته -وقد سمعته يقول- إنه لم تكن الكهرباء متوفرة في منزله، فاقترح عليه رابح إيدير أن يُطبع البيان في منزله لكونه يتوفر على الكهرباء”. وأضاف: “بالفعل، تم ذلك في منزل رابح إيدير، حيث جرى إعداد وطبع النص الذي أصبح لاحقاً بيان نداء أول نوفمبر”، وذلك وفق مخرجات اجتماع 23 أكتوبر 1954، الذي انعقد في حي “بوانت بيسكاد” (رأس حميدو حالياً) بمنزل مراد بوكشورة.
وأضاف المتحدث لشرشال نيوز أن هذا البيان كان الشرارة التي انبثقت منها الثورة وانتشرت عبر كامل التراب الوطني وصولاً إلى الاستقلال في 5 جويلية 1962.
تنظيمات سرية لقمع صوت الثورة الخالد
وفي رده على سؤال شرشال نيوز حول الجرائم التي ارتكبتها فرنسا من خلال التنظيمات السرية التي أقامتها وعلى رأسها منظمة “اليد الحمراء”، وكيف تصدت لها جبهة التحرير الوطني، أكد غبالو أن هذه الجرائم كانت تتم بالتعاون مع المستوطنين الأوروبيين (الكولون)، الذين رفضوا الاعتراف بوجود مقاومة جزائرية ضد الاستعمار.
وقبل تأسيس منظمة الجيش السري (OAS) رسمياً سنة 1961 في مدريد، كانت الجماعات الاستيطانية تمارس مختلف أشكال العنف والقمع ضد الجزائريين.
وأوضح المتحدث أنه خلال معركة الجزائر، تعاونت الشرطة الفرنسية مع المستوطنين في تنفيذ سياسات القمع التي انتهجتها الإدارة الاستعمارية، حيث استُخدمت التفجيرات وأعمال الإرهاب ضد المدنيين، ومن أبرزها التفجير الذي وقع يوم 10 أوت 1956 بشارع دي تيب في القصبة، والذي أسفر عن استشهاد أكثر من ثمانين جزائرياً وتدمير عدد من المنازل، في واحدة من أكبر المآسي التي شهدها الشعب الجزائري آنذاك.
وأوضح الكاتب أن منظمة “اليد الحمراء”، التي مثّلت أحد أذرع التيار الاستعماري المتطرف، سعت إلى الحفاظ على المصالح الاستعمارية الفرنسية في الجزائر والدفاع عن امتيازات المستوطنين وثرواتهم، مع مواصلة سياسة القمع ضد الشعب الجزائري.
وفي مواجهة هذه الممارسات، أكد غبالو أن نضال الثورة الجزائرية لم يقتصر على الكفاح المسلح، بل شمل أيضاً مواجهة الدعاية الاستعمارية عبر خطاب ثوري مضاد هدفه فضح ممارسات الاستعمار والدفاع عن عدالة القضية الجزائرية.
وفي حديثه عن منظمة الجيش السري (OAS)، أشار إلى أنها كانت امتداداً للتيار الاستعماري المتطرف المدافع عن فكرة “الجزائر الفرنسية”، مبرزاً أنها تأسست من طرف بيير لاغايارد وجان جاك سوزيني سنة 1961 في مدريد بإسبانيا، واعتمدت على الإرهاب وسيلة لمنع استقلال الجزائر.
وختم الكاتب محمد شريف غبالو حديثه قائلاً: “غير أن الشعب الجزائري، بفضل تضحيات مجاهديه وشهدائه، تمكن من إفشال مخططاتها وتحقيق الاستقلال.. رحم الله الشهداء، وعاشت الجزائر حرة مستقلة.”
مهدي الباز




