أثار كتاب “محمد السادس اللّغز” للكاتب الصحفي تيري أوبرليه ضجّة إعلامية، كشف خلالها الكثير من الجوانب التي ضلّت تطرح علامات استفهام كبيرة حول شخصية الملك محمد السادس، ودوره في إدارة شؤون المغرب. وقد جاء الكتاب الصادر عن دار “فلاماريون” في 14 جانفي الجاري مباشرة بعد غياب الملك عن مباريات المغرب في كأس أمم إفريقيا المُقام بالمملكة.
الغياب الملحوظ وراء الكواليس
لم يمرّ، غياب الملك محمد السادس عن مباريات المغرب في كأس أمم إفريقيا مرور الكرام، رغم أنّ ولي العهد الأمير مولاي الحسن أبهر بحضوره لحفل افتتاح كأس الأمم الأفريقية في 22 ديسمبر.
وقد كشف طبيبه الشخصي في 10 جانفي السبب الحقيقي وراء هذا التغيب المطول: “يعاني صاحب الجلالة الملك من عرق النسا الميكانيكي المصحوب بتشنج عضلي، دون أي مؤشرات خطيرة”، كما جاء في بيان وكالة الأنباء المغربية.
أكّد البروفيسور لحسن بلياماني أن آلام الظهر هذه تستلزم “علاجاً طبياً ملائماً وفترة راحة وظيفية”. وكان الملك قد ظهر خلال زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون الرسمية في أكتوبر 2024 متكئاً على عصا بسبب ألم في العصب الوركي. وبعد شهرين، خضع لعملية جراحية في الرباط لكتفه الأيسر بعد “كسر في عظم العضد” نجم عن سقوط خلال ممارسة رياضية.
ويُبدي مراقبون قلقاً إزاء المشاكل الصحية المتكررة للملك محمد السادس، الذي خضع أيضاً لعملتين في القلب عامي 2018 و2020.
المغرب لم يعد يعرف شيئاً عن ملكه…
بعد قرابة سبعة وعشرين عاماً من اعتلائه العرش، يبقى العاهل المغربي شخصية صعبة الفهم. هل هو ملك قريب من البسطاء أم رئيس دولة منعزل؟ مُصلح متحفظ أم قائد استبدادي؟ هل يحكم فعلياً أم يفوض الأساسيات لمحيطه؟
وحاول الصحفي تيري أوبيرلي في كتابه رفع الستار عن الأوجه المتعددة لملك المغرب.
أسرار الكتاب المثيرة
تكشف التحقيقات أن العاهل يعاني من مرض مزمن منهك بشكل خاص، يُوصف بأنه “غير قابل للشفاء”، يضاف إليه علَّة أكثر حميمية: انجذاب دائم للخارج.
هذا الميل قد يفسّر غيابه المتكرّر عن المملكة، الذي يتجاوز أحياناً ستة أشهر سنوياً، مع تفضيل واضح للعاصمة الفرنسية، رغم العلاقات المتدهورة علناً مع الرئيس إيمانويل ماكرون.
يغوص المؤلف أيضاً بالقارئ في قلب “المخزن”، ذلك العالم المغلف بستار من السرية للسلطة الملكية في الرباط، الذي يتّسم بالتنافسات والنبوات المؤقتة والولاءات الهشة.
ومن بين الشخصيات المثيرة للجدل التي تدور في فلك القصر، الأخوان زعيتر، الملاكمَان من أصول ألمانية مغربية، واللذان فصّل الكتاب صلاتهما المزعومة مع الجريمة المنظمة.
كسر تابو خطير
يتناول الكتاب أيضاً موضوعاً ظلَّ محرّماً لفترة طويلة: التسامح، بل والتواطؤ في قمة الدولة، الذي يُزعم أنه ساهم في ازدهار تجارة القنب الهندي انطلاقا من منطقة الريف، المصدر الرئيسي لنسبة كبيرة من الحشيش المستهلك في فرنسا.
ملك كثير الغياب عن عرشه
من السنوات الأولى لحكمه، كثّف محمد السادس سفرياته للخارج، أحياناً بسرّية تامة. وتشير بعض المصادر إلى زيارات سريّة لدرجة أن مُقرَّبين سافروا بوثائق مُزيَّفة.
أثارت غيابات الملك الطويلة تساؤلات في الصحافة المغربية، لا سيما عام 2013، عندما تساءل أحد المحررين علناً عن شرعية هذه الإقامات المطوّلة، وهو موقف كلّفه السجن وإغلاق وسيلته الإعلامية.
ابتداءً من 2015، تكرّرت الغيابات. فبين 2017 و2018، قضى الملك أكثر من نصف العام خارج البلاد. يصفه مُقرَّبوه كرجل مولع بالمُتع، لكن مساعديه يؤكدون أنه ظلّ يتابع شؤون الدولة عن بُعد، خصوصاً عبر الهاتف. غير أن بعض الدبلوماسيين يتحدّثون عن حُكم مضطرب، بين انخراط مثكثّف على مقاطعة شبه تامة.
ثروة طائلة وغامضة
صنفته “فوربس” لزمن طويل بين أغنى الحكام في العالم، وقد نَمَت ثروة محمد السادس بشكل مذهل على مر السنين. فبعد أن قُدّرت بـ 2.5 مليار دولار عام 2014، يُرجَّح أنها تضاعفت السنة التالية، مدفوعةً بارتفاع قيمة أصول الشركة القابضة الملكية “إس إن آي” التي أصبحت “المدى”. ومنذ انسحاب الأخيرة من بورصة الدار البيضاء، زالت أيّ التزامات بالشفافية المالية، مما صعّب عملية التقدير.
رغم هذا الغموض، تُؤكّد عدة مؤشرات استمرار إثراء العاهل، حتى خلال الجائحة الصحية. يُعتقد أن الأرباح المُوزَّعة والاستثمارات العقارية وإعادة هيكلة الشركات رفعت ثروته اليوم لأكثر من 10 مليارات دولار، مما يجعله أغنى رجل في المغرب.
ملف القنب الهندي الحسّاس
يتناول الكتاب بإسهاب موضوع إدارة تجارة المخدرات، خاصة في منطقة الريف. وفقاً لعدة باحثين، يتمّ تسامح السلطة المركزية مع هذا الاقتصاد الموازي وتنظيمه، مُقدّمةً الاستقرار على تفكيك الشبكات القائمة فجأة. وقد تمّ ملاحقة ناشطين فضحوا هذه الممارسات وسجنهم، مما يوضّح صعوبة، بل وخطورة، كسر هذا الصمت المؤسسي.
يتطرّق الكتاب أيضاً إلى الصلات المزعومة بين بعض الفاعلين السياسيين وتجارة المخدرات، وهو موضوع ظلّ يخترق الحياة السياسية المغربية، خاصة عند تأسيس “حزب الأصالة والمعاصرة” الذي يتّهمه خصومه غالباً بالاستفادة من تمويلات مشبوهة.
باريس.. ملاذ سريّ
عندما يسافر محمد السادس بصفة خاصة، تبقى وجهته معروفة ضمن نطاق ضيّق. وتعدّ باريس من بين أماكنه المفضلة. رغم التوترات الدبلوماسية، تُبلَّغ السلطات الفرنسية بشكل منهجي لضمان أمنه. وقد أقام الملك عام 2022 ما يقارب أربعة أشهر متتالية في فرنسا.
منذ جائحة كوفيد-19، أصبح يمتلك فندقاً خاصاً قرب “شان دو مارس”، اُشتري بحوالي 80 مليون يورو. يمثل هذا المسكن الباريسي تعلّق العاهل الدائم بفرنسا، حتى لو بدا وليّ العهد الأمير أقل تأثراً بهذا الإرث الثقافي.
علاقة مقطوعة مع إيمانويل ماكرون
تدهورت بشدة العلاقات بين الرباط والإليزيه بعد الكشف عن استخدام برنامج التجسّس “بيغاسوس”. كان الهاتف الشخصي لإيمانويل ماكرون من بين الأرقام التي يُحتمل أن تكون مستهدفة، في قضية شملت العديد من الشخصيات الفرنسية والمغربية. وتُوجّه الشبهات للمغرب دون أن يُتّهم رسمياً أبداً.
ويبدو أن اتصالاً هاتفياً مُتوتِّراً بين الرئيسين قد أدّى إلى القطيعة. حيث يقال إن إيمانويل ماكرون استفسر مباشرة من محمد السادس عن هذه الاشتباهات، فتلقى نَفياً قاطعاً. ومع ذلك، يُقال إن الرئيس الفرنسي أبدى تشكّكه، مما أنهى المحادثة فجأة.
منذ ذلك الحين، بقيت العلاقات باردة. لم تتكوّن أي روابط شخصية بين الرجلين، وتسير العلاقة الثنائية في مسافة مقصودة، يمتنفها عليها سوء الفهم واللامبالاة المتبادلة.
ط.ب





