تظهر المؤشرات المتراكمة منذ سنوات، والتي بلغت ذروتها في عام 2026، بأن العالم يقف أمام لحظة فارقة لا تشبه سابقاتها؛ لحظة يظهر فيها، للمرة الأولى في تاريخه الحديث، فاعل لا ينتمي أصلًا إلى منظومة الدولة الوطنية، بل يتجاوزها ويتغلغل في وظائفها من الداخل، ذلك الفاعل هو الذكاء الاصطناعي.
من وستفاليا إلى أزمة السيادة
منذ معاهدة وستفاليا عام 1648، قام النظام الدولي على ركيزة واحدة لا تتزعزع، وهي الدولة ذات السيادة، صاحبة الحق الحصري في احتكار القوة و السلطة و القرار داخل حدودها الجغرافية.
ولم يكن هذا المبدأ مجرد ترتيب قانوني، بل تصورًا فلسفيًا كاملًا لكيفية توزّع السلطة في العالم؛ فاعلون متساوون قانونيًا- أي لا فرق بين دولة صغيرة وكبيرة ، يتفاعلون فيما بينهم عبر الحرب أو الدبلوماسية أو التحالف، دون أن يعلو عليهم فاعل خارجي (غير دولاتي).
وصمد هذا التصور القانوني والفلسفي أمام اختبارات عدة، بعضها كان بالنار والحديد، من ظاهرة الاستعمار إلى الحربين العالميتين، فالحرب الباردة، فضلًا عن العولمة الاقتصادية. وفي كل مرة كانت السيادة تتعرض للتآكل الجزئي، لكنها كانت تُعاد صياغتها ولا تُلغى. فالشركات متعددة الجنسيات والمنظمات الدولية والفاعلون من غير الدول بمختلف أصنافهم، أثّروا جميعًا في هامش القرار السيادي، لكن لم يزاحم أيٌّ منهم الدولة في جوهر وظائفها التي احتكرتها تحت مبدأ السيادة، من ضبط الاقتصاد وإدارة الأمن إلى صياغة الخطاب العام.
إلى أن جاء عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي. فهذا الفاعل الجديد لا يتموضع خارج الدولة الوطنية محاولًا تقويض سيادتها من الخارج، بل يتغلغل في مختلف وظائفها، من موقع لا تملك أي دولة، مهما بلغت قوتها، احتكاره أو التحكم الكامل في مساره.
من أدوات الإنتاج إلى أدوات القرار
لفهم حجم هذا التحول السريع، الذي بات يهدد مكانة الدولة باعتبارها الفاعل المركزي في العلاقات الدولية، ويعيد تشكيل نمط التفاعلات الدولية برمّته، لا بد من قراءته ضمن تراكم الثورات الصناعية المتعاقبة.
بدأ الأمر مع الثورة الصناعية الأولى، القائمة على البخار والمكننة، والتي غيّرت موازين القوة الاقتصادية بين الدول، لكنها أبقت القرار السياسي في يد النخب التقليدية، وهي النخب ذاتها التي استفادت من هذا التحول في أساليب الإنتاج، وأصبحت تمثل السلطة الفاعلة داخل نمط التفاعلات المعروف باسم الدولة.
ثم جاءت الثورة الصناعية الثانية، بالكهرباء والإنتاج الكتلي، فعمّقت الفجوة بين الدول الصناعية والمستعمرات آنذاك، لكنها ظلت أداة في يد الدولة الوطنية توظفها لتعزيز سيادتها، لا لتهديدها.
أما الثورة الصناعية الثالثة، الرقمية والمعلوماتية، فقد بدأت تُحدث الفارق الأول الحقيقي من خلال شبكات الإنترنت التي جعلت المعلومة تتحرك خارج نطاق السيطرة المباشرة للدولة وبعيدًا عن سلطتها الرقابية، وأنتجت فاعلين اقتصاديين عابرين للحدود (الشركات متعددة الجنسيات) يمتلكون قدرات تنافس اقتصادات دول بأكملها، بما عمّق التحولات والفجوات داخل الاقتصاد العالمي بين دول الشمال و الجنوب. غير أن الدولة ظلت، حتى في هذه المرحلة، قادرة، ولو بقدرة متدنية، على إحكام سلطتها وفرض تشريعاتها وتنظيم انسيابية المعلومة عبر الرقابة والتنظيم.
أما الثورة الصناعية الرابعة، المتمثلة في ثورة الذكاء الاصطناعي، فهي تطرح تحولًا جذريًا بالنسبة إلى دور الدولة الوطنية اليوم. فالذكاء الاصطناعي لا ينتج سلعًا أو خدمات فحسب، بل ينتج معرفة وسرديات وتوصيات وقرارات تُبنى عليها سياسات الدول نفسها. فحين تعتمد الحكومات على نماذج لغوية وأنظمة تنبؤية في صياغة سياساتها الاقتصادية والأمنية والصحية، فإنها تُفوّض جزءًا من سيادتها المعرفية لمنظومات لا تملكها بالكامل، ولا تفهم آليات عملها الداخلية بدقة، ولا تستطيع التنبؤ بمساراتها المستقبلية. وهنا، بالتحديد، يكمن التحول في مفهوم السيادة، إذ تصبح قدرة الدولة على اتخاذ القرار مرتبطة، بصورة متزايدة، بمنظومات تتجاوز قدرتها على السيطرة الكاملة.
أبرز مؤشرات هذا التحول عسكريًا في 2026
انتقل الذكاء الاصطناعي من التخطيط الاستراتيجي إلى إدارة جانب من العمليات القتالية الفعلية في أرض المعركة، حيث كشفت أحدث الدراسات الاستراتيجية والأمنية خلال عام 2026 عن دخول الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة من الاستخدام العسكري المباشر، عبر منظومات تحلل بيانات الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة لتوليد أهداف عسكرية في دقائق بدلًا من ساعات.
وفي هذا السياق، اعتمدت الولايات المتحدة منظومة “مافن سمارت” في تحليل بيانات الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة والاستخبارات الإشارية، بما مكّن من توليد الأهداف العسكرية وترتيب أولوياتها خلال دقائق بدلًا من ساعات، في مؤشر يعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من أداة لتحليل البيانات إلى عنصر مؤثر في دورة اتخاذ القرار العسكري.
2026.. الفاعل الفوق-وطني يتشكّل
ما يجعل عام 2026 محطة مفصلية بالتحديد هو تقاطع ثلاثة مسارات تؤثر في موقع الفاعل الرئيسي على مستوى النظام الدولي.
أولًا، بلوغ قدرات النماذج مستوى يجعلها شريكًا فعليًا في صناعة القرار، لا مجرد أداة مساعدة.
ثانيًا، تسابق القوى الكبرى على فرض سيطرتها التنظيمية على هذه التقنية عبر قيود التصدير وضوابط الاستخدام، وهو ما يكشف، في حد ذاته، عن إدراك متزايد من الدول لحجم التحدي الذي تفرضه منظومات يصعب احتكارها أو التحكم الكامل في مساراتها.
وثالثًا، بدء الحديث اليوم عن حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي، بما يعني ضمنيًا الاعتراف بأن هذه التقنية تستدعي إطارًا يتجاوز قدرة الدولة المنفردة، مهما بلغت قوتها، على إدارتها بمفردها.
وهنا تكمن المفارقة العميقة، فالدولة الوطنية، التي نشأت أصلًا لاحتكار السيادة ومنع أي منافس عليها، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى التعامل مع منظومات لا هوية جغرافية لها، ولا جيش نظامي، ولا حتى حدود جغرافيا، لكنها تملك قدرة متزايدة على التأثير في مختلف مفاصل صنع القرار السيادي وتشكل أيضا نمط العلاقات الدولية الحديث.
نظام دولي في طور إعادة التشكّل
قد يعترض معترض بأن الفاعلين من غير الدول، من الشركات العابرة للحدود إلى المنظمات الدولية، أثّروا هم أيضًا في هامش القرار السيادي دون أن يُنهوا الدولة الوطنية، فلماذا يكون الذكاء الاصطناعي مختلفًا؟
الفارق هنا نوعي لا كمي؛ فالشركة العابرة للحدود تبقى فاعلًا يمكن تحديد هويته ومساءلته، ويمكن للدولة التفاوض معه بوصفه طرفًا خارجيًا قابل لتفاوض. أما الذكاء الاصطناعي، فلا يتموضع بالضرورة خارج دائرة القرار، بل يُدمج مباشرة داخل آليات صنعه، بسرعة قد تتجاوز قدرة المراجعة البشرية، وبمنطق “الصندوق الأسود”الذي قد يجعل حتى الجهة التي تستخدمه عاجزة عن تفسير بعض مخرجاته الحرجة. فما تفعله الشركات من الخارج، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفعله من الداخل.
ومن هنا، يبدو أن الدولة الوطنية، بصيغتها التقليدية القائمة على احتكار السلطة والقرار السيادي، تواجه تحديًا غير مسبوق مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في مختلف وظائفها، داخليًا وعلى مستوى النظام الدولي. فالمؤشرات المتراكمة تكشف عن تحوّل عميق في بنية الفاعلين المؤثرين، مع بروز منظومات عابرة للحدود قد تغير مستقبلا طبيعة وشكل النظام الدولي برمته، اذ يصبح الفاعل الأساسي فيه هو الذكاء الاصطناعي.
مهدي الباز




