الأولى الاقتصادي الوطني تحاليل وآراء
✒️ الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي لشرشال نيوز

” كفرا” يمكن أن يتحول من حقل نفطي إلى نواة لمنظومة اقتصادية وطاقوية عابرة للحدود

في خطوة جديدة تعزز مسار الشراكة الاستراتيجية والتعاون الثنائي بين الجزائر والنيجر، أشرف الوزير الأول سيفي غريب، بتكليف من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، رفقة نظيره النيجري علي لمين زين، على الإطلاق الرسمي لأشغال حفر البئر الاستكشافية “كفرا جنوب شرق 1” بجمهورية النيجر.

هذه الخطوة تحمل في دلالاتها أبعادًا تتجاوز المشروع النفطي القائم بين البلدين، لتشمل رهانات استراتيجية واقتصادية أوسع، في سياق يتجه فيه التعاون الجزائري-النيجري نحو مجالات أكثر ارتباطًا بالتكامل الاقتصادي وتعزيز المصالح المشتركة.

ولفهم أبعاد هذه الخطوة والخوض في تفاصيلها وانعكاساتها، أجرت “شرشال نيوز” اتصالًا بالخبير الاقتصادي هواري تيغرسي، لتسليط الضوء على أهمية مشروع “كفرا”وما يمكن أن يمثله في مسار الشراكة الجزائرية-النيجرية و الجزائرية -الافريقية ككل .

مشروع نفطي بأبعاد اقتصادية كبرى

أكد الحبير الاقتصادي هواري تيغرسي، في مداخلته لـ”شرشال نيوز” أن إطلاق أشغال حفر البئر الاستكشافية “كفرا جنوب شرق 1” في النيجر، يتجاوز البعد النفطي البحت، باعتباره محطة تعكس انتقال العلاقات الجزائرية–النيجرية من مستوى التعاون السياسي والدبلوماسي إلى مستوى الشراكة الاقتصادية المنتجة.

وأوضح تيغرسي أن أهمية المشروع تكمن في كونه يجسد، على أرض الواقع، معنى التعاون الاقتصادي البيني الإفريقي، موضحا أن انتقال العلاقات بين دولتين من توقيع الاتفاقيات إلى حفر الآبار وإنجاز البنية التحتية وتطوير الموارد يعني الانتقال إلى تعاون ينتج قيمة اقتصادية حقيقية.

وأشار الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي إلى أن تطوير حقل كفرا بالنسبة للنيجر يمثل استثمارا في مورد استراتيجي يمكن أن يدعم الإيرادات العمومية، ويوفر فرص العمل، ويساهم في تطوير قطاع المحروقات والخدمات المرتبطة به، لافتا إلى أن دخول الخبرة الجزائرية، من خلال سوناطراك وفروعها، يمكن أن يساهم في نقل التكنولوجيا والخبرة في مجالات الاستكشاف والحفر والخدمات النفطية.

وشدد الأستاذ هواري تيغرسي على أن المعادلة لا ينبغي أن تتوقف عند استخراج النفط، وإنما يجب أن تتجه نحو بناء قدرة نيجرية على التحكم تدريجيا في سلسلة القيمة النفطية، بما يسمح بتحويل المشروع إلى رافعة للتنمية الاقتصادية.

تدويل الخبرة الوطنية في الفضاء القاري

وبالنسبة للجزائر، يرى تيغرسي أن كفرا يمثل فرصة لتدويل الخبرة الوطنية في مجال المحروقات، ولا سيما خبرة سوناطراك في العمل في البيئات الصحراوية، معتبرا أن المؤسسات الجزائرية تستطيع من خلال هذه التجربة الانتقال من تصدير المحروقات إلى تصدير الخبرة والخدمات والتكنولوجيا والهندسة والتكوين.

وفي هذا السياق، اعتبر أن مشروع كفرا يمكن أن يشكل نموذجا جديدا للدبلوماسية الاقتصادية الجزائرية في إفريقيا، تكون فيه المؤسسة الاقتصادية شريكا في التنمية، وليس مجرد مقاول منفذ.

شراكة “رابح-رابح” ..القيمة المضافة

وحول مفهوم الشراكة «رابح–رابح»، أوضح تيغرسي أن هذا المبدأ لا ينبغي أن يفهم فقط من زاوية تقاسم العائدات، وإنما من خلال القيمة المضافة التي يمكن أن يحققها المشروع للاقتصادين الجزائري والنيجري، وللمؤسسات المحلية والمجتمعات من خلال الوظائف والتكوين وتطوير البنية التحتية.

وأكد الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن نجاح “مشروع كفرا” مستقبلا لا يجب أن يقاس فقط بحجم الإنتاج، وإنما أيضا بحجم القيمة المضافة التي ستبقى داخل الاقتصادين الجزائري والنيجري.

القيمة الاستراتيجية للمشروع

يرى الأستاذ هواري تيغرسي أن القيمة الاستراتيجية للمشروع تكمن كذلك في إمكانية التفكير فيه ضمن منظومة أكبر، ففي حال تحولت عمليات الاستكشاف إلى إنتاج تجاري، ستطرح أسئلة تتجاوز كيفية استخراج النفط إلى كيفية نقله ومعالجته وتطوير الخدمات النفطية وإنشاء الصناعات المرتبطة به وربط هذه المنظومة بالبنية التحتية الإقليمية.

وأكد الأستاذ تيغرسي  في هذا السياق بالذات بأن كفرا يمكن أن يتحول من حقل نفطي إلى نواة لمنظومة اقتصادية وطاقوية عابرة للحدود، مع ضرورة النظر إلى المشروع ضمن فضاء إقليمي أوسع.

وفي هذا الإطار، أشار الخبير الاقتصادي إلى إمكانية التفكير مستقبلا في التكامل بين مشاريع الطاقة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية، خصوصا أن الجزائر والنيجر ينتميان إلى فضاء جغرافي يمكن أن يتحول إلى ممر اقتصادي وطاقوي مهم.

غير أنه شدد على ضرورة التمييز بين مشروع كفرا، باعتباره مشروعا نفطيا، ومشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يربط نيجيريا بالنيجر والجزائر لنقل الغاز النيجيري، مؤكدا أن المشروعين ليسا مشروعا واحدا، وإن كان من الممكن مستقبلا دراسة أوجه التكامل بين شبكات الطاقة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية إذا تطورت المشاريع وأثبتت جدواها الاقتصادية.

نحو شراكة افريقية – افريقية

كما اعتبر الأستاذ تيغرسي أن أهمية كفرا لا تتوقف عند الجزائر والنيجر، بل تحمل بعدا إفريقيا أوسع، باعتباره نموذجا لإمكانية بناء شراكات بين الدول الإفريقية بالاعتماد على الموارد والخبرات والاستثمارات الموجودة داخل القارة.

وفي هذا الشأن، يرى الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي بأن إفريقيا لا تعاني بالضرورة من نقص الاتفاقيات، بقدر ما تحتاج إلى تحويل هذه الاتفاقيات إلى مشاريع حقيقية، معتبرا أن القيمة السياسية والاقتصادية لما حدث في كفرا تكمن في انتقال التعاون إلى مرحلة تنفيذية.

وأضاف أن وصول آلة الحفر الجزائرية إلى موقع المشروع وعمل المهندسين والتقنيين والمؤسسات من البلدين في مشروع واحد لا يعني بناء بئر فقط، وإنما بناء شبكة من المصالح الاقتصادية المشتركة، وهي الشبكة التي تجعل العلاقات بين الدول أكثر استدامة.

البعد اللوجيستي للمشروع

وتوقف الأستاذ تيغرسي عند البعد اللوجستي للمشروع، مشيرا إلى أن نقل معدات الحفر الجزائرية إلى موقع كفرا شكل تحديا لوجستيا وتقنيا، في إشارة إلى نقل آلة الحفر «ENF-13» بقدرة 2000 حصان من الجزائر إلى موقع المشروع.

واعتبر أن هذا الجانب يقدم درسا مهما بشأن التكامل الإفريقي، الذي يحتاج، إلى جانب الاستثمارات، إلى تطوير الطرق والموانئ والسكك الحديدية والطاقة والاتصالات، مؤكدا أنه لا يمكن بناء سوق إفريقية مشتركة حقيقية إذا بقيت تكلفة نقل السلع والمعدات والأشخاص مرتفعة.

وأكد الأستاذ تيغرسي أن المرحلة المقبلة ينبغي ألا تتوقف عند المحروقات، بل أن تمتد إلى الخدمات النفطية والصيانة والهندسة والتكوين والنقل والتخزين والصناعات المرتبطة بالطاقة، بما يسمح للمؤسسات الجزائرية والنيجرية بالدخول في شراكات مشتركة وبناء منظومة صناعية وخدماتية حول المشاريع الكبرى.

ويرى الأستاذ تيغرسي أن هذا التوجه يجعل الاستثمار أكثر استدامة، لأنه لا يرتبط فقط بعمر البئر، وإنما يسمح بإنشاء قطاعات اقتصادية وخدماتية موازية.

“كفرا” مشروع يتجاوز بعده الطاقوي

وخلص الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي إلى أن الرسالة الأهم التي يحملها مشروع كفرا هي قدرة الدول الإفريقية على بناء شراكاتها اعتمادا على الإمكانات الموجودة داخل القارة، من خلال الجمع بين المورد والخبرة والموقع والاستثمار لخلق قيمة جديدة.

وأضاف قائلا “إن النفط في حد ذاته ليس هو القصة الكاملة، وإنما السؤال الحقيقي يتمثل في ما يمكن بناؤه حول النفط، من شركات وتكوين للمهندسين وتطوير للخدمات والصناعة وفتح للممرات الاقتصادية، بما يجعل الموارد الإفريقية قاعدة للتنمية الإفريقية.”

وبحسب الأستاذ تيغرسي، فإن نجاح هذا التصور سيجعل من مشروع كفرا أكبر من مجرد حقل نفطي، ليصبح نموذجا لشراكة إفريقية جديدة تنتقل فيها الدول من التعاون في الملفات إلى التعاون في المشاريع، ومن تصدير الموارد إلى إنتاج القيمة، ومن الجوار الجغرافي إلى التكامل الاقتصادي.

وفي ختام حديثه لشرشال نيوز، أكد الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن كفرا لا يمثل فقط بداية حفر بئر استكشافية، وإنما يمكن أن يمثل بداية أعمق لمستقبل التعاون الاقتصادي الجزائري–النيجري، ونموذجا لما يمكن أن تكون عليه الشراكات الاقتصادية الإفريقية.

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام