لم تكن مشاركة الجزائر في الأسبوع رفيع المستوى للدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك مجرد حضور في نقاشات دولية تتزامن مع أزمات متلاحقة، بل رافقتها سلسلة من اللقاءات والاتصالات الدبلوماسية التي قادها وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، ممثلًا لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون.
وتأتي هذه المشاركة في ظل نقاش أممي واسع حول مستقبل العمل متعدد الأطراف، في دورة اختارت لها الأمم المتحدة شعار «استعادة الثقة وإدارة التحول: منظمة الأمم المتحدة في خدمة الجميع»، بينما تتصدر ملفات السلم والأمن، واحترام القانون الدولي، والتنمية والأزمات الإقليمية جدول الأعمال.
الجزائر تدخل نيويورك بأجندة متعددة الملفات
منذ وصوله إلى نيويورك، شرع أحمد عطاف في سلسلة لقاءات مع مسؤولين ووزراء خارجية من دول عربية وإفريقية وأوروبية، إلى جانب مسؤولين في الأمم المتحدة.
فقد التقى عطاف بالأمين العام لجامعة الدول العربية، كما بحث مع وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المكلف بعمليات السلام جان بيار لاكروا، والتقى كذلك رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف.
وتوسعت الاتصالات الجزائرية خلال الأيام التالية لتشمل وزراء خارجية من إسبانيا والسويد والتشيك، إضافة إلى لقاءات مع مسؤولين ووزراء خارجية من دول إفريقية وعربية وآسيوية.
ويكشف هذا المسار عن تعدد دوائر التحرك الجزائري في نيويورك، بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية والعلاقات الثنائية.
فلسطين والقدس موقف جزائري داخل النقاش الأممي
القضية الفلسطينية ظلت إحدى أبرز القضايا التي حضرت في التحرك الجزائري، في وقت تتواصل فيه الأزمة في المنطقة وتتصاعد الدعوات الدولية لمعالجة القضية الفلسطينية ضمن إطار الشرعية الدولية.
وكان عطاف قد شارك في الاجتماع التشاوري لوزراء الخارجية العرب، حيث شدد على ضرورة تفعيل العمل العربي المشترك، في سياق دولي وصفته الخارجية الجزائرية بأنه يشهد انتقائية في تطبيق قرارات الشرعية الدولية.
كما أكد عطاف أن قضية القدس لا تختزل في بعدها السياسي، وإنما ترتبط كذلك بالعدالة والشرعية الدولية، وهو طرح ينسجم مع الخطاب الجزائري بشأن القضية الفلسطينية.
الصحراء الغربية الملف حاضر في لقاءات نيويورك
وبالتوازي مع الملف الفلسطيني، حضرت قضية الصحراء الغربية في التحرك الدبلوماسي الجزائري.
وفي 27 سبتمبر، التقى أحمد عطاف بوزير الخارجية الصحراوي محمد يسلم بيسط، ضمن سلسلة اللقاءات التي عقدها على هامش الدورة الـ81 للجمعية العامة. كما التقى في اليوم نفسه بوزيري خارجية موريتانيا والكونغو.
وتأتي هذه اللقاءات في وقت يبقى فيه ملف الصحراء الغربية مطروحًا داخل منظومة الأمم المتحدة، بما في ذلك مسار التسوية الأممي ومبدأ تقرير المصير الذي تتمسك به الجزائر في مقاربتها للقضية.
ومن زاوية دبلوماسية، فإن إعادة طرح الملفات الإقليمية في اللقاءات الثنائية وعلى هامش الجمعية العامة يتيح للجزائر مواصلة عرض مواقفها مباشرة أمام شركائها والدول المعنية.
موسكو وواشنطن وأوروبا اتصالات على أكثر من محور
لم يقتصر التحرك الجزائري على المجال العربي والإفريقي، فقد التقى عطاف بوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في نيويورك يوم 23 سبتمبر، في إطار الاتصالات الجزائرية الروسية.
كما شملت لقاءاته مسؤولين أمريكيين، إلى جانب مباحثات مع وزراء خارجية أوروبيين، من بينهم وزراء خارجية إسبانيا والسويد والتشيك.
وتكتسب هذه الاتصالات أهمية بالنظر إلى تشعب الملفات التي تناقشها الجزائر مع مختلف شركائها، من القضايا السياسية والأمنية إلى التعاون الاقتصادي والملفات الإقليمية.
البعد الإفريقي الساحل في خلفية التحرك الجزائري
البعد الإفريقي شكل بدوره محورًا ثابتًا في نشاط الوفد الجزائري.
فإلى جانب لقاء رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، أجرى عطاف مباحثات مع عدد من وزراء الخارجية الأفارقة، من بينهم وزراء موريتانيا والكونغو، إضافة إلى الوزير الصحراوي.
كما سبق أن أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين الأفارقة والأوروبيين خلال الأسبوع رفيع المستوى.
ويأتي هذا الحضور في سياق استمرار الجزائر في إعطاء مساحة واسعة للملفات الإفريقية، خصوصًا ما يتعلق بالسلم والأمن والتنمية والتعاون بين دول القارة.
من نيويورك الدفاع عن العمل متعدد الأطراف
اللافت في الخطاب الجزائري خلال هذه الدورة هو التركيز على العمل متعدد الأطراف والشرعية الدولية.
وقد شارك عطاف في اجتماع خصص لإحياء الذكرى الأربعين لاعتماد إعلان الأمم المتحدة بشأن الحق في التنمية، مؤكدًا أن هذا الحق يكتسب أهمية متجددة في ظل استمرار الفقر و وتفاقم أعباء الديون والأزمات الاقتصادية الدولية.
كما شارك في حوار رفيع المستوى بمناسبة الذكرى الخامسة لإطلاق مبادرة التنمية العالمية، في إطار النقاشات المتعلقة بالتنمية المستدامة.
نيويورك دبلوماسية اللقاءات إلى جانب منصة الجمعية العامة
وبين الاجتماعات الرسمية واللقاءات الثنائية، تبدو المشاركة الجزائرية في الدورة الـ81 للجمعية العامة قائمة على مسارين متوازيين: طرح المواقف داخل المنابر الأممية، وتكثيف الاتصالات المباشرة مع الدول والمنظمات الدولية والإقليمية.
فالجزائر دخلت هذا الموعد الأممي بملفات متعددة، من فلسطين والقدس إلى الصحراء الغربية والساحل، مرورًا بالتنمية وإصلاح منظومة العمل متعدد الأطراف.
ومع استمرار أشغال الجمعية العامة، يبقى الاختبار الأساسي لهذه التحركات مرتبطًا بما ستفضي إليه المداولات والمواقف الدولية بشأن الملفات المطروحة، ومدى ترجمة النقاشات الدبلوماسية إلى خطوات عملية داخل المؤسسات الدولية.
وبذلك، تعكس نيويورك صورة لتحرك دبلوماسي جزائري واسع، لا يقتصر على ملف واحد، وإنما يجمع بين القضايا العربية والإفريقية، والعلاقات مع القوى الدولية، والدفاع عن مبادئ العمل متعدد الأطراف والشرعية الدولية.
قمة نيويورك الجزائر في قلب الحراك الدبلوماسي وتثبيت المواقف في ملفات المنطقة




