أثار قرار الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة تفاعلاً واسعاً على الساحة الإعلامية العربية والدولية، غير أن طريقة تعامل بعض المنابر، خصوصاً القنوات الدولية الناطقة بالعربية، كشفت عن سقطات مهنية وأخلاقية واضحة، بعدما اختزلت مساراً دبلوماسياً طويلاً يحمل محطات عدة في عنوان غير بريء من قبيل: “قرار مفاجئ.. الجزائر تقطع علاقاتها مع الإمارات”، وكأن القطيعة نزوة دبلوماسية من دون مقدمات.
ولم يتوقف الأمر عند صياغة العناوين، بل امتد إلى بعض النقاشات التي فتحتها هذه القنوات، حيث سقط بعض من يسمون أنفسهم محللين سياسيين، بقصد أو غير قصد، في اللعبة الإعلامية الخبيثة نفسها، من خلال تقديم القطيعة وكأنها قرار جزائري مبهم، بل وكأن الإمارات لم تفعل شيئاً ولم تخسر شيئاً، وأن الجزائر هي من قررت العداء بقطعها للعلاقات.
لكن العودة إلى مسار ومحطات الأزمة تكشف عكس ذلك تماماً.
فالقرار الجزائري لم يكن رد فعل لحظياً أو انفعالياً، وإنما جاء بعد مسار طويل من الصبر الدبلوماسي واستنفاد فرص التهدئة والتنبيه، في وقت واصلت فيه أبوظبي سلوكيات اعتُبرت مساساً مباشراً بالمصالح الحيوية للجزائر وأمنها القومي، خصوصاً في عمقها الجيوسياسي بمنطقة الساحل والجوار الإقليمي.
صبر دبلوماسي.. وتحذيرات لم تظهر على الشاشات
اختارت الجزائر في بداية الأزمة سياسة التنبيه والتهدئة، مفضلة معالجة الخلاف بعيداً عن الضجيج الإعلامي، وهو نهج ينسجم مع ما عُرف عن الدبلوماسية الجزائرية من صبر استراتيجي في إدارة علاقاتها الدولية، ولا سيما مع الدول العربية مهما كان نظامها السياسي.
فالأزمات الدبلوماسية لا تبدأ أمام الكاميرات أو خلف الشاشات، بل تبدأ في الغرف المغلقة، عبر رسائل واتصالات وتحذيرات بين ممثلي الدول. وقد منحت الجزائر، وفق مسار الأزمة، الجانب الإماراتي أكثر من فرصة لمراجعة سلوكه ووقف أعماله الدنيئة والتخريبية والعدائية، قبل أن تنتقل تدريجياً من التنبيه إلى ضبط النفس ثم إلى الإجراءات.
لكن الرسائل لم تُقرأ كما ينبغي، والتحذيرات لم تُؤخذ بالجدية المطلوبة لدى حكام أبوظبي، لتتحول الأزمة من مجرد اختلاف في المواقف إلى تراكم لاستهداف مباشر في دوائر تعتبرها الجزائر حيوية لأمنها القومي ومصالحها الوطنية.
عندما يتحول المحيط الإقليمي إلى ساحة استهداف
في منطقة الساحل الإفريقي، برزت تحركات إماراتية تتعارض مع أدوار الدولة الجزائرية ومقاربتها القائمة على دعم الحلول السياسية والسلمية، ورفض التدخلات الأجنبية والحلول العسكرية التي لا تنتج سوى مزيد من الفوضى وتنامي الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
وفي ليبيا، اصطدمت التحركات الإماراتية بالمقاربة الجزائرية الداعية إلى حل ليبي-ليبي يحفظ وحدة البلاد، من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، ويعيد الاستقرار إلى دولة أنهكتها سنوات الصراع والتدخلات الخارجية.
وهنا لم يعد الحديث عن خلاف عابر أو اختلاف في وجهات النظر في الملفات السياسية والدبلوماسية، وإنما عن تراكم تحركات داخل محيط جيوسياسي (الساحل الإفريقي)، والذي تعتبره الجزائر جزءاً من أمنها الاستراتيجي، في وقت كانت فيه بعض المنابر الإعلامية الخارجية لا تزال تقدم العلاقات الجزائرية الإماراتية وكأنها علاقة طبيعية وتنافس لا غير.
والأكثر من ذلك أن أبوظبي لم تكتفِ بالتحرك في الملفات الإقليمية، بل اتجهت إلى بناء شبكات أمنية واستخباراتية دولية معادية للجزائر، بما عزز لدى الجزائر قناعة بأن الأمر يتجاوز الخلاف السياسي والدبلوماسي إلى استهداف مصالحها الاستراتيجية ومحاولة التشويش على أدوارها الإقليمية والدولية، بما فيها تعزيز الأمن والسلم وتحقيق التنمية.
من الرسائل الإعلامية إلى الإجراءات التطبيقية
ومع استمرار هذا المسار، خرجت الجزائر تدريجياً من مرحلة الرسائل غير المعلنة إلى التحذير العلني. فقد وجّه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون رسائل حازمة في عدد من المناسبات، لا سيما في لقاءاته الدورية مع وسائل الإعلام الوطنية، أكد فيها أن “الجزائر لا تنحني”، كما أوضح أن الجزائر ليست لديها مشاكل مع دول الخليج باستثناء دولة واحدة، في إشارة واضحة إلى الإمارات.
ثم جاءت الإجراءات العملية لتؤكد أن الصبر الدبلوماسي ليس بلا حدود. ففي فيفري الماضي، اتجهت الجزائر إلى إنهاء اتفاقية النقل الجوي الموقعة عام 2013، في خطوة عكست انتقال الأزمة من دائرة التحذيرات إلى دائرة الإجراءات.
وهذه الخطوات لم تكن، في سياقها، مجرد إجراءات تقنية منفصلة، بل كانت رسائل سياسية واضحة بأن هامش الصبر بدأ ينفد، وأن استمرار الوضع القائم لم يعد مقبولاً بالنسبة للجزائر.
القطيعة.. عندما ينتهي الصبر
من هنا، فإن إمهال السفير الإماراتي 48 ساعة للمغادرة وإغلاق المجال الجوي لم يكونا قرارين معزولين عن سياق الأزمة، بل جاءا بعد استنفاد المهل الممنوحة للدولة الإمارات.
ولهذا فإن وصف القرار بأنه “مفاجئ” لا يعكس حقيقة المسار، بل يختزل سنوات من التوتر في لحظة واحدة، ويحوّل القرار الجزائري السيادي إلى مجرد خبر عاجل.
إن ما فعلته بعض المنابر الإعلامية باستخدام عبارة “قرار مفاجئ.. الجزائر تقطع العلاقات مع الإمارات” ليس مجرد تبسيط للحدث، بل يصبح تضليلاً ممنهجاً عندما يُستخدم لتغييب ما سبق القطيعة من تحذيرات وإجراءات، ولإظهار الجزائر وكأنها هي المبادرة بالعداء.
فالقرار الجزائري السيادي لم يولد في لحظة إعلان القطيعة من خلال بيان الخارجية الجزائرية، وإنما سبقه مسار طويل من الصبر الدبلوماسي والتنبيه ومنح الفرص. وحين استنفدت الجزائر كل أدوات التهدئة، انتقلت إلى الإجراء، وهو ما عبّر عنه بكل صراحة بيان الخارجية الجزائرية.
إن القطيعة لم تكن قراراً دبلوماسياً مفاجئاً كما يتم الترويج له في “منابر الشر”، بل كانت نهاية لصبر طويل وبداية لمرحلة جديدة عنوانها أن السيادة الوطنية والأمن القومي الجزائري ليسا مجالاً للمساومة مهم كانت طبيعة العلاقات، وأن من يختبر صبر الدولة الجزائرية لا ينبغي أن يخطئ في تفسيره على أنه ضعف أو تردد، فالجزائر أمام سيادتها وأمنها تقطع كل شيء.
مهدي الباز




