الأولى الشؤون الديبلوماسية الوطني تحاليل وآراء

زيارة نونييز إلى الجزائر… الأمن يعيد رسم معالم العلاقة بين الجزائر وباريس

استقبل رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، اليوم الثلاثاء، بمقر رئاسة الجمهورية، وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز والوفد المرافق له، في محطة سياسية تعكس ديناميكية الدبلوماسية الجزائرية وثباتها على مبدأ الحوار في إطار الاحترام المتبادل، الذي ما فتئ الرئيس تبون في التأكيد  عليه في مختلف مواقفه وتصريحاته لما يتعلق الأمر بالسياسةالخارجية للجزائر.
اللقاء عرف، من الجانب الجزائري، حضور بوعلام بوعلام مدير ديوان رئاسة الجمهورية، والسعيد سعيود وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، وعمار عبة مستشار لدى رئيس الجمهورية مكلف بالشؤون الدبلوماسية، إلى جانب اللواء عبد القادر آيت واعرابي المدير العام للأمن الداخلي، ما يعكس الطابع الاستراتيجي و الأمني  للملفات المطروحة وأهمية المرحلة في مسار العلاقات الجزائرية–الفرنسية.
ومن الجانب الفرنسي، كان وزير الداخلية مرفوقًا بعدد من كبار المسؤولين، على رأسهم المديرة العامة للأمن الداخلي الفرنسية سيلين بيرتون، وهو ما يؤشر بوضوح إلى أن التعاون الأمني يتصدر جدول أعمال الزيارة، في ظل تعقيدات إقليمية متزايدة وتحديات أمنية عابرة للحدود.

الجزائر… ركيزة أمن إقليمي لا يمكن تجاوزها

تدرك باريس، كما تدرك عواصم القوى الكبرى، أن الجزائر تمثل دولة محورية في شمال إفريقيا وركيزة أساسية في معادلة الأمن بمنطقة الساحل الإفريقي. فالتنسيق في ملفات أمنية مثل مكافحة الإرهاب، وتهريب المخدرات، والهجرة غير النظامية، لم يعد خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة التحولات الجيوسياسية و الأمنية في المنطقة.
وفي هذا السياق،قبيل زيارته، صرّح لوران نونييز  لوسائل اعلام فرنسية بأنه سيأتي إلى الجزائر “لمناقشة كل القضايا الأمنية”، مؤكّدًا ثقته بإمكان إحياء العلاقات الأمنية مع الجزائر، ومشدّدًا على أن مواصلة التحاور مع السلطات الجزائرية حول مسائل الأمن أمر “لا غنى عنه”. وهي تصريحات تعكس إدراكًا فرنسيًا متزايدًا لحتمية الشراكة مع الجزائر في هذا المجال.

من التوتر إلى إعادة التموضع

العلاقات بين البلدين عرفت، خلال الفترة الماضية، تراجعًا ملحوظًا بسبب تراكم ملفات سياسية وقضائية ودبلوماسية، بداية بقضية بوعلام صنصال، مرورًا بتوترات دبلوماسية متبادلة، وصولًا إلى إجراءات متعلقة بموظفين دبلوماسيين من الجانبين. غير أن التطورات الأخيرة توحي بوجود إرادة لإعادة التموضع وتجاوز مرحلة الجمود التي طبعت العلاقات بين البلدين.
في هذا السياق، كانت الجزائر واضحة في رسائلها السياسية. فقد أكد رئيس الجمهورية في أكثر من مناسبة أن الجزائر قوة استقرار في المنطقة، وأن من يريد التعامل معها عليه أن يفعل ذلك في إطار الاحترام المتبادل، مشددًا على أن الجزائر تمتلك علاقات دبلوماسية متينة مع العديد من الدول الأوروبية ومع القوى الكبرى  والعظمى كالصين و الولايات المتحدة الأمريكية، وأنها تحترم من يحترمها.هذه الرسائل، كانت موجهة و على مايبدو، استوعبها الجانب الفرنسي، خاصة في ظل متغيرات إقليمية ودولية تفرض مقاربة أكثر براغماتية في التعاطي مع الجزائر، بعيدا عن منطق التبعية أو الهيمنة كما ألفت فرنسا القيام به مع عدد من الدول في المنطقة.

الذاكرة والتوازن في الخطاب الفرنسي

زيارة لوران نونييز تأتي بعد تحركات سياسية فرنسية لاحتواء التوتر، من بينها زيارة الوزيرة الاشتراكية السابقة و رئيسة جمعية الصداقة الفرنسية الجزائرية سيغولين رويال، التي أشادت بلقائها مع الرئيس تبون واعتبرت أنه دليل على إرادته في الحوار متى كان قائمًا على الاحترام والتقدير المتبادلين. كما أكدت أن الذاكرة ليست أمرًا وهميًا، بل هي “حقيقة الجراح والصدمات التي يجب تسميتها ومعالجتها والاعتذار عنها دون أي مقابل، بهدف بناء مستقبل مشترك بثقة”.
في المقابل، يلاحظ أنه بعد هذه الزيارة فهمت فرنسا الامر ولهذا حرص وزير الداخلية الفرنسي الحالي قبل زيارته للجزائر على تبني خطاب هادئ، بعيد عن التصريحات المتشنجة التي ساهمت سابقًا في تأجيج الخلافات.
ووفقا لتحليلات السياسية، فإن الهدف الأساسي من الزيارة ليس إطلاق وعود كبيرة، بل إعادة بعث الحوار، ولو في حدّه الأدنى، خاصة على المستوى الأمني.

اعادة بناء جسور الثقة بين البلدين

ويرى بعض المهتمين بشأن العلاقات الجزائرية الفرنسية بأن هذا  القاء يشير إلى أن باريس تسعى إلى إعادة بناء جسور الثقة مع الجزائر، انطلاقًا من الملفات ذات الأولوية المشتركة، وفي مقدمتها الأمن. فالتعاون الوثيق مع الجزائر، سواء في شقه الأمني أو الاقتصادي، يبقى عنصرًا حاسمًا في استقرار المنطقة.
أما الجزائر، فهي تتحرك من موقع قوة وثبات، مستندة إلى دورها الإقليمي وإلى سياستها الخارجية القائمة على مبدأ السيادة والندية في العلاقات الدولية.
وعليه، فإن أي صفحة جديدة في العلاقات لن تُفتح إلا على أساس توازن المصالح واحترام القرار الوطني.
كما رد بعض المتتبعين للشأن الدبلوماسي أن زيارة وزير الداخلية الفرنسي إلى الجزائر لا يمكن قراءتها كحدث بروتوكولي عابر، بل كإشارة سياسية إلى أن الواقعية الاستراتيجية بدأت تطغى على الحسابات الظرفية، وأن الجزائر، مرة أخرى، تفرض نفسها شريكًا لا يمكن تجاوزه في معادلة الأمن الإقليمي لاسيما في الفضاء المتوسطي بحكم الجزائر دولة فاعلة في الأمن المتوسطي.

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام