الأولى الوطني تحاليل وآراء
✒️ المحاور: مهدي الباز

دكتورة سمر عبد العظيم لـ”شرشال نيوز:” ما يميز صالون الجزائر الدولي للكتاب هو انتماؤه لمشهد عربي عريق مهتم بالفكر وأسئلة الإنسان الكبرى”

بعد سلسلة من الحوارات تناولنا فيها عددًا من المسائل المتعلقة بالأدب والرواية، تفتح شرشال نيوز اليوم حوارًا جديدًا مع الدكتورة سمر عبد العظيم، نقترب فيه من عالم نادرًا ما يجتمع في شخص واحد: عالم الطبيبة التي تقرأ الجسد بالمشرط، والكاتبة التي تقرأ الجريمة بالقلم. ونكتشف من خلاله حقيقة عالم الطب الشرعي وفلسفة الكاتبة في الأدب والطب والحياة.

شرشال نيوز: التشريح والرواية البوليسية (أدب الجريمة) يشتركان، في بعض الأحيان، في أمر واحد؛ فكلاهما ينطلق من النهاية، من جثة أو من جريمة، ليعود بالزمن إلى البداية. كيف تفسّرين هذه المفارقة؟ وهل كان هذا التشابه هو الجسر الذي عبرتِ منه من المشرحة إلى الكتابة؟

الدكتورة سمر عبد العظيم: أعتقد أن المفارقة الأجمل هي أن ما يبدو نهايةً لشخص ما قد يكون بدايةً لحكاية لم تُروَ بعد. في الطب الشرعي، يصل إلينا الإنسان بعد أن تنتهي حياته، لكن مهمتنا تبدأ عند هذه اللحظة تحديدًا؛ نحاول أن نعيد بناء ما حدث، وأن نقرأ الآثار التي تركتها اللحظات الأخيرة على الجسد.

وفي الرواية البوليسية نفعل شيئًا مشابهًا؛ نبدأ من حدث وقع بالفعل، ثم نفكك خيوطه لنفهم كيف وصلنا إليه.

لكن هناك فرقًا جوهريًا بين العالمين؛ فالطبيب الشرعي يبحث عن الحقيقة التي تدعمها الأدلة، أما الروائي فيبحث أيضًا عن الحقيقة الإنسانية الكامنة خلف الحدث: لماذا ارتكب شخص جريمته؟ وكيف استطاع أن يبررها لنفسه؟ ومتى يتحول إنسان عادي إلى قاتل؟

لا أعتقد أنني عبرت من المشرحة إلى الأدب عبر جسر واحد؛ ربما كانت الكتابة موجودة بداخلي منذ البداية، لكن الطب الشرعي منحني عينًا مختلفة أرى بها العالم. علّمني أن التفاصيل الصغيرة قد تقلب تفسيرنا للأحداث، وأن الحقيقة نادرًا ما تكون بالبساطة التي نتصورها.

في المشرحة أبحث عما حدث، وفي الرواية أبحث أيضًا عما كان يمكن أن يمنع حدوثه.

شرشال نيوز: الجثة لا تكذب، لكن الشخصيات الروائية تفعل؛ هل تجدين متعة في الكتابة عن شخصيات تخفي الحقيقة وتتلاعب بها، وأنتِ التي اعتدتِ في عملكِ على أجساد تبوح بكل شيء؟

الدكتورة سمر عبد العظيم: اسمحي لي أولًا أن أختلف قليلًا مع مقدمة السؤال. صحيح أن الجثة لا تكذب، لكنها أيضًا لا تبوح بكل شيء؛ فالجسد يحمل أدلة، وهذه الأدلة تحتاج إلى من يقرأها قراءة صحيحة. وقد تكون بعض العلامات مضللة إذا انتُزعت من سياقها أو فُسرت بتسرع؛ لهذا فإن الطبيب الشرعي الجيد لا يكتفي بما يراه، بل يسأل دائمًا: هل هناك تفسير آخر؟

وهنا تحديدًا أجد متعتي في كتابة الشخصيات الروائية؛ فالإنسان أكثر تعقيدًا من أن نختزله في ثنائية الصدق والكذب. بعض الشخصيات تكذب لتحمي نفسها، وبعضها لتحمي الآخرين، وهناك من يكرر الكذبة حتى تصبح في وعيه حقيقة.

أكثر ما يستهويني ليس الشخصية التي تخفي سرًا عن الآخرين، بل تلك التي تخفي الحقيقة عن نفسها؛ فأحيانًا يكون الإنسان آخر من يعترف بدوافعه الحقيقية.

في الطب الشرعي أتعامل مع آثار أفعال البشر، أما في الرواية فأستطيع أن أدخل إلى عقولهم، وأن أراقب كيف تنشأ الفكرة، وكيف تتحول إلى قرار، ثم إلى فعل لا يمكن التراجع عنه.

وربما لهذا أحب الشخصيات الرمادية؛ فالشر الروائي المقنع ليس دائمًا شرًا صارخًا، بل قد يبدأ بتبرير صغير يبدو لصاحبه منطقيًا تمامًا.

شرشال نيوز: في كتاباتكِ، كيف توازنين بين الأمانة الصارمة للمعلومة الطبية الجنائية وحبكة التشويق الأدبي؟ وهل حدث أن ضحّيتِ بدقة علمية من أجل مشهد روائي؟

الدكتورة سمر عبد العظيم: أؤمن بأن الدقة العلمية لا تعيق التشويق، بل قد تكون أحد أهم مصادره. المشكلة ليست في العلم، وإنما في طريقة تقديمه.

إذا تحولت الرواية إلى محاضرة في الطب الشرعي فقدت روحها، وإذا تجاهلت الحقائق العلمية من أجل الإثارة فقدت مصداقيتها؛ فالتحدي الحقيقي هو أن أجعل المعلومة العلمية جزءًا من الحدث، لا فقرة تفسيرية مفروضة عليه.

أحب أن يكتشف القارئ الحقيقة مع الشخصيات، وأن تكون التفاصيل الطبية مفاتيح لفهم اللغز، دون أن يشعر بأنه يقرأ تقرير تشريح.

أما التضحية بالدقة العلمية، فهناك فرق بين تبسيط المعلومة وتشويهها. يمكنني اختصار إجراء طويل، أو تجاوز تفاصيل تقنية لا تخدم السرد، أو إعادة توزيع المعلومات على المشاهد، لكنني لا أقبل أن أقدم حقيقة طبية خاطئة باعتبارها صحيحة لمجرد أنها تصنع مشهدًا مثيرًا.

بل أرى أن القيود التي يفرضها العلم تمنح الكاتب فرصًا أكبر للابتكار. فمن السهل أن نحل لغزًا بدليل مستحيل، لكن الأصعب والأمتع أن نبني لغزًا محكمًا، ثم نكشفه بأدلة يمكن أن تصمد أمام الفحص العلمي.

لا أريد للقارئ أن ينبهر بمشهد ثم يكتشف الطبيب أنه مستحيل؛ أريده أن يندهش لأن الحقيقة العلمية نفسها كانت أكثر إثارة مما توقع.

شرشال نيوز: بصفتكِ طبيبة تعاملتِ مع الجسد البشري في أصدق لحظاته وأقساها، وكاتبة تعيد نسج تفاصيل الجريمة، هل يحاول قلمكِ إكمال ما عجز عنه المشرط، أم أن التشريح هو الذي يمنح سردكِ تلك القسوة الواقعية التي يصعب على غير الأطباء تخيّلها؟

الدكتورة سمر عبد العظيم: أحب هذا السؤال؛ لأنه يلامس الفارق الذي أشعر به بين مهنتي والكتابة.المشرط يستطيع أن يكشف إصابة خفية، وأن يساعدنا على تحديد سبب الوفاة، وأن يقدم أدلة قد تكون حاسمة في تحقيق جنائي. لكنه لا يستطيع أن يخبرنا بما شعر به الضحية قبل موته، أو بالأحلام التي لم تتحقق، أو بالكلمات التي لم تُقل.

هنا يأتي دور الأدب. لا أكتب لأكمل قصورًا في الطب الشرعي؛ فلكل منهما غايته وحدوده، لكن الكتابة تسمح لي بالاقتراب من المساحة الإنسانية التي لا تدخل عادةً في التقارير الطبية.

أما القسوة الواقعية، فلا أعتقد أنها تتطلب وصفًا تفصيليًا للدماء والجروح. على العكس، ربما علّمتني خبرتي أن أكثر المشاهد إيلامًا ليست بالضرورة أكثرها عنفًا. قد تكون متعلقات شخصية عُثر عليها مع الضحية، أو تفصيلة صغيرة تشير إلى حياة انقطعت فجأة، أكثر تأثيرًا من صفحات كاملة تصف إصابات الجسد.

لقد تعلمت أن أحترم الموت، وألا أحوّل معاناة الضحايا إلى وسيلة رخيصة لإثارة القارئ.

المشرط يكشف ما حدث للجسد، أما القلم فيحاول أن يمنح الإنسان الذي كان يسكن ذلك الجسد فرصة أخيرة ليُسمع صوته.

شرشال نيوز: كيف يتفاعل القارئ وزملاؤكِ في الوسط الطبي مع كاتبة تحمل المشرط والقلم في يد واحدة؟ وهل يُنظر إلى الجمع بين الطب والأدب كنعمة تثري النص أم كعبء يفرض أحكامًا مسبقة؟

الدكتورة سمر عبد العظيم: أعتقد أن الجمع بين الطب والأدب يمنح الكاتب ميزة، لكنه يضع على عاتقه مسؤولية مضاعفة. فالقارئ حين يعرف أن مؤلفة الرواية طبيبة شرعية، يتوقع قدرًا أعلى من الواقعية والدقة، وربما ينتظر أيضًا أن تكشف له الرواية أسرارًا من عالم لا يعرف عنه الكثير. وهذا توقع مشروع، لكنه قد يصبح عبئًا إذا اختُزل العمل الأدبي في خلفية مؤلفته المهنية.

لا أريد أن تُقرأ رواياتي باعتبارها كتبًا تعليمية في الطب الشرعي تتخللها بعض الأحداث المشوقة؛ أريد أن تُقرأ أولًا بوصفها أعمالًا أدبية، فيها شخصيات وصراعات وأسئلة إنسانية، ويأتي العلم ليمنحها المصداقية والعمق.

أما في الوسط الطبي، فأعتقد أن الجمع بين المجالين يفتح سؤالًا مهمًا حول علاقتنا بالعلوم الإنسانية؛ فالطب ليس علمًا بيولوجيًا مجردًا، إنه تعامل يومي مع الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه وألمه، والأدب يمنحنا مساحة لفهم هذه التجارب من زوايا لا تستطيع العلوم التجريبية وحدها الإحاطة بها.

وأنا لا أرى المشرط والقلم أداتين متناقضتين؛ فكلاهما يحتاج إلى الدقة والملاحظة والصبر، وكلاهما قد يرتكب ظلمًا كبيرًا إذا استعجل صاحبه إصدار الأحكام.

لكن هناك فارقًا طريفًا؛ ففي الطب الشرعي يُطلب مني أن أتخلص من الافتراضات المسبقة، بينما في الرواية أقضي وقتًا طويلًا في صناعة افتراضات خاطئة للقارئ، ثم أستمتع بهدمها!

شرشال نيوز: ما الذي يتغير في قراءتنا للجريمة حين يرويها من عاين آثارها الحقيقية على الجسد؟ وما الذي تأملين أن يستقر في وعي القارئ بعد إسدال الستار على “محاكمة لورين”؟

الدكتورة سمر عبد العظيم: أعتقد أن أكثر ما يتغير هو المسافة بين الجريمة بوصفها لغزًا مسليًا، والجريمة بوصفها مأساة إنسانية.

في كثير من الأعمال البوليسية، ينشغل القارئ بالسؤال: “من القاتل؟”، وهو سؤال مشروع وممتع، لكن خبرتي في الطب الشرعي جعلتني أرى أن هناك أسئلة لا تقل أهمية: من الضحية؟ ماذا خسرنا بموتها؟ وكيف امتدت آثار الجريمة إلى أشخاص ربما لم يكونوا موجودين في مسرحها؟

الجريمة الحقيقية لا تنتهي عندما نعرف الفاعل، ولا حتى عندما يصدر الحكم؛ فهناك عائلات تعيش مع الفقد، وأشخاص تتغير حياتهم، وأسئلة قد تظل بلا إجابة.

أما في “محاكمة لورين”، فأنا لا أتمنى أن يغلق القارئ الرواية وهو يشعر فقط بالرضا لأنه عرف الحقيقة أو وصل إلى نهاية اللغز. أتمنى أن يبقى لديه شيء من القلق الفكري، وأن يعيد التفكير في العلاقة بين الحقيقة والعدالة، وبين ما نستطيع إثباته وما نعتقد أننا نعرفه.

يشغلني كثيرًا ذلك الفارق بين الحكم على الأفعال وفهم دوافعها؛ فالفهم لا يعني التبرير، والتعاطف مع تعقيد الإنسان لا يعني إعفاءه من المسؤولية.

وأتمنى أن يسأل القارئ نفسه: “هل نحن عادلون دائمًا في أحكامنا على الآخرين؟ وهل نبحث عن الحقيقة فعلًا، أم نبحث أحيانًا عن رواية مريحة نستطيع تصديقها؟”

شرشال نيوز: لو كتبتِ جملة واحدة تلخص ما علّمته لكِ المشرحة عن معنى الحياة، فماذا تقولين؟

الدكتورة سمر عبد العظيم: “علّمتني المشرحة أن الموت قد يُنهي حياة الإنسان في لحظة، لكنه لا يستطيع أن يمحو الأثر الذي تركه في حياة الآخرين؛ ولذلك فإن قيمة الحياة ليست في طولها، بل فيما نتركه منها وراءنا”.

شرشال نيوز: تحتضن الجزائر قريبًا فعاليات الطبعة التاسعة والعشرين من صالون الجزائر الدولي للكتاب “SILA 2026”؛ هل تتابعين هذا الحدث الثقافي البارز؟ وهل سبق أن شاركت إحدى رواياتكِ في دوراته السابقة؟

الدكتورة سمر عبد العظيم: أرى أن معارض الكتب الكبرى ليست مجرد مناسبات لعرض الإصدارات الجديدة، بل مساحات يلتقي فيها الكاتب بقارئه، وتلتقي فيها التجارب الأدبية القادمة من ثقافات مختلفة.

وما يميز صالون الجزائر الدولي للكتاب هو انتماؤه إلى مشهد ثقافي عربي له تاريخ طويل من الاهتمام بالأدب والفكر والأسئلة الكبرى التي تشغل الإنسان.

وبالنسبة إليّ، فإن وصول الأدب المصري إلى القارئ الجزائري يحمل معنى خاصًا؛ فالكتاب يستطيع أن يعبر الحدود دون أن يفقد هويته المحلية، وربما تكون أجمل مفاجآت الكتابة أن تكتشف أن سؤالًا طرحته في روايتك يجد صداه لدى قارئ يعيش في بلد آخر، وله تجربة اجتماعية وثقافية مختلفة.

أتمنى أن تكون لي فرصة للقاء القراء الجزائريين، وأن تصل إليهم أعمالي، ومنها “عابرون” و”ميت مطلوب للشهادة” و”محاكمة لورين: سقوط السيدة المختارة”. وما يهمني في مثل هذه اللقاءات ليس فقط أن أعرف رأي القارئ في الرواية، بل أن أكتشف ما الذي رآه فيها ولم أكن أنا نفسي قد انتبهت إليه أثناء الكتابة. فالكاتب يضع النقطة الأخيرة في النص، لكن القارئ هو من يمنحه حياة جديدة.

 

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام