في الآونة الأخيرة، أصبح الشريط العاجل الموشّح بالأحمر يحمل، في كل لحظة، أخبارًا عن أعداد الضحايا والمصابين في حوادث المرور، حتى تصدّر معظم نشرات الأخبار اليومية، وغدا حضوره أمرًا مألوفًا، رغم ما يحمله من مآسٍ وآلام.
لكن من هم هؤلاء الضحايا؟ إنهم ضحايا إرهاب الطرقات، ذلك الخطر الذي بات يهدد أمن وسلامة مستعملي الطريق، ويتفاقم يومًا بعد يوم، مثيرًا قلقًا متزايدًا وتساؤلات مشروعة حول المسؤولية والسبل الكفيلة بالحد من هذه المأساة التي تستنزف الأرواح والإمكانات.
وفي خضم هذا الواقع المؤلم، يظهر من جديد شريط “عاجل” آخر يحمل نبأ حادث مروّع، خلّف قتلى وجرحى، وكأن هذا الشريط الأحمر أصبح جزءًا من يومياتنا، يخطف الأرواح، ويُيتّم الأطفال، ويرمّل النساء، ويحرم الوطن من رجال ونساء كانوا يساهمون في بنائه وتقدمه.
فضحايا حوادث المرور ليسوا مجرد أرقام تُسجّل في الإحصائيات، بل هم آباء وأمهات، وشباب وأطفال، لكل واحد منهم أسرة تنتظر عودته، وحلم لم يكتمل، ورسالة كان يؤديها في خدمة وطنه ومجتمعه. فالوطن لا يفقد في هذه الحوادث شخصًا فحسب، بل قد يفقد طبيبًا كان سينقذ مئات الأرواح، أو أستاذًا كان سيُخرّج أجيالًا من الكفاءات، أو مهندسًا، أو عاملًا، أو فلاحًا، أو أي مواطن كان يؤدي دوره في بناء مستقبل الجزائر.
والمفارقة الأكثر إيلامًا أن معظم هذه الحوادث ليست قدرًا محتومًا، وإنما نتيجة تراكم عوامل يمكن الحد منها، بدءًا من التهور في السياقة، وعدم احترام قانون المرور، والإفراط في السرعة، واستعمال الهاتف أثناء القيادة، وصولًا إلى تدهور حالة بعض الطرقات، وغياب الصيانة الدورية للمركبات، وضعف ثقافة السلامة المرورية لدى شريحة واسعة من مستعملي الطريق.
لقد آن الأوان لاعتبار إرهاب الطرقات قضية وطنية تستدعي تعبئة شاملة، تتقاسم فيها الدولة والمجتمع المدني ووسائل الإعلام والمؤسسات التربوية، إلى جانب المواطن، مسؤولية نشر ثقافة الوقاية واحترام القانون، وتعزيز الرقابة، وتحسين البنية التحتية، حفاظًا على الأرواح.
فالطريق الحقيقي لمواجهة هذا الإرهاب يبدأ بالوعي بخطورته على أمن المواطن واستقرار الوطن، ثم بتحويل هذا الوعي إلى سلوك يومي ومسؤولية جماعية. فحماية الأرواح لا تحتمل التأجيل، والوطن لم يعد يحتمل مزيدًا من النزيف، ولا أن يستيقظ كل يوم على شريط أحمر جديد يعلن رحيل أبنائه. لقد تحمل الوطن كثيرًا، وحان الوقت لإنقاذه من إرهاب الطرقات، قبل أن تتحول المأساة إلى واقع نعتاد عليه، بينما يواصل حصد الأرواح في صمت.
إرهاب الطرقات… خطر يهدد أمن المواطن ومستقبل الوطن




