في كل موعد انتخابي بالجزائر، تبرز مظاهر متعددة للحملة الانتخابية، من مهرجانات فولكلورية وخطابات سياسية حماسية إلى شعارات رنانة تستهدف استقطاب الهيئة الناخبة. غير أن ما ميّز الحملة الانتخابية الخاصة بتشريعيات 2 جويلية المقبل هو بروز ظاهرة جديدة يمكن وصفها بـ”رقمنة الحملة الانتخابية”، حيث تحولت لوائح إشهار الترشيحات في العديد من الأماكن العامة إلى هياكل حديدية شبه خاوية مقارنة بما كان عليه الوضع في الاستحقاقات السابقة.
رقمنة لوائح إشهار الترشيحات
يبرز التحول الأهم في هذه الحملة من خلال الانتقال المتزايد نحو ما يُعرف بـ”رقمنة الحملة الانتخابية”، وذلك عبر الاعتماد المكثف على شبكات التواصل الاجتماعي كوسيلة للتسويق السياسي والتعريف بالمترشحين والبرامج الانتخابية.
وتُعد هذه الظاهرة إحدى أبرز سمات هذا الاستحقاق الوطني، إذ لم تعد اللوائح الإشهارية الوسيلة الأساسية للتعريف بالمترشحين، كما تراجع حضور بعض الأنشطة التقليدية، على غرار اللقاءات الجوارية ومكاتب المداومة الانتخابية، لصالح فضاءات رقمية يتصدرها “فيسبوك” و”تيك توك”.
عدد المتابعين يكسر قواعد المنافسة الحزبية الكلاسيكية
ومنذ الأسبوع الأول لانطلاق الحملة الانتخابية في 9 جوان، سجل الفاعلون السياسيون في الساحة السياسية من مختلف الأطياف و التيارات الحزبية حضورًا لافتًا في الفضاء الرقمي، بما يعكس المكانة التي أصبحت تحتلها هذه الوسائط الرقمية في الترويج للخطاب السياسي وعرض الرؤى الحزبية والبرامج الانتخابية.
وتزداد أهمية هذه المنصات في ظل إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن خدماتها مثل (ميتا المعززة بالذكاء الاصطناعي)، ما يفتح مجالًا جديدًا للمنافسة السياسية يتجاوز الأبعاد التقليدية للحملات الانتخابية.
فالمترشحون باتوا يتنافسون عبر البث المباشر والمحتوى الرقمي الموجّه بدقة، بما يسمح للوصول الى الهيئة الناخبة بصورة أكثر دقة وفاعلية.
وبناءً على ذلك، انتقل اهتمام بعض الأحزاب من التركيز على حجم القاعدة الشعبية المكونة من المناضلين والأنصار والمتعاطفين، إلى متابعة عدد المناصرين على صفحاتها الرقمية وحجم التفاعل والمشاهدات التي تحققها منشوراتها ومحتوياتها الإعلامية.
وفي مشهد “تكنوسياسي” جديد أفرزه التداخل المتزايد بين التكنولوجيا والسياسة، أصبح عدد المتابعين على منصات التواصل الاجتماعي مؤشراً من المؤشرات التي تُؤخذ بعين الاعتبار عند تقييم الحضور السياسي للمترشحين والأحزاب، وإن كان لا يشكل بالضرورة ضمانة لتحقيق الفوز الانتخابي.
الفيس بوك و تيك توك … بدل المقرات الحزبية والمداومات الانتخابية
وقد فرض الفضاء الرقمي نفسه كساحة رئيسية للتنافس، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى مقرات حزبية ومداومات انتخابية افتراضية مفتوحة على مدار الساعة، من خلال البث المباشر ومقاطع الفيديو القصيرة والصور المنتجة أو المعززة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، في صورة تعكس التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الانتخابي في الجزائر.
وأدى هذا التحول إلى ما يمكن وصفه بظاهرة “تجاوز اللوحة الإشهارية”، فبعدما كانت المساحات المخصصة للإشهار الانتخابي تشهد تنافسًا كبيرًا على المواقع الاستراتيجية في الساحات العمومية، أصبحت الخوارزميات الرقمية قادرة على إيصال الرسائل والبرامج الانتخابية مباشرة إلى هواتف المواطنين وبشكل دقيق.
ولا يقتصر هذا الأمر على تغيير الوسيلة فحسب، بل يمتد إلى تغيير أساليب التأثير والإقناع السياسي. فبدل الاعتماد الحصري على الخطابات الجماهيرية الكلاسيكية، اتجهت الأحزاب والمترشحون نحو إنتاج محتوى تفاعلي يتلاءم مع طبيعة المنصات الرقمية وسلوك مستخدميها.
إن تراجع دور اللوحات الإشهارية و ملصقات الانتخابات في الفضاء العمومي لصالح المنصات الرقمية خلال تشريعيات 2 جويلية يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل العمل السياسي الميداني للأحزاب، ويجعل من الحملة الانتخابية الحالية نموذجاً لتحول جديد في الممارسة السياسية بالجزائر، حيث باتت المعركة الانتخابية تُخاض في الفضاء الرقمي بالتوازي مع الميدان. ويعكس هذا المشهد التحولات التي فرضتها الوسائط الرقمية على أساليب التواصل السياسي، كما يثير تساؤلات أعمق حول مستقبل الظاهرة الحزبية في الجزائر، ومدى قدرة هذه التنظيمات السياسيةعلى إعادة تشكيل العلاقة مع الناخبين في عصر الذكاء الاصطناعي.
مهدي الباز




