الأولى الاقتصادي الوطني تحاليل وآراء
✒️ الباحث في الدراسات الاستراتيجية برحايل حمزة لشرشال نيوز:

الصراع الدولي انتقل من النفط إلى الموارد الحرجة والرقائق الإلكترونية

في عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد الحروب كما كانت، لا من حيث الشكل ولا من حيث طبيعة الصراع. فقد فرض التطور التكنولوجي متغيرات جديدة أعادت تشكيل موازين القوة وأوجه التنافس بين الدول، ولم يعد الصدام يتمحور، كما كان في مراحل الحداثة وما بعدها، حول الذهب أو النفط، بل انتقل إلى التنافس على ما يُعرف بالموارد الحرجة، التي أصبحت ركيزة أساسية للصناعات المتقدمة والتكنولوجيا الحديثة.

ولفهم طبيعة هذا التحول واستجلاء أبعاد الصراع الجيوسياسي المتصاعد حول الموارد الحرجة، أجرت “شرشال نيوز” اتصالا مع الباحث في الدراسات الاستراتيجية، برحايل حمزة، الذي سلّط الضوء على هذا الملف المتنامي وانعكاساته على موازين القوى الدولية.

الموارد الحرجة… عنوان الصراع الجيوسياسي الجديد

يرى الباحث برحايل حمزة أن النظام الدولي يشهد تحولًا عميقًا في طبيعة التنافس بين القوى الكبرى. فبعد عقود ارتبطت فيها القوة بالسيطرة على النفط والممرات البحرية والأسواق، يتجه الصراع اليوم نحو مجال أكثر تعقيدًا يتمثل في الموارد الحرجة والتكنولوجيا المتقدمة، وفي مقدمتها الرقائق الإلكترونية.

ويؤكد برحايل حمزة أن الرقائق الإلكترونية لم تعد مجرد مكوّن صناعي، بل أصبحت أصلًا استراتيجيًا يعيد رسم خرائط النفوذ في القرن الحادي والعشرين.

تحول جذري في مفهوم القوة

ويصف الباحث في الدراسات الاستراتيجية برحايل حمزة هذا التحول بأنه لا يعكس انتقالًا من مورد إلى آخر فحسب، بل يكشف عن تغير جذري في مفهوم القوة. ففي الماضي، كان امتلاك الموارد الاستراتيجية كافيًا لتعزيز النفوذ السياسي والاقتصادي للدول، أما اليوم فقد أصبحت القوة ترتبط بقدرة الدولة على تحويل الموارد إلى معرفة، والمعرفة إلى تكنولوجيا، والتكنولوجيا إلى نفوذ سياسي واستراتيجي.

ويختصر هذه الفكرة بقوله: القوة لم تعد تبدأ من المنجم، بل من المختبر.”

وانطلاقًا من ذلك، يؤكد أن التنافس الدولي لم يعد قائمًا على امتلاك الليثيوم أو الكوبالت أو العناصر الأرضية النادرة في صورتها الخام، وإنما على التحكم في سلاسل القيمة التي تبدأ بالاستخراج والتكرير، ثم التصنيع، وصولًا إلى تصميم الرقائق الإلكترونية وإنتاجها، وتطوير البرمجيات التي تعتمد عليها.

الاقتصاد والتكنولوجيا… ركيزتان للأمن القومي

ويشير الباحث إلى أن الدولة التي تتحكم في هذه السلسلة لا تحقق مكاسب اقتصادية فحسب، وإنما تكتسب أيضًا قدرة متزايدة على التأثير في خيارات الدول الأخرى وتقليص هامش استقلالها الاستراتيجي.

وفي هذا السياق، يؤكد برحايل حمزة أنه لم يعد من الممكن الفصل بين الاقتصاد والتكنولوجيا في معادلة الأمن القومي، إذ أصبحت الرقائق الإلكترونية عنصرًا أساسيًا في الصناعات الدفاعية، والأقمار الصناعية، والطائرات المسيّرة، وشبكات الاتصالات، ومراكز البيانات، وأنظمة الذكاء الاصطناعي.

ولذلك، فإن أي اضطراب في إنتاج الرقائق الإلكترونية أو في سلاسل توريدها يمكن أن يتحول سريعًا إلى أزمة تتجاوز أبعادها الاقتصادية، لتطال الأمن القومي للدول واستقرارها الاستراتيجي.

توطين الصناعات الاستراتيجية

ويرى برحايل حمزة أن هذه التحولات دفعت القوى الكبرى إلى مراجعة نموذج العولمة الذي ساد خلال العقود الماضية، فبدلًا من الاعتماد المطلق على سلاسل الإمداد العابرة للحدود، اتجهت الدول إلى إعادة توطين الصناعات الاستراتيجية، وتنويع مصادر التوريد، وتعزيز استقلالها التكنولوجي.

ويعكس هذا التحول -حسبه-انتقال المنافسة من منطق تعظيم الكفاءة الاقتصادية إلى منطق تعظيم المرونة الاستراتيجية، حيث أصبحت القدرة على الصمود أمام الأزمات جزءًا لا يتجزأ من عناصر القوة الوطنية.

ويؤكد الباحث أن الدول التي تمتلك الموارد الطبيعية باتت مطالبة ببناء قاعدة صناعية ومعرفية، بدلًا من الاكتفاء بزيادة صادراتها من المواد الخام، بما يسمح بإنتاج قيمة مضافة حقيقية. قائلا “بأن الثروة الطبيعية قد تمنح الدولة فرصة، لكنها لا تمنحها مكانة دولية في ظل التحولات الراهنة.”

ويشير الباحث ايضاً إلى أن ما يصنع الفارق اليوم هو الاستثمار في البحث العلمي، وتوطين التكنولوجيا، وتأهيل الكفاءات البشرية، بما يتيح تحويل الموارد إلى قوة إنتاجية مستدامة تعزز الاستقلال الاقتصادي والسيادة التكنولوجية.

من يضع قواعد التكنولوجيا؟

ويلفت الباحث في الدراسات الاستراتيجية برحايل حمزة إلى أن التحول الأكثر أهمية يتمثل في أن المنافسة الدولية لم تعد تقتصر على السيطرة على الموارد، بل امتدت إلى السيطرة على القواعد التي تنظم التكنولوجيا نفسها.

وفي سياق متصل يؤكد برحايل بالقول “إن الدول التي تحدد المعايير الصناعية، وتحتكر التقنيات المتقدمة، وتتحكم في تدفقات البيانات، لا تكتفي بقيادة الأسواق، بل تمتلك أيضًا قدرة متزايدة على التأثير في قواعد النظام الدولي وإعادة تشكيل توازناته.”ويخلص إلى أن السؤال الاستراتيجي لم يعد: من يملك الموارد؟ بل أصبح: من يمتلك القدرة على تحويلها إلى نفوذ مستدام؟

ويختتم برحايل حمزة حديثه لـ”شرشال نيوز” بالتأكيد على أن العالم يشهد اليوم إعادة تشكيل لهرم القوة العالمي، حيث تتداخل الجغرافيا السياسية مع الثورة التكنولوجية بصورة غير مسبوقة. ويؤكد أن الرقائق الإلكترونية لم تعد مجرد منتج صناعي متطور، بل أصبحت معيارًا لقياس القدرة الاستراتيجية للدول، وأن المكانة الدولية خلال العقود المقبلة لن تُقاس بما تختزنه الدول في باطن الأرض، بل بما تنتجه في مختبراتها، وتطوره في مصانعها، وتحوّله إلى أدوات نفوذ في نظام دولي سريع التغير.

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام