تُعدّ القارة الإفريقية القلب النابض لثورات التكنولوجيا الخضراء والتحول الرقمي العالمي، نظرًا لامتلاكها احتياطيات هائلة من المعادن “الحرجة” أو “الاستراتيجية”. فبحسب تقديرات عام 2026، تضم إفريقيا ما يقارب 30% إلى 40% من الاحتياطيات العالمية لهذه المعادن.
وتحتل هذه المعادن موقعًا استراتيجيًا محوريًا في الاقتصاد العالمي المعاصر، باعتبارها العمود الفقري للصناعات الحديثة والتقنيات المستقبلية. كما أن الطلب المتزايد عليها، لا سيما في مجالات الطاقة النظيفة والتكنولوجيا الرقمية، يضع العديد من الدول أمام تحديات اقتصادية وجيوسياسية حقيقية.
وفي هذا السياق، تبرز دول شمال إفريقيا، وعلى رأسها الجزائر، كأحد أهم الأقطاب التي تزخر بهذه الثروة الاستراتيجية، ما يجعلها جزءًا من مشهد أوسع تتحول فيه القارة الإفريقية بأكملها إلى محط أنظار الأسواق العالمية والجهات الممولة.
وعليه، تجري “شرشال نيوز” حوارًا مع الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي، للحديث عن هذا الموضوع الذي يُعد من أبرز القضايا المطروحة على الساحة الدولية في ظل التحولات الراهنة.
شرشال نيوز: بداية، هل يمكن أن تقدم للقارئ تعريفًا للمعادن الحرجة وأهميتها اليوم في سوق الطاقة النظيفة؟
وقبل أن يرد هواري تيغرسي على هذا السؤال، أشار إلى أنه في خضم التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، لم تعد الثروة تُقاس فقط بالنفط والغاز، بل أصبحت المعادن الحرجة عنوانًا جديدًا للقوة الجيوسياسية والهيمنة الصناعية. وفي قلب هذا التحول، تبرز إفريقيا كأحد أهم الفاعلين المستقبليين في معادلة الاقتصاد العالمي، معتبرًا أن الجزائر، بما تمتلكه من مؤهلات جيولوجية وموقع استراتيجي وقدرات طاقوية، تُعد جزءًا مهمًا من هذا المشهد الجديد الذي قد يعيد رسم خرائط النفوذ الاقتصادي في العالم خلال العقود القادمة.
د.هواري تيغرسي: المعادن الحرجة أو الاستراتيجية هي مجموعة من المعادن التي تُعتبر ضرورية للصناعات التكنولوجية والطاقة الحديثة، ومن أبرزها: الليثيوم، الكوبالت، النيكل، الغرافيت، النحاس، المنغنيز، العناصر الأرضية النادرة، وحتى الفوسفات في بعض الاستخدامات الصناعية المستقبلية.
وتكمن أهمية هذه المعادن في كونها تدخل بشكل مباشر في تصنيع البطاريات الكهربائية، والألواح الشمسية، وتوربينات الرياح، والرقائق الإلكترونية، وصناعات الدفاع والطيران والذكاء الاصطناعي. ولهذا أصبحت الدول الصناعية الكبرى تنظر إليها باعتبارها “نفط القرن الحادي والعشرين”.
وأضاف قائلًا: “إن الانتقال العالمي نحو الاقتصاد الأخضر جعل الطلب على هذه المعادن يرتفع بوتيرة غير مسبوقة، حيث تشير التقديرات الدولية إلى أن الطلب على الليثيوم وحده قد يتضاعف عشرات المرات بحلول عام 2040، الأمر الذي يجعل من الدول المالكة لهذه الموارد قوة اقتصادية وجيوسياسية”.
شرشال نيوز: إلى أي مدى يمكن أن تعيد هذه المعادن “الحرجة” تشكيل موازين القوى في الاقتصاد العالمي؟
د.هواري تيغرسي: العالم اليوم يعيش تحولًا استراتيجيًا عميقًا من “جيوسياسية النفط” إلى “جيوسياسية المعادن”. فالقوى الكبرى لم تعد تتنافس فقط على خطوط الغاز والنفط، بل أصبحت تتسابق للسيطرة على سلاسل توريد المعادن الاستراتيجية.
فالصين مثلًا نجحت خلال العقدين الماضيين في بناء نفوذ عالمي كبير عبر التحكم في جزء مهم من عمليات التكرير والتحويل الخاصة بالمعادن النادرة، بينما تسعى الولايات المتحدة وأوروبا اليوم إلى تقليص هذا الاعتماد من خلال التوجه نحو إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وقد يؤدي هذا التحول إلى إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، لأن الدول التي تمتلك المعادن دون امتلاك التكنولوجيا قد تبقى مجرد مزود للمواد الخام، عكس الدول التي تتحكم في التكنولوجيا وسلاسل التحويل، والتي ستحصد القيمة المضافة الحقيقية.
ومن هنا يبرز التساؤل التالي: هل ستعيد القارة الإفريقية تكرار سيناريو استنزاف الموارد الخام كما حدث مع النفط والذهب، أم أنها ستنجح هذه المرة في بناء صناعات تحويلية تحقق لها السيادة الاقتصادية؟
شرشال نيوز: في ظل التحولات المرتبطة بالتكنولوجيا الخضراء والتحول الرقمي، كيف تقيّمون الأهمية المتزايدة للقارة الإفريقية، التي باتت تضم حصة معتبرة من الاحتياطيات العالمية لهذه المعادن؟
د.هواري تيغرسي: إفريقيا لم تعد مجرد سوق استهلاكية أو فضاء جغرافي هامشي، بل أصبحت اليوم محورًا رئيسيًا في مستقبل الاقتصاد الأخضر العالمي. فالقارة تضم نسبًا ضخمة من احتياطات الكوبالت والمنغنيز والغرافيت والعناصر الأرضية النادرة، وهي معادن لا يمكن بناء الثورة التكنولوجية الجديدة دونها.
هذا الواقع جعل إفريقيا تدخل قلب التنافس الأمريكي الصيني الأوروبي، حيث تحاول كل قوة دولية تأمين موطئ قدم داخل القارة عبر الاستثمارات والاتفاقيات والبنية التحتية وحتى النفوذ السياسي والأمني.
لكن المفارقة أن إفريقيا، رغم ثرواتها، ما تزال تعاني من عدة نقائص، أبرزها هشاشة البنية التحتية ونقص التكنولوجيا، وهو ما يجعل خطر “الاستعمار المعدني الجديد” مطروحًا بقوة، خاصة إذا بقيت الدول الإفريقية تصدر المواد الخام دون تثمين صناعي محلي.
شرشال نيوز: ما أبرز التحديات الجيوسياسية والمخاطر التي قد تنشأ نتيجة التنافس الدولي المتسارع على هذه الموارد داخل القارة الإفريقية؟
د.هواري تيغرسي: التنافس الدولي على المعادن قد يحمل فرصًا كبيرة لإفريقيا، لكنه في المقابل قد يخلق تحديات معقدة وخطيرة. فمن الناحية الجيوسياسية، يمكن أن تتحول بعض المناطق الغنية بالمعادن إلى بؤر صراع دولي أو تنافس نفوذ غير مباشر.
كما أن بعض الدول الإفريقية قد تتعرض لضغوط سياسية واقتصادية من أجل منح امتيازات لشركات أجنبية معينة، ما قد يؤثر على سيادتها الاقتصادية وقراراتها الاستراتيجية.
شرشال نيوز: برأيكم، هل يمكن أن يشكل ملف المعادن الحرجة والطاقة النظيفة مدخلًا لتعزيز التكامل الاقتصادي والتعاون بين الدول الإفريقية؟
د.هواري تيغرسي: رغم التحديات، فإن ملف المعادن الاستراتيجية قد يشكل فرصة تاريخية لتعزيز التكامل الاقتصادي الإفريقي، خاصة في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.
فبدلًا من أن تعمل كل دولة بمعزل عن الأخرى، يمكن بناء سلاسل قيمة صناعية إفريقية مشتركة، تشمل الاستخراج والتحويل والتصنيع والنقل والتصدير. كما يمكن إنشاء أقطاب صناعية إقليمية متخصصة في البطاريات أو التكنولوجيا الخضراء أو الصناعات التحويلية.
وقد يسمح هذا التوجه للقارة بالانتقال من مجرد مصدر للمواد الخام إلى فاعل صناعي حقيقي داخل الاقتصاد العالمي الجديد، خصوصًا إذا تم ربط ذلك بالاستثمار في التعليم والبحث العلمي والبنية التحتية والطاقة.
شرشال نيوز: بالانتقال إلى شمال إفريقيا، كيف يمكن لدول المنطقة، وعلى رأسها الجزائر، استثمار هذه الثروات لتعزيز موقعها الاقتصادي والاستراتيجي، خاصة في ظل سعي الجزائر إلى تنويع قاعدتها المعدنية؟
د.هواري تيغرسي: بالنسبة للجزائر، فإن الحديث عن المعادن الحرجة يكتسب أهمية استراتيجية مضاعفة، خاصة في ظل التوجه نحو تنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على المحروقات.
فالجزائر تمتلك مؤهلات جيولوجية مهمة، إضافة إلى موقع جغرافي يسمح لها بأن تكون منصة صناعية ولوجستية بين إفريقيا وأوروبا.
كما أن المشاريع الجديدة في قطاع المناجم قد تفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من الاقتصاد الوطني، إذا تم التعامل معها ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
لكن التحدي الأساسي لا يكمن فقط في استخراج المعادن، بل في القدرة على تثمينها محليًا عبر بناء صناعات تحويلية ومجمعات صناعية مرتبطة بالطاقة النظيفة والتكنولوجيا الحديثة.
فالرهان الحقيقي ليس بيع المواد الخام، وإنما خلق قيمة مضافة محلية، ومناصب شغل نوعية، ونقل للتكنولوجيا، وشراكات استراتيجية تحقق للجزائر تموقعًا جديدًا داخل الاقتصاد العالمي.
شرشال نيوز: ما أهم الإصلاحات الاقتصادية أو الاستراتيجيات التشريعية والصناعية التي ينبغي على الجزائر تبنيها للاستفادة القصوى من معادنها الاستراتيجية وتثمينها محليًا؟
د.هواري تيغرسي:الاستفادة الحقيقية من المعادن الاستراتيجية تتطلب إصلاحات عميقة تتجاوز البعد التقني إلى الرؤية الاقتصادية الشاملة. ومن أبرز هذه الإصلاحات: تسريع الرقمنة وتبسيط الإجراءات الإدارية لتفادي البيروقراطية، إلى جانب الاستثمار في التكوين والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الجيولوجي، وبناء شراكات متوازنة مع القوى الدولية تقوم على نقل المعرفة، وليس فقط الاستغلال الخام.
كما أن الجزائر مطالبة ببناء رؤية سيادية واضحة حول كيفية إدارة هذه الثروات، حتى لا تتحول إلى مجرد سوق مفتوحة للتنافس الدولي دون تحقيق مكاسب تنموية حقيقية.
شرشال نيوز: أخيرًا، بالحديث عن جاذبية هذه القطاعات، يُلاحظ في الآونة الأخيرة اهتمام متزايد من مراكز التفكير الأمريكية بالجزائر، تجسد مؤخرًا في زيارات للاطلاع على مناخ الأعمال وفرص الاستثمار. هل يمكن القول إن الجزائر تحولت فعليًا إلى وجهة جاذبة للاستثمارات الأجنبية في قطاعات استراتيجية جديدة خارج المحروقات؟
د.هواري تيغرسي: الاهتمام الأمريكي المتزايد بالجزائر لا يمكن فصله عن التحولات الجيوسياسية العالمية الحالية، فالغرب يبحث اليوم عن شركاء جدد في مجالات الطاقة والمعادن وسلاسل التوريد، خصوصًا بعد الأزمات الدولية الأخيرة.
والجزائر تملك عدة عناصر تجعلها محط اهتمام متزايد، من موقع جغرافي استراتيجي قريب من أوروبا وإفريقيا، وقدرات طاقوية كبيرة، إلى جانب استقرار سياسي مقارنة بمحيط إقليمي مضطرب.
حاوره: مهدي الباز




