يُعدّ الفن لغة إنسانية عالمية، يتحدث بها كل إنسان يمتلك طاقة خلاقة، ويُعبّر من خلالها عن مكنوناته، ويجسّد بها رؤيته للوجود وللإنسان وللعالم. ولا يقتصر الفن على شكل إبداعي واحد، بل هو منظومة متكاملة تتفرع إلى فنون متعددة، تتكامل فيما بينها لتشكّل مرآةً للحضارات وتجارب الشعوب عبر التاريخ.
وفي قلب هذه المنظومة، يتبوأ المسرح مكانةً خاصة جعلته يُلقب بـ”أبي الفنون”، لما يجمعه من الأدب والشعر والموسيقى والتشكيل والرقص والأداء في عمل إبداعي واحد. كما يُعدّ المسرح الفضاء الأكثر قدرة على محاكاة الوجود الإنساني، إذ تتحول خشبته إلى مساحة لطرح الأسئلة الكبرى، وتجسيد القضايا الفكرية والاجتماعية والسياسية والوجودية من خلال النص المسرحي، والأداء، واللغة، والحركة، والصورة.
وانطلاقًا من هذه المكانة التي يحتلها المسرح في المشهد الثقافي، تكتسي التظاهرات المسرحية أهمية بالغة باعتبارها فضاءات للحوار الحضاري والتبادل الثقافي بين الشعوب، وهو ما يجسده احتضان الجزائر للطبعة الأولى من مهرجان الجزائر الإفريقي للمسرح الجامعي، في حدث ثقافي يُعد الأول من نوعه على مستوى القارة الإفريقية.
ولا يمثل هذا المهرجان مجرد مناسبة لعرض الأعمال المسرحية، بل يشكل فرصة لاكتشاف خصوصية المسرح الإفريقي.
وعليه، أجرت “شرشال نيوز” اتصالًا بالأستاذ أحسن ثليلاني، رئيس اللجنة العلمية للملتقى الدولي حول المسرح الإفريقي والناقد المسرحي، للحديث عن المسرح الإفريقي من خلال استجلاء بنية نصوصه، والوقوف على القضايا التي يعالجها، وكيفية تعبيره عن الهوية والذاكرة والتحولات الاجتماعية والثقافية التي تعيشها المجتمعات الإفريقية.
ويستهل الأستاذ أحسن ثليلاني حديثه لـ”شرشال نيوز” بطرح إشكالية معرفية عميقة تحمل بُعدًا أنطولوجيًا، بالقول: “هل فعلًا هناك مسرح إفريقي، أم الصحيح أن نقول: المسرح في إفريقيا؟”، مشيرًا إلى أن القارة تضم 54 دولة، بتنوعها اللغوي والديني والإيديولوجي الهائل، ما يجعل محاولة التأطير فعلًا يتطلب نبشًا في القواسم المشتركة التي تتجاوز الجغرافيا.
وفي هذا السياق، يرى الأستاذ ثليلاني أن القاسم المشترك بين هذه الدول يكمن في الملامح السياسية والاجتماعية التي صاغت وجدان الشعوب الإفريقية، وعلى رأسها تجربة الاستعمار المريرة، التي جعلت من المسرح، في جوهره، مسرحًا مقاومًا بامتياز، قائلًا: “إن هذا المشترك يكمن في الملامح السياسية والاجتماعية لإفريقيا، ومن هذه الملامح، مثلًا، أن البلدان الإفريقية عانت كثيرًا من الاستعمار، وعليه فإن المسرح الإفريقي يغلب عليه طابع المقاومة.”
وفي قراءة تحليلية للأعمال الفنية والمسرحية الإفريقية، يقول الناقد المسرحي أحسن ثليلاني: “نحن إذا درسنا المسرح الذي ينتجه كاتب ياسين في الجزائر، أو المسرح الذي ينتجه وولي شوينكا، أو غيره من كتاب وأعلام المسرح في جنوب إفريقيا، وفي النيجر، وفي الكونغو، وفي مصر، وغيرها من البلدان الإفريقية، نجد أنه مسرح مقاوم للكولونيالية.” مضيفًا أنه لا يهم هنا ما إذا كان هذا المسرح أنجلوفونيًا أو فرانكفونيًا أو ناطقًا بالعربية أو باللغات المحلية، فالقاسم المشترك يظل هو التعبير عن “إفريقيا” بكل ما تحمله من هموم وتحديات اجتماعية واقتصادية، وقضايا المرأة والطفل، ومواجهة آثار الحروب، فضلًا عن فلسفة “الزنجية” (النيغريتود) التي أرساها الكاتب السنغالي إيمي سيزير.
وأشار الأستاذ ثليلاني إلى الجانب الإبداعي للمسرح، والمسرح الإفريقي بالخصوص، قائلًا: “المسرح هو، قبل كل شيء، فن فرجوي.” مضيفًا: “فالمسرح الإفريقي يغرف من التراث، ويغرف من الفولكلور الإفريقي.”
كما أبرز الناقد المسرحي أحسن ثليلاني الفروق الموجودة بين المسرح الأوروبي والإفريقي، قائلًا: “في المسرح الإفريقي نجد الملابس، ونجد القناع، ونجد الرقص الإفريقي، ونجد الأداء، ونجد الموسيقى الإفريقية.” موضحًا أن المسرح الإفريقي، على مستوى الفرجة، يبتعد عن القواعد الأرسطية الصارمة الموجودة في المسرح الأوروبي الكلاسيكي، الذي يقدس “الجدار الرابع”، قائلًا: “نجد أن المسرح الإفريقي يحطم الجدار الرابع.” والجدار الرابع هو ذلك الحاجز الوهمي غير المرئي الذي يفصل بين عالم الخيال على خشبة المسرح والجمهور.
وفي هذا الصدد، يرى الأستاذ أحسن ثليلاني أن المسرح الإفريقي هو مسرح متمرد يكسر الحواجز ويراهن على الشارع والفرجة الحية، مشيرًا إلى أن المسرح الإفريقي أيضًا مسرح سردي، قائلًا: “نجد فيه الجوال، والحلقة، وكذا السامر الشعبي، وشخصية «الكريو» أو الحكواتي باللغة الإفريقية المحلية.”
كما نوه الناقد المسرحي أحسن ثليلاني بضرورة الوقوف على الجرح العميق الذي أحدثه الاستعمار الغربي في منظومة الأداء الإفريقي، فالمستعمر لم يسلب الأرض وما فوقها وما تحتها، بل سلب أيضًا المصطلح والرمز والمفهوم والحق في التعريف الذاتي، حسب تعبيره.
وفي هذه النقطة بالذات، أوضح الأستاذ أحسن ثليلاني أن الاستعمار الغربي لإفريقيا مارس عنفًا رمزيًا ممنهجًا حين وصف احتفالات الأقنعة بالوثنية، وشعائر الأسلاف بالخرافة، مؤكدًا أنه لم يكن يصدر أحكامًا جمالية عفوية، بل كان يمارس عنفًا رمزيًا ممنهجًا يهدف إلى نزع الشرعية عن أشكال التعبير الإفريقية. والأشد إيلامًا، حسبه، أن صدى هذا الخطاب لا يزال يتردد أحيانًا بصيغ محدَّثة في الكتابات النقدية الغربية، وحتى في بعض المناهج الأكاديمية التي نشأت في ظل التعليم الاستعماري.
وبالحديث عن هذه التظاهرة الثقافية القارية، والمتمثلة في مهرجان الجزائر الإفريقي للمسرح الجامعي، يقول الأستاذ أحسن ثليلاني: “إن الجزائر اليوم، وهي تحتضن هذا النقاش الإفريقي الكبير، تؤكد من جديد عمق انتمائها القاري.”
وأضاف: “فنحن نعلم جميعًا أن كثيرًا من البلدان تحررت في سياق تاريخي تأثر بالثورة الجزائرية، حتى إن سنة 1960 تُعرف لدى عدد من الدارسين بـ”عام إفريقيا”، وهي السنة التي شهدت استقلال عدد كبير من الدول الإفريقية، في ظل التحولات التي أحدثتها الثورة الجزائرية.”

مهدي الباز




