الأولى الوطني تحاليل وآراء لقاءات شرشال نيوز

المختص في علم الاجتماع الرقمي الدكتور السعيد منصور لشرشال نيوز: العزلة الرقمية تُضعف رأس المال الاجتماعي

تشير الدراسات السوسيولوجية الحديثة إلى أنّ الظواهر الاجتماعية لم تعد تقتصر على الأُسرة والمدرسة والشارع، بل باتت تتشكّل أيضًا داخل فضاءات رقمية جديدة، بفعل الانتشار الواسع للوسائط التكنولوجية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي.

وقد أفرز هذا التحوّل أنماطًا سلوكية مستحدَثة، يُعرف بعضها بـ“التوحّد الرقمي” أو “العزلة الرقمية”، حيث تتراجع فرص التفاعل المباشر بين الأفراد، ويصبح التواصل محصورًا في الشاشات والمنصّات الرقمية.

وتتجلّى هذه الأنماط السلوكية الحديثة في مختلف الفضاءات اليومية، من الشارع وأماكن العمل، إلى المقاهي وحتى داخل المنازل، ما يثير العديد من التساؤلات حول مصير العلاقات الإنسانية ومستقبل البشرية في ظل تنامي هذه السلوكيات.

وفي هذا الإطار، أجرت شرشال نيوز حوارًا خاصًا مع الخبير السعيد منصور، المختص في علم الاجتماع الرقمي، للحديث أكثر عن أبعاد هذه الظاهرة وانعكاساتها على المجتمع الجزائري.

شرشال نيوز: هل يمكن أن تقدّم لنا توصيفًا دقيقًا لظاهرة “التوحّد الرقمي” في ضوء التحوّلات الاجتماعية الراهنة؟

د.السعيد منصور: أولًا، ظاهرة العزلة الرقمية ليست انسحابًا من المجتمع بقدر ما هي انتقال من تفاعل وجاهي غني إلى تواصل وسيطي سريع ومُقنّن بمنطق المنصّات، ما قد يُنتج شعورًا بالوحدة حتى وسط اتصال دائم، حيث أظهرت الدراسات الحديثة وجود علاقة متبادلة (حلقة تغذية راجعة) بين الشعور بالوحدة وأنماط الاستخدام الإشكالي للوسائط، فالوحدة قد تدفع للمزيد من الاستخدام، والمزيد من الاستخدام قد يزيد الوحدة.

شرشال نيوز: كيف يعرّف علم الاجتماع الرقمي مفهوم “التوحّد الرقمي” أو “العزلة الرقمية”؟

د. السعيد منصور: يقدّم علم الاجتماع الرقمي التوحّد أو العزلة الرقمية كأثر بنيوي لتوسّط العلاقات عبر منصّات تحكمها خوارزميات ترتيب الانتباه، حيث تصبح الخبرة الاجتماعية مفلترة ومدارة بواجهة وتوصيات.

كما يُقرأ أيضًا باعتباره تحوّلًا من العلاقة إلى الانطباع، أي أن الفرد لا يفاوض مكانته عبر التفاعل العميق، بل عبر مؤشرات قابلة للقياس (مشاهدات، إعجابات، تعليقات)، ما قد يعيد تشكيل مفهوم القبول الاجتماعي والاعتراف والسمعة.

شرشال نيوز: هل هناك فرق جوهري بين العزلة الرقمية والعزلة الاجتماعية التقليدية؟

د.السعيد منصور: العزلة الاجتماعية التقليدية غالبًا ما ترتبط بغياب الشبكات أو ضعف الموارد أو الوصم أو ظروف صحية/اقتصادية تقلّل فرص الاندماج، أما العزلة الرقمية فقد تظهر مع كثافة الاتصال؛ شخص شديد الحضور على المنصّات لكنه يعاني من قلّة الدعم الوجاهي أو من شعور بالوحدة.

الفرق الجوهري بينهما هو أن العزلة الرقمية غالبًا مُقنّعة لأنها تتخفّى وراء تفاعلات سريعة لا تُنتج بالضرورة دفئًا اجتماعيًا أو دعمًا حقيقيًا.

شرشال نيوز: ما الفئات الاجتماعية الأكثر تأثّرًا بهذه الظاهرة، ولماذا؟

د. السعيد منصور: طبعًا فئة المراهقين والشباب، لأنهم في مرحلة بناء الهوية، فيكونون أكثر حساسية للمقارنة الاجتماعية، ولتأثيرات القبول/الرفض الرقمي، زد على ذلك من يعيشون ضغطًا نفسيًا أو وحدة سابقة، لأن الوحدة قد تدفع لاستخدام الوسائط كتعويض، ثم تتغذّى الحلقة مع الوقت، إضافة إلى بعض الفئات الهشّة اجتماعيًا (عاطلون، مهاجرون داخليًا، طلبة في مدن جديدة…) لأن المنصّات تمنح اندماجًا سريعًا لكنه قد يبقى سطحيًا ما لم يُدعّم بروابط واقعية.

شرشال نيوز: إلى أي حدّ ترتبط هذه الظاهرة ببنية المجتمع؟ وهل تختلف مظاهرها من مجتمع إلى آخر؟

د.السعيد منصور: الظاهرة ترتبط ببنية المجتمع لأن قوة الروابط الوسيطة (الأسرة الممتدة، الحي، الجمعيات، الفضاءات الثقافية) تحدّد ما إذا كانت المنصّات مكمّلًا أو بديلًا للعلاقات الواقعية، وتختلف مظاهرها بين المجتمعات بحسب: مستوى الثقة الاجتماعية، طبيعة المجال العام، فرص الترفيه والاندماج خارج الإنترنت، وأنماط العمل والدراسة والتنقّل، كما أن أثر المنصّات ليس واحدًا دائمًا؛ فبعض الدراسات تشير إلى أن طبيعة المنصّة ونمط الاستخدام (إيجابي/سلبي) يغيّر النتيجة النفسية والاجتماعية.

شرشال نيوز: ما المخاطر المحتملة لاستمرار التوحّد الرقمي على المدى البعيد، سواء على الفرد أو على تماسك المجتمع؟

د.السعيد منصور: على مستوى الفرد يمكن أن نلاحظ ارتفاع احتمالات الشعور بالوحدة والضغط النفسي عند تحوّل الاستخدام إلى نمط إشكالي، مع تراجع الدعم الاجتماعي الواقعي، أما على مستوى المجتمع فقد ينجرّ عن العزلة الرقمية ضعف في رأس المال الاجتماعي (الثقة، التعاون، التضامن اليومي) لأن الروابط تصبح أسرع تفككًا وأكثر قابلية للاستقطاب والتعبئة الانفعالية.

شرشال نيوز: ما السياسات أو الاستراتيجيات التي ينبغي على الدولة اعتمادها لمواكبة هذه التحوّلات العميقة في بنية المجتمع؟

د.السعيد منصور: لعلّ أهمّها إدماج التربية الرقمية في المدرسة، إضافة إلى محو الأمية الرقمية، التفكير النقدي، فهم الخوارزميات، وإدارة الوقت والانتباه، يضاف إلى ذلك تقوية الخدمات النفسية، والإرشاد المدرسي والشبابي لمواجهة الاستخدام الإشكالي والضغط المرتبط بالمنصّات، ودعم فضاءات بديلة خارج الشاشة: نوادٍ، رياضة، ثقافة، تطوّع، وأنشطة محلية، وحوكمة رقمية، وتشجيع الشفافية في الإعلانات والاستهداف، وحماية القُصّر، لأن ترك المستخدم وحده أمام اقتصاد الانتباه غير عادل.

شرشال نيوز: في ظل تصاعد العزلة الرقمية عالميًا، ما الرسالة التي تودّ توجيهها إلى المجتمع الجزائري، ولا سيما فئة الشباب؟

د.السعيد منصور: رسالتي التي أوجّهها إلى المجتمع الجزائري، خصوصًا الشباب منه: التقنية ليست عدوًا، لكن الخطر حين تتحوّل إلى “بيئة عيش” تسرق الوقت وتعيد تعريف القيمة الذاتية عبر أرقام وتفاعلات سريعة، فالمطلوب هو استعمال واعٍ، فعلى المجتمع أن يجعل المنصّات وسيلة للتعلّم والعمل وبناء العلاقات، لا بديلًا عن الأسرة والرفقة والشارع والجامعة.

أما النصيحة العملية للشباب: ابنوا “توازنًا هجينًا”؛ علاقات حقيقية منتظمة وحضورًا رقميًا منظّمًا، لأن الدراسات تشير إلى أن الوحدة والاستخدام الإشكالي يمكن أن يُغذّي كلٌّ منهما الآخر، وكسر الحلقة يبدأ بعادات صغيرة لكنها ثابتة.

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام