الأولى الدولي الوطني تحاليل وآراء

الكاتب اللبناني شادي منصور لـ”شرشال نيوز” : فوز لولا دا سيلفا يمثل انتكاسة سياسية لمشروع ترامب في أمريكا اللاتينية

في نتيجة مفاجئة تحدّت استطلاعات الرأي وأوقفت موجة صعود اليمين في أمريكا اللاتينية، أعلنت المحكمة الانتخابية، الأحد، فوز الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بولاية تاريخية.

ويشكّل هذا الفوز محطة سياسية بارزة، ليس في المشهد البرازيلي فحسب، بل على مستوى القارة اللاتينية ككل، في ظل ما شهدته المنطقة من ضغوط خارجية وهيمنة سياسية “إمبريالية” امتدت لسنوات.

ولفهم أعمق لدلالات هذا الفوز، أجرت “شرشال نيوز” اتصالًا بالأستاذ شادي منصور، مدير مجلة “بوليتيكا” اللبنانية، الذي أكد أن فوز لولا دا سيلفا في الانتخابات الرئاسية البرازيلية لا يمثل حدثًا داخليًا فحسب، بل يحمل دلالات سياسية دولية، خاصة أنه يأتي قبل أيام من الانتخابات النصفية الأمريكية، وفي مرحلة يسعى فيها دونالد ترامب إلى تكريس صعود اليمين المحافظ والمتطرف، سواء في الولايات المتحدة أو في أمريكا اللاتينية وأوروبا ومناطق أخرى من العالم.

وأوضح شادي منصور أن هذا الفوز يمكن قراءته باعتباره انتكاسة سياسية لمشروع ترامب في أمريكا اللاتينية، وتراجعًا لرهانه على حلفائه من عائلة بولسونارو، مشيرًا إلى أن البرازيل تمثل قوة اقتصادية وسياسية كبرى، وعضوًا أساسيًا في مجموعة بريكس، كما تؤدي دورًا مؤثرًا في إعادة تشكيل التوازنات الدولية.

وأضاف أن أهمية هذا الفوز تتعزز لوقوعه عشية الانتخابات النصفية الأمريكية، التي ستشكل اختبارًا لشعبية ترامب وسياساته.

و يرى الأستاذ شادي منصور أنه رغم صعوبة استباق نتائج هذه الانتخابات، فأن ما حدث في البرازيل يؤكد أن صعود اليمين ليس قدرًا تاريخيًا محتومًا، وأن القوى المناهضة له لا تزال قادرة على التعبئة وتحقيق الانتصارات.

وفي سياق حديثه عن تجربة الرئيس البرازيلي، استحضر منصور ما تناوله في كتابه “تحولات اليسار في لبنان والعالم” بشأن مسار لولا دا سيلفا، الذي انتقل من العمل في المصانع والحركة النقابية إلى رئاسة واحدة من أكبر دول العالم، بعيدًا عن قصور السلطة وعائلات المال والسياسة.

واعتبر الأستاذ شادي منصور، أن لولا لا يمثل مجرد رئيس يساري، بل يجسد مسارًا تاريخيًا انتقلت فيه الطبقة العاملة من الاحتجاج على السلطة إلى المشاركة في صناعتها وممارستها.

وفي هذا الصدد، قال شادي منصور”تكتسب تجربة الرئيس البرازيلي لولا أهمية فكرية وسياسية، لأنها تطرح تساؤلات بشأن قدرة اليسار على تجديد نفسه والانتقال من الشعارات الأيديولوجية إلى برامج اجتماعية واقتصادية تستجيب لاحتياجات الناس وتصون كرامتهم”.

وأشار إلى أن العالم يشهد ظاهرتين متوازيتين تبدوان متناقضتين، تتمثلان في صعود اليمين المتطرف من جهة، وتجدد حضور اليسار والقوى الاجتماعية والتقدمية من جهة أخرى، معتبرًا أن الظاهرتين ترتبطان بأزمة عالمية واحدة.

وأوضح الأستاذ شادي منصور أن اليمين المتطرف يستثمر في المخاوف المرتبطة بالمستقبل والأزمات الاقتصادية والهويات القومية والهجرة، في حين تسعى قوى اليسار إلى إعادة الاعتبار للعدالة الاجتماعية وحقوق العمال ودور الدولة في حماية الفئات الشعبية، إلى جانب الدفاع عن السيادة الوطنية في مواجهة الهيمنة الخارجية.

وشدد شادي منصور على ضرورة عدم تبسيط المشهد السياسي، موضحًا أن اليسار لا ينتصر في كل مكان، كما أن اليمين لا يتراجع في جميع البلدان، بل يتعلق الأمر بصراع تاريخي مفتوح تتقدم فيه قوى وتتراجع أخرى وفقًا للظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لكل دولة.

وفي السياق ذاته، أكد منصور أن فوز لولا دا سيلفا، رغم الانقسامات العميقة داخل المجتمع البرازيلي، يبرهن على أن اليسار لم ينتهِ بسقوط الاتحاد السوفياتي، ولم يختفِ مع صعود العولمة النيوليبرالية، بل لا يزال قادرًا على تجديد نفسه بأشكال جديدة.

وربط منصور هذه التجربة بأحد الأسئلة المركزية التي تناولها في كتابه “تحولات اليسار في لبنان والعالم”، والمتعلق بقدرة اليسار على استعادة علاقته بالطبقات الشعبية، بعدما فقدت قوى يسارية عديدة هذه العلاقة وتحولت إلى نخب سياسية وثقافية بعيدة عن انشغالات المواطنين.

وخلص شادي منصور إلى أن الدرس الأهم من تجربة لولا دا سيلفا يتمثل في أن عودة اليسار إلى السلطة لا تتحقق بالحنين إلى الماضي، بل بالقدرة على تقديم إجابات عن أسئلة الحاضر.

وفي سياق متصل، اعتبر منصور أن انتقال لولا من المصنع إلى القصر الرئاسي، مع بقائه رمزًا لإمكانية وصول العامل إلى قمة السلطة، يحمل رسالة مفادها أن التاريخ لم يغلق أبوابه أمام اليسار، وأن صعود اليمين المتطرف ليس نهاية التاريخ، بل فصل من صراع سياسي واجتماعي لم يُحسم بعد.

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام