أعاد بنك الجزائر ملف القرض الاستهلاكي إلى واجهة النقاش الاقتصادي، من خلال مذكرة جديدة موجهة إلى البنوك والمؤسسات المالية، تتيح تمويل اقتناء السلع المنتجة أو المركبة في الجزائر، في خطوة تندرج ضمن دعم الإنتاج الوطني وتحفيز الطلب على المنتجات المحلية.
وتطرح هذه الخطوة جملة من التساؤلات حول دور القرض الاستهلاكي في التنمية الاقتصادية، أولًا كأداة لتمويل الطلب وتحفيز الإنتاج الوطني، وإمكانية تحوله إلى رافعة لدعم الصناعة والإنتاج والقيمة المضافة الوطنية.
ولفهم مختلف أبعاد هذا الملف، أجرت “شرشال نيوز” اتصالًا هاتفيًا بالخبير الاقتصادي هواري تيغرسي، الذي أكد أن هذا الملف بالتحديد يمثل نافذة تفتح لإعادة النقاش الاقتصادي، ليس باعتباره مجرد وسيلة لتمكين المواطن من اقتناء السلع، وإنما كأداة يمكن أن تساهم في تحريك عجلة الإنتاج الوطني، خصوصًا أن التمويل يرتبط بالسلع المنتجة أو المركبة في الجزائر.
من تمويل الاستهلاك إلى تمويل السوق الوطنية
ويرى الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن أهمية هذه الخطوة تكمن في توقيتها، فالاقتصاد الجزائري يعيش مرحلة يبحث فيها عن توسيع قاعدة الإنتاج المحلي وتنويع النشاط الاقتصادي وتقليص الاعتماد على الواردات.
ويؤكد الخبير الاقتصادي تيغرسي أنه في مثل هذه المرحلة لا يكفي أن تنتج المؤسسات الجزائرية، بل يجب أيضًا أن تجد سوقًا قادرة على استيعاب إنتاجها، وهنا يظهر القرض الاستهلاكي كحلقة وصل بين المؤسسة المنتجة والمستهلك والسوق والقطاع المصرفي.
ويشرح الخبير الاقتصادي هذه النقطة بالقول” أن المعادلة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في آثارها فعندما يحصل المواطن على تمويل لاقتناء منتج محلي، ترتفع القدرة على الشراء، وترتفع معها مبيعات المؤسسة، فتجد هذه الأخيرة مبررًا لرفع الإنتاج والاستثمار، وربما توسيع شبكة المناولين وخلق مناصب شغل جديدة.”
وبذلك يصبح المسار، حسب الخبير الاقثتصادي هواري تيغرسي، التمويل البنكي يبدأ بتمكين المواطن من شراء منتج محلي، ما يؤدي إلى ارتفاع الطلب على منتجات المؤسسة الوطنية ومبيعاتها، وهو ما يدفعها إلى زيادة الإنتاج والاستثمار لتلبية هذا الطلب، بما ينعكس على توسيع النشاط وخلق مناصب شغل جديدة، وفي النهاية زيادة القيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد الوطني.
ويشدد على أن الهدف الاقتصادي الحقيقي لا ينبغي أن يكون زيادة حجم القروض فقط، وإنما تحويل الائتمان إلى نشاط اقتصادي حقيقي.
الصناعة الوطنية.. بين الطلب و الإنتاج
يشيرالأستاذ تيغرسي إلى أن الجزائر قطعت خطوات مهمة في إعادة بناء عدد من الأنشطة الصناعية، غير أن أي سياسة صناعية لا يمكن أن تنجح بالتركيز على جانب العرض وحده.
ويضيف قائلا ” المصنع يحتاج إلى سوق، والسوق تحتاج إلى قدرة شرائية، والقدرة الشرائية تحتاج في بعض السلع المعمرة إلى تمويل”
ويرى الخبير الاقتصادي أيضا، بأن السيارة والأجهزة الكهرومنزلية وبعض التجهيزات والسلع ذات القيمة المرتفعة، لا تستطيع غالبية الأسر اقتناءها نقدًا بسهولة، وبالتالي فإن التمويل المصرفي يمكن أن يوسع قاعدة المستهلكين ويمنح المنتج الوطني فرصة أكبر للوصول إلى السوق.
ويلفت الخبير الاقتصادي الى نقطة مهمة وهي أن الأهم هو أن يكون التمويل موجهًا فعلًا نحو إنتاج محلي ذي قيمة مضافة حقيقية، وليس مجرد تجميع محدود لمكونات مستوردة.
معادلة القيمة المضافة في الاقتصاد الوطني
يضع الخبير الاقتصادي قضية الإدماج المحلي في صلب هذه المعادلة، موضحًا أن ليس كل منتج يحمل عبارة “صنع أو ركب في الجزائر” له الأثر الاقتصادي نفسه.
ويشير إلى وجود فرق بين منتج يعتمد بدرجة كبيرة على مكونات مستوردة ويتم تجميعه محليًا، ومنتج يرتبط بشبكة واسعة من المؤسسات والمناولين الجزائريين.
وبناءً على ذلك، يرى تيغرسي أن نجاح القرض الاستهلاكي كأداة لدعم الصناعة يجب أن يقاس ليس فقط بقيمة القروض الممنوحة، وإنما أيضًا بنسبة القيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد الوطني.
وفي هذا الشأن، يطرح الخبير الاقتصادي معادلة تبنى على متغير الإنتاج، “فكلما ارتفعت نسبة الإدماج، ارتفع الأثر على المؤسسات المحلية، وعلى التشغيل، وعلى الاستثمار، وعلى الطلب على المواد والخدمات الوطنية.”
البنوك أمام اختبار جديد
وفي تحليله الاقتصادي لا يرى تيغرسي أن المذكرة تحمل رسالة للمستهلك فقط، بل يعتبر أنها تحمل أيضًا رسالة واضحة للقطاع المصرفي.
اذ يؤكد الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي بأن المطلوب هو تطوير عروض التمويل، وتسهيل الوصول إليها، وتسريع معالجة الملفات، والاستفادة من القنوات الرقمية، بما يجعل القرض أكثر سرعة ووضوحًا وأقل تعقيدًا.
وفي هذا الصدد لفت الخبير الاقتصادي الى متغير الرقمنة كعنصر، اذ يعتبر أن الرقمنة تدخل هنا كعنصر أساسي، لأن المواطن اليوم لا يقيس تطور النظام المصرفي بعدد الوكالات فقط، بل بمدى سهولة حصوله على الخدمة.
ويضيف قائلا” إذا كان الحصول على قرض لاقتناء منتج وطني يتطلب إجراءات طويلة وانتظارًا متكررًا، فإن جزءًا من الهدف الاقتصادي سيفقد قيمته”.
لذلك، يرى تيغرسي أن نجاح هذه السياسة مرتبط أيضًا بقدرة البنوك على الانتقال من منطق الإجراءات إلى منطق الخدمة المصرفية السريعة والرقمية.
ولكن… القرض ليس مالًا مجانيًا
في المقابل، يدعو تيغرسي إلى التعامل مع التوسع في القروض الاستهلاكية بحذر، موضحًا أن القرض يمكن أن يدعم الاقتصاد عندما يرافقه ارتفاع في الإنتاج، لكنه قد يتحول إلى مصدر ضغط على الأسر والأسعار إذا ارتفع الطلب بشكل أسرع من قدرة الاقتصاد على توفير السلع.
وهنا بالذات يضع الأستاذ هواري تيغرسي معادلة رياضية واضحة” زيادة القروض مع زيادة الإنتاج تساوي دعم للنمو”.
أما زيادة القروض زائد ضعف الإنتاج النتيجة ستكون حتما احتمال ارتفاع الأسعار وزيادة المديونية.
ومن هنا، يبرز تيغرسي ضرورة حماية المستهلك، والتأكد من قدرته الحقيقية على السداد، ومراقبة مستويات المديونية، وضمان الشفافية الكاملة في تكلفة التمويل.
السيارات والصناعة الكهرومنزلية… المستفيد الأكبر؟
يرى تيغرسي أن السلع المعمرة ذات القيمة المرتفعة ستكون من أكثر القطاعات استفادة من توسيع التمويل الاستهلاكي، وفي مقدمتها السيارات المنتجة أو المركبة محليًا، إلى جانب الأجهزة الكهرومنزلية وغيرها من المنتجات الوطنية.
وفي حالة السيارات تحديدًا، يشير إلى أن التمويل البنكي يمكن أن يوسع قاعدة المشترين، لأن قيمة السيارة تجعل اقتناءها نقدًا أمرًا صعبًا بالنسبة إلى شريحة واسعة من الأسر.
لكن نجاح هذه المعادلة، حسبه، يتوقف على شرط أساسي، وهو أن يكون نمو التمويل متوازيًا مع نمو الإنتاج المحلي ونسب الإدماج.
ويؤكد قائلا” فليس المطلوب أن نمول الطلب فقط، بل أن نبني قدرة صناعية قادرة على تلبية هذا الطلب.”
نحو علاقة جديدة بين الثالوث “البنك والمصنع والمواطن”
ويعتبرالخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن الأهمية الاستراتيجية للمذكرة تكمن في إمكانية بناء علاقة أكثر ترابطًا بين ثلاثة أطراف: البنك يمول، المؤسسة تنتج، والمواطن يستهلك.
ويضيف أن عندما تعمل هذه الأطراف ضمن دورة واحدة، يمكن أن يتحول التمويل المصرفي إلى محرك للنشاط الاقتصادي الحقيقي.
ويرى الأستاذ تيغرسي أن ذلك يتطلب أيضًا تطوير منتجات مصرفية أكثر تنوعًا، وربط التمويل بقدرة الأسر على السداد، وتشجيع المؤسسات على رفع الإنتاج والإدماج المحلي، ومتابعة أثر القروض على النشاط الاقتصادي.
كيف نقيس نجاح التجربة؟
وبالحديث عن نجاعة هذه التجربة اقتصاديا، يقترح تيغرسي أن لا يقتصر تقييم التجربة، بعد ستة أشهر أو سنة، على سؤال: كم قرضًا تم منحه؟ كما طرحه. بل يجب، حسبه، طرح أسئلة أخرى تتعلق بمردود المبيعات و الإنتاج الوطني قائلا “كم ارتفعت مبيعات المؤسسات الوطنية؟ كم زاد الإنتاج؟ كم ارتفعت نسبة الإدماج المحلي؟ كم مؤسسة مناولة استفادت؟ كم منصب شغل تم خلقه؟ وكم من القيمة المضافة بقيت داخل الجزائر؟”
ويؤكد الخبير الاقتصادي في هذا الشأن بأن هذه هي المؤشرات التي ستحدد ما إذا كان القرض الاستهلاكي قد أصبح فعلًا أداة للسياسة الصناعية، أم بقي مجرد منتج مصرفي جديد.
القرض بين الاقتصاد و الاستهلاك
اختتم الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي بالقول” أن مذكرة بنك الجزائر يمكن قراءتها كخطوة باتجاه جعل التمويل المصرفي أكثر ارتباطًا بالاقتصاد الحقيقي”.
فهي حسبه تفتح المجال أمام توسيع الطلب على المنتجات الوطنية، وتحسين وصول الأسر إلى التمويل، ودفع المؤسسات إلى زيادة الإنتاج.
كما أكد الأستاذ هواري تيغرسي بأن النجاح لن يقاس بحجم الأموال التي ستخرج من البنوك، وإنما بحجم القيمة الاقتصادية التي ستعود إلى الاقتصاد الوطني.
مبرزا بأن الهدف ليس أن يحصل المواطن على قرض أكبر، وإنما أن يحصل على تمويل يسمح له باقتناء منتج جزائري، وأن تستفيد المؤسسة من ارتفاع الطلب لتنتج أكثر، وتستثمر أكثر، وتشغل أكثر.
مهدي الباز




