الأولى الوطني تحاليل وآراء كتاب شرشال نيوز
✒️ المختص في الدراسات الفلسفية عبد القادر بوعرفة لشرشال نيوز:

الفلسفة ليست ترفاً فكرياً والرهان هو تحويل استنفار البكالوريا إلى وعي مستمر

كلما اقترب موعد امتحان شهادة البكالوريا في الجزائر، تطفو على السطح المظاهر الملازمة لهذا الحدث من خوف، قلق، البحث عن دورات كاملة في أقل من أسبوع، واستنفار كبير للبحث عن ملخصات ومطويات جاهزة. لكن وسط هذا الركام، تبرز ظاهرة مغايرة تماماً، لم تنل حقها من التفكيك الفلسفي أو الصحفي العميق؛ وهي ظاهرة الخوض في الفلسفة من حيث المواضيع المقترحة والممارسات التي يباشر بها بعض أساتذة الدروس الخصوصية في محاولة ربط بعض الدروس والمواضيع التي تم تدريسها ضمن البرنامج السنوي للمادة-لاسيما عند الشعب الأدبية – بالسياق الاجتماعي والسياسي الراهن كأحد المقترحات، وغيرها من النقاشات العائلية والاجتماعية حول كيف يمكن التعامل مع مختلف مواضيعها وحتى أهمية جدواها والكثير من النقاشات التي تؤشر على وجود الظاهرة.

وفي هذا الصدد تبرز العديد من الأسئلة حول الموضوع، إذ نجد السؤال الرئيسي والأهم ينطوي على البعد الأنطولوجي للظاهرة في المجتمع الجزائري؟ ومن ثم تأتي أسئلة أخرى: هل نعدها ظاهرة صحية؟ وهل بإمكانها أن تُنتج حراكا فكريًا؟ أم هي مجرد حالة عرضية تُوصف “بحمّى الحديث عن الفلسفة”؟

وفي هذا الشأن تخوض “شرشال نيوز” في هذه الظاهرة من رصدها إلى فتح النقاش وتفكيكها من خلال الاتصال بالأستاذ والدكتور عبد القادر بوعرفة، المختص في الدراسات الفلسفية في الجزائر، لتناول الفلسفة في المجتمع الجزائري من خلال ثلاثة أبعاد: أولاً، كظاهرة اجتماعية موسمية (خلال امتحان البكالوريا) تظهر مدى استعداد المجتمع للمساءلة؛ ثانياً، كعلم معرفي له قواعد وأسس يجهلها الكثيرون ظنا منهم ان الفلسفة مجرد بحث ميتافيزيقي؛ وثالثاً، كفعل فكري له وجود قائم في مختلف الثقافات والمجتمعات غير اليونانية، بعيداً عن وهم المركزية الغربية وسرديتها الاستعلائية.

رصد صحفي للظاهرة

العديد من التلاميذ المقبلين على شهادة البكالوريا هذه الأيام يخوضون بإسهاب في شجون الفلسفة ومواضيعها فيما بينهم وكذا في وسطهم الاجتماعي (العائلة، الأصدقاء، ومواقع التواصل الاجتماعي)، ومن بين هؤلاء المقبلين على شهادة البكالوريا يبرز تلاميذ الشعب الأدبية الذين يرون -على غرار التلميذ كريم وصديقه عبد الله من نفس الشعبة-أن محور البكالوريا بأكمله يختزل في هذه المادة.

يقول كريم: “إن المادة أصبحت شغلي الشاغل وأصبحت أناقشها مع العديد وأتكلم في مواضيع فلسفية مختلفة لاسيما المواضيع التي أرى أنها ضمن المقرر الدراسي مثل ‘الحق والواجب’، ‘العدل والمساواة’، ‘الأنظمة الاقتصادية والسياسية’، وكلها مواضيع نجدها مواضيع الساعة”. كما استطرد في حديثه عن الفلسفة بشكل عام مستحضرا مقولة ديكارت (أنا أفكر إذن أنا موجود)، قائلاً: “كما أن الفكر (العقل) هو وسيلة لإدراك الوجود، فإن الفلسفة هي الوسيلة لإدراك النجاح في الامتحان”.

فيما يرى صديقه عبد الله، أن معامل المادة كبير وهو 6 نقاط، وبالتالي فإن أي خطأ في عدم التعامل مع الموضوع الذي يجتاز من خلاله الامتحان قد يحرمه من فرحة البكالوريا، قائلاً باختصار: “الباك هو الفلسفة”.

الانتقال من موسمية الحدث إلى أفق التفكير الناقد

بعد الرصد الصحفي اتضح بأن الظاهرة لها وجود في المجتمع الجزائري، وهذا الوجود ملازم مع اقتراب شهادة البكالوريا. وهنا يؤكد الأستاذ عبد القادر بوعرفة بأن النقاش الفلسفي في الفضاء العام الجزائري يرتبط برزنامة الامتحانات الرسمية؛ فهي “حمّى موسمية” تنتهي بانتهاء امتحان شهادة البكالوريا.

كما يوضح الأستاذ بوعرفة بأن هذا النقاش “همّ مؤقت” وليس شغفاً ذاتياً بها، واصفاً النقاش الفلسفي القائم بحبل نجاة ينجي من السقوط، حيث يعتمد حالياً على الحفظ لا الفهم، وعلى السرد لا النقد، وهذا كله يُخالف جوهر الفلسفة الحقة. ومع ذلك، يرى بوعرفة أن هذا الاستنفار يحمل في عمقه نواةً أولية واستعداداً كامناً للمساءلة والنقد إذا ما تم توجيهه بشكل صحيح.

نقل الفلسفة من الحالة العرضية إلى منصة للتثاقف والتواصل

وللارتقاء بالظاهرة والعمل على ترقية هذا النشاط الفلسفي الموسمي، يقول الأستاذ عبد القادر بوعرفة: “إذا أردنا نقل الفلسفة من حالها العرضي المؤقت إلى منصات للتثاقف والتواصل، ونقاشات الحياة اليومية، يجب أن تبدأ الفلسفة في ممارسة وظيفتها الحقيقية من نقد الفكر، وتفكيك البديهيات، واعتبار أن السؤال أهم من الإجابة كما يقول كارل ياسبرس.”

الفلسفة ككيان معرفي.. ما وراء التوهم الميتافيزيقي

وفي رده عن السؤال حول الاعتقاد السائد عند العديد من الناس بأن الفلسفة مجرد بحث ميتافيزيقي، يقول الأستاذ بوعرفة: “يقع الكثيرون في فخ اختزل الفلسفة في بحوثٍ ميتافيزيقيةٍ مجردةٍ، أو نقاشاتٍ بيزنطيةٍ لا طائل منها، أو عدّها مجرد سفسطة، جهلاً منهم بأنها كيان معرفي عريق له قواعده، ومناهجه، وأسسه.” مؤكداً بأن الفلسفة ليست ترفاً فكرياً بل هي أداة لإنتاج المفاهيم، ومختبر لصناعة السؤال النقدي.

وفي هذا الأمر يجدد تأكيده بالقول: “الفلسفة في الأصل أداة لترتيب العقل، وفهم مشكلات الواقع المادي والاجتماعي، ونقد الذات العارفة، وموضوع المعرفة، وأيضاً مناهج المعرفة”.

نحو الفكر التعددي.. وتحطيم وهم المركزية الغربية

ويشير الأستاذ بوعرفة في حديثه لـ “شرشال نيوز” إلى خطورة السرديات المهيمنة على الفلسفة، قائلاً: “من أخطر السرديات التي هيمنت على العقل الحديث هي ‘المركزية الغربية’ التي تدعي احتكار اليونان وأوروبا للفعل الفلسفي، مروجةً لنظرةٍ استعلائيةٍ تلغي الآخر”.

وفي هذا الصدد، يؤكد أستاذ الدراسات الفلسفية بأن الفلسفةَ، كفعلٍ فكريٍ وتأمليٍ، لها وجود قائم ومتجذر في مختلف الثقافات والمجتمعات غير اليونانية -بما فيها الفكر الإسلامي، والشرق القديم، والإرث الإفريقي-. مضيفاً: “إن العودةَ إلى هذه الجذور تحرر العقل الجزائري والعربي من التبعية الثقافية، وتثبت أن التفكير الفلسفي هو نزوع إنساني عالمي لا يملك أحد صك ملكيته”.

وفي الختام، خلص الأستاذ الدكتور عبد القادر بالقول أن “حمّى الفلسفة” التي تجتاح البيوت الجزائرية مع كل بكالوريا ليست مجرد قلق امتحانات عابر، بل مؤشر على استعداد كامن لدى المجتمع للمساءلة والنقد.

كما لفت إلى نقطة مهمة تتعلق بكيفية تحويل هذه الظاهرة من موسمية إلى وعي دائم، قائلًا: “يبدو الرهان مستقبلاً هو كيف نحول هذا الاستنفار الموسمي إلى وعي مستمر يبني مجتمعًا يناقش ويحلل وينتقد، ويجعل من التفكير النقدي وسيلة للتطور والتقدم”.

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام