دخلت الجزائر مرحلة جديدة من علاقاتها الاقتصادية مع التشيك، بعدما تحولت إمدادات الغاز التي بدأت قبل عامين إلى محور مباحثات حكومية رفيعة المستوى، تتقاطع فيها اعتبارات أمن الطاقة الأوروبي مع فرص الاستثمار والتعاون الصناعي. وتكشف زيارة رئيس الوزراء التشيكي أندريه بابيش إلى الجزائر، يومي 26 و27 أكتوبر 2026، عن اهتمام براغ بتوسيع الشراكة مع مورد طاقوي يمتلك قدرات إنتاج وتصدير وشبكة إمدادات تتيح الوصول إلى أسواق وسط أوروبا، بالتزامن مع ارتفاع المبادلات التجارية بين البلدين بنسبة 132% خلال عام واحد.
وأسفرت المباحثات عن إعلان نائب رئيس الوزراء ووزير الصناعة والتجارة التشيكي، كاريل هافليتشيك، حصول بلاده على تعهد أولي من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بشأن مضاعفة كميات الغاز الجزائري الموجهة إلى السوق التشيكية، من نحو 200 مليون إلى 400 مليون متر مكعب سنويًا.
وأكدت وزارة الصناعة والتجارة التشيكية، في بيان صدر يوم الثلاثاء 27 أكتوبر، أن المناقشات شملت قيادة مجمع سوناطراك، تمهيدًا للتفاوض على الشروط التجارية للزيادة المقترحة. ويعني ذلك أن الطرفين انتقلا إلى بحث توسيع العلاقة التعاقدية القائمة، دون الإعلان حتى الآن عن اتفاق نهائي يحدد الأسعار والمدة والجدول الزمني للإمدادات الإضافية.
وتبرز أهمية هذه الخطوة في أنها تأتي بطلب تشيكي، بعد تجربة توريد بدأت في أكتوبر 2024 وتجددت في السنة التالية، وهو ما يعكس رغبة براغ في زيادة مشترياتها من الجزائر ضمن سياسة تنويع مصادر الطاقة.
تستهلك التشيك نحو 7.2 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا، وفق بيانات عام 2025 الصادرة عن هيئة تنظيم الطاقة التشيكية، بعدما ارتفع الطلب بنسبة 6.5% مقارنة بعام 2024.
وتكشف هذه الأرقام حجم السوق التي تستهدف الجزائر تعزيز حضورها فيها؛ إذ تمثل الكميات الحالية المقدرة بنحو 200 مليون متر مكعب ما يعادل 2.8% من استهلاك 2025، بينما يعادل الحجم الجديد المطلوب، البالغ 400 مليون متر مكعب، نحو 5.6%.
وتظل هذه النسب مقارنات حسابية مع استهلاك سنة مرجعية، وليست حصصًا سوقية مؤكدة للفترات المقبلة، غير أنها توضح أن زيادة الإمدادات ستمنح الغاز الجزائري وزنًا أكبر في مشتريات السوق التشيكية.
وتتضح الدوافع الاقتصادية للتحرك التشيكي بالنظر إلى طبيعة استهلاك الغاز في البلاد. فقد ارتفع طلب الأسر بنسبة 9.9% خلال 2025، مقابل 9.3% لدى المؤسسات الصغيرة و3.4% لدى كبار المستهلكين، وفق بيانات الهيئة التنظيمية.
لكن الهيئة أوضحت أن الزيادة الإجمالية تتراجع إلى 0.5% بعد تصحيح أثر درجات الحرارة، ما يبرز أهمية التقلبات المناخية في تحديد الطلب السنوي على الغاز.
وتجعل هذه الخصائص تنويع الإمدادات مسألة مرتبطة بتأمين احتياجات التدفئة والنشاط الاقتصادي، خصوصًا خلال فترات ارتفاع الاستهلاك.
وقد عبّر هافليتشيك عن هذا التوجه في تصريح نقلته وكالة الأنباء التشيكية «ČTK»، مؤكدًا أن توسيع الإمدادات الجزائرية يمثل ضمانة إضافية لتوافر الغاز للأسر التشيكية.
وربط المسؤول نفسه تنويع الموردين بتوزيع المخاطر وتعزيز القدرة التفاوضية بشأن الأسعار، وهو ما يوضح أن براغ تنظر إلى العلاقة مع الجزائر من زاوية أمن الإمدادات وتحسين شروط الشراء على المدى الطويل.
وتمنح هذه الاعتبارات الجزائر فرصة لترسيخ حضورها في سوق أوروبية تعتمد على الاستيراد، مع إمكانية تطوير عقود توريد أكثر استقرارًا، إذا توصل الطرفان إلى اتفاق تجاري يحقق مصالحهما.
شبكة التصدير الجزائرية تفتح أسواقًا خارج المتوسط
يمثل وصول الغاز الجزائري إلى التشيك أحد الأمثلة على قدرة البنية التحتية الجزائرية على خدمة أسواق أوروبية لا ترتبط جغرافيًا بالبحر المتوسط.
فوفق الوثائق المالية لمجموعة الطاقة التشيكية «ČEZ»، تنتقل الإمدادات الجزائرية عبر تونس، ثم الأنبوب البحري الرابط بإيطاليا، قبل مواصلة طريقها عبر شبكات نقل الغاز الأوروبية وصولًا إلى السوق التشيكية.
وتتيح هذه المنظومة للجزائر توسيع نطاق تسويق غازها بالاستفادة من خطوط التصدير القائمة والربط بين شبكات النقل الأوروبية، دون الحاجة إلى إنشاء أنبوب مباشر نحو كل سوق جديدة.
ويمنح هذا المسار الجزائر فرصة للوصول إلى مشترين في وسط القارة، إلى جانب زبائنها التقليديين في جنوب أوروبا، مع بقاء التوسع الفعلي مرتبطًا بتوافر الكميات وسعات النقل والاتفاقات التجارية.
وتعود بداية العلاقة التعاقدية إلى 31 أكتوبر 2024، عندما أعلنت مجموعة «ČEZ» توقيع أول عقد لاستيراد الغاز من سوناطراك، عقب مفاوضات استمرت عامين.
وقدمت المجموعة الاتفاق آنذاك باعتباره خطوة لتعزيز أمن الطاقة التشيكي، مشيرة إلى أن الكميات المتعاقد عليها تكفي لتغطية الاحتياجات السنوية لنحو 100 ألف أسرة.
وفي جويلية 2025، جددت المجموعة التعاقد بكميات مماثلة للفترة الممتدة من أول أكتوبر 2025 إلى 30 سبتمبر 2026، ما أتاح استمرار قناة التوريد التي جرى تأسيسها قبل عام.
وتعكس هذه المراحل تطور العلاقة من إبرام عقد أولي إلى تجديد التوريد، وصولًا إلى طرح مضاعفة الكميات على مستوى حكومي خلال زيارة أكتوبر 2026.
ويأتي هذا التطور ضمن سياسة تشيكية تقوم على تعدد الموردين ومسارات الإمداد، بما فيها واردات الغاز الطبيعي المسال عبر المنشآت الأوروبية.
ففي أول أكتوبر 2026، أعلنت «ČEZ» أنها استقبلت عبر محطة إيمسهافن الهولندية 92 شحنة من الغاز الطبيعي المسال خلال أربع سنوات، تعادل نحو 8.2 مليارات متر مكعب، فيما تصل السعة السنوية الإجمالية للمحطة إلى ثمانية مليارات متر مكعب، حُجز منها ما يصل إلى ثلاثة مليارات متر مكعب للتشيك.
وتكشف هذه المعطيات أن الغاز الجزائري يدخل ضمن محفظة مشتريات متعددة المصادر، تسعى براغ من خلالها إلى تقليل مخاطر الاعتماد على مسار واحد.
أما بالنسبة إلى الجزائر، فإن توسيع الإمدادات نحو التشيك يوفر منفذًا إضافيًا لتسويق إنتاجها، ويعزز قدرتها على تنويع زبائنها الأوروبيين.
323 مليون دولار من المبادلات.. الطاقة تدعم التقارب الاقتصادي
يتزامن التحرك التشيكي لزيادة واردات الغاز مع توسع لافت في العلاقات التجارية بين البلدين، إذ ارتفعت المبادلات من نحو 139 مليون دولار في 2024 إلى قرابة 323 مليون دولار خلال 2025، بزيادة تبلغ نحو 184 مليون دولار، أي ما يعادل 132%.
وكشف الوزير الأول سيفي غريب هذه الأرقام خلال افتتاح منتدى الأعمال الجزائري–التشيكي، يوم الاثنين 26 أكتوبر، بحضور نظيره أندريه بابيش وممثلين عن المؤسسات الاقتصادية في البلدين.
ورغم هذه القفزة، اعتبر غريب أن حجم المبادلات وتركيبتها ما يزالان دون الإمكانات المتاحة، داعيًا إلى توسيع الشراكات الإنتاجية والاستفادة من الموارد الجزائرية والخبرة الصناعية التشيكية.
ويشير هذا التوجه إلى أن الجزائر تسعى إلى تطوير علاقاتها الاقتصادية مع براغ على أساس يتجاوز صادرات الغاز والمبادلات التجارية، ليشمل استقطاب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا وتطوير الصناعة المحلية.
وفي هذا السياق، برزت صناعة العتاد الفلاحي ضمن الملفات المطروحة، مع استمرار الاتصالات المتعلقة بإمكانية تصنيع الجرارات داخل الجزائر، استنادًا إلى مذكرة التفاهم التي وقعتها شركة «Zetor Tractors» التشيكية ووحدة «Unia DZ» في فيفري 2025.
كما شملت المباحثات قطاع النقل، حيث ناقش ممثلو «Škoda Transportation» فرص التعاون مع «سيترام»، في إطار اهتمام جزائري بتطوير الأنشطة الصناعية والتقنية المرتبطة بمعدات النقل الحضري.
وامتدت الاتصالات إلى المناجم والتجهيزات الصناعية والتكنولوجيات المتقدمة، بالتزامن مع توقيع مذكرات تفاهم في مجالات المناجم والثقافة والحماية المدنية، وإنشاء مجلس أعمال جزائري–تشيكي مشترك.
ويُنتظر أن يوفر المجلس إطارًا مؤسساتيًا لمتابعة الاتصالات بين المتعاملين الاقتصاديين، وتحديد فرص الشراكة ومرافقة المشاريع المحتملة.
وتمنح هذه التطورات الجزائر فرصة لتوسيع استفادتها الاقتصادية من العلاقات الثنائية، عبر الجمع بين تسويق الغاز وجذب المؤسسات الصناعية الأجنبية إلى مشاريع إنتاج محلية.
غير أن المفاوضات المتعلقة بالغاز والملفات الصناعية تظل مستقلة من حيث الالتزامات التعاقدية، ولا تتضمن المعطيات المعلنة ما يثبت وجود اتفاق لمقايضة الإمدادات الطاقوية باستثمارات تشيكية.
وتكشف زيارة الوفد الحكومي التشيكي عن تطور مكانة الجزائر في الحسابات الاقتصادية لبراغ، بعدما أصبحت الإمدادات الجزائرية جزءًا من سياسة تنويع مصادر الطاقة، بالتزامن مع توسع المبادلات وفتح ملفات تعاون صناعي جديدة.
وردة جزائري




