افتتحت، اليوم ، الدورة البرلمانية العادية 2026-2027، لتدخل العهدة البرلمانية العاشرة أولى محطاتها وسط انتظارات كبيرة بشأن أداء البرلمان الجديد، وما يمكن أن يحمله من تجديد في العمل التشريعي والرقابي وتمثيل انشغالات المواطنين.
وتأتي هذه العهدة في سياق يضع المؤسسة البرلمانية أمام جملة من الملفات والتحديات، ويجعل من أدائها خلال المرحلة المقبلة محوراً أساسياً في تقييم مدى قدرة نواب الشعب على الاضطلاع بمهامهم التشريعية والرقابية.
وللوقوف على أبرز ما ينتظر البرلمان الجديد خلال عهدته العاشرة، أجرت “شرشال نيوز” اتصالاً بالمحلل السياسي البروفيسور رابح لعروسي، الذي قدم قراءة حول أهم الملفات والرهانات المطروحة أمام المؤسسة البرلمانية.
العهدة البرلمانية 10..بداية مرحلة جديدة
أكد المحلل السياسي البروفيسور رابح لعروسي، في حديثه لـ”شرشال نيوز”، أن افتتاح الدورة البرلمانية 2026–2027 يمكن الحديث عنه باعتباره أكثر من مجرد موعد دستوري لافتتاح دورة جديدة، فهو يمثل بداية مرحلة يفترض أن تنتقل فيها العهدة البرلمانية العاشرة من مرحلة التشكيل والانتخاب إلى مرحلة الأداء التشريعي والرقابي الفعلي.
وأشار لعروسي إلى أنه من المهم جداً الإشارة إلى أن عام 2026 شهد تعديلاً تقنياً للدستور، وكان يستهدف تعزيز الممارسة الديمقراطية ودعم آليات الحوكمة، وهو ما يجعل سؤال فعالية المؤسسة البرلمانية أكثر أهمية في هذه العهدة.
هذا ما ينتظره الجزائريون من البرلمان
وكقراءة استراتيجية لما ينتظر الجزائريين من البرلمان في العهدة العاشرة، أوضح المحلل السياسي أن السؤال المركزي اليوم ليس كم قانوناً سيصدر البرلمان؟ وإنما كيف، وهل تستطيع العهدة البرلمانية العاشرة الانتقال إلى برلمان المشاركة الفعلية في صناعة السياسات العمومية ومراقبة تنفيذها وتمثيل انشغالات المجتمع؟، مضيفاً بأن هناك ملفات كبرى ستكون أمام نواب الشعب وأعضاء مجلس الأمة.
إصلاح الإطار القانوني للجماعات المحلية
أكد المحلل السياسي رابح لعروسي أن ملف “إصلاح الإطار القانوني للجماعات المحلية”، من الملفات الكبرى المنتظرة التي ينبغي أن يحظى بالأولوية، فالجزائر أمام واقع إداري جديد، وتحديات مرتبطة بالتنمية المحلية، واللامركزية، والموارد المالية، وتوزيع الاختصاصات بين المصالح المركزية للدولة والجماعات المحلية.
ولذلك، ينتظر من البرلمان أن ينخرط ويخوض بجدية في مراجعة قانون البلدية ومراجعة قانون الولاية، مؤكداً أن القضية هنا ليست تعديل قانونين فقط، وإنما إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن على المستوى المحلي.
تنويع مصادر الثروة
كما تطرق البروفيسور لعروسي في حديثه إلى ملفات أخرى ذات أولوية وهي الملفات الاقتصادية، قائلاً: “إن العهدة العاشرة ستعمل في ظرف اقتصادي دولي شديد التقلب، وعليه سيكون البرلمان مطالباً بمناقشة سؤال أكبر وهو كيف نعزز مقاربة الجزائر المنتهجة في التحول والانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على المحروقات إلى اقتصاد منتج ومتنوع وقادر على خلق الثروة وفرص العمل؟”
وأضاف أن الأهم أن يكون البرلمان قادراً على تقييم نتائج السياسات الاقتصادية بما يسهم في دعم نقاط القوة وتثمينها، وكذا العمل والتعاون مع الجهاز التنفيذي على تجاوز أو التقليل من مكامن الضعف.
مسألة الأمن الغذائي والمائي
كما أشار المحلل السياسي إلى مسألة الأمن الغذائي والمائي، مؤكداً بأن هذا الملف مرشح لأن يصبح من أهم ملفات الأمن الوطني في المرحلة المقبلة، موضحاً أن الأمن الغذائي لم يعد مجرد قضية فلاحية، بل أصبح مرتبطاً بالأمن الاقتصادي والسيادي والجيوسياسي.
وفي هذا السياق، طرح البروفيسور لعروسي السؤال الاستراتيجي الهام وهو كيف تنتقل الجزائر من سياسة ضمان توفير الغذاء إلى بناء منظومة وطنية مستدامة للأمن الغذائي؟
القدرة الشرائية والسياسة الاجتماعية
وفي نقطة أخرى من الملفات الهامة المنتظرة، تطرق المحلل السياسي رابح لعروسي الى موضوع القدرة الشرائية والسياسة الاجتماعية، قائلا “بأنه سيكون المواطن هو الاختبار الحقيقي للعهدة العاشرة، لأن بعض الملفات، على غرار الأسعار، والأجور، والسكن، والتشغيل، والصحة، والتربية، والنقل، ودعم الفئات الهشة، ستظل حاضرة بقوة.”
لكن يبقى التحدي، حسبه، هو التحول من الدعم الاجتماعي الواسع إلى دعم يكون أكثر استهدافاً وفعالية، مبرزا بأن المحافظة على الطابع الاجتماعي للدولة، يبقى مبدأ ثابتاً، وهو ما جاء في بيان أول نوفمبر.
مسار الإصلاحات السياسية
كما تطرق البروفيسور رابح لعروسي إلى مواصلة الانخراط في مسار الإصلاحات السياسية، معتبراً أن هذا ملف جوهري بالنسبة للعهدة العاشرة نفسها، لأن نجاح البرلمان-حسبه- لا يقاس فقط بعدد القوانين التي يصادق عليها، وإنما بمدى شعور المواطن بأن صوته الانتخابي تحول إلى تمثيل سياسي فعلي.
مسألة الأمن القومي
كما أشار المحلل السياسي رابح لعروسي إلى مسألة الأمن القومي في بيئة جيوسياسية مضطربة، مشدداً على أن هذه النقطة ستفرض نفسها بقوة على المؤسسة التشريعية، فالجزائر مثلما قال” توجد في محيط إقليمي شديد الحساسية: “الساحل، ليبيا، المتوسط، الصحراء، الهجرة غير النظامية، الإرهاب، الجريمة المنظمة، الحرب السيبرانية، والتنافس الدولي على إفريقيا”.
وفي ذات السياق، يؤكد المحلل السياسي رابح لعروسي، أن البرلمان ينتظر منه أن يساهم في تطوير التشريعات المتعلقة بكل من الأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية الاستراتيجية، ومكافحة الجريمة المنظمة، ومكافحة المخدرات، وحماية الحدود، والذكاء الاصطناعي، والأمن الطاقوي، والأمن الغذائي والمائي.
وهنا، يقول البروفيسور لعروسي،” ينبغي أن تظهر الدبلوماسية البرلمانية كأداة موازية للدبلوماسية الرسمية”.
الرقابة على الحكومة والسياسات العمومية
كما تحدث المحلل السياسي لعروسي عن مسألة الرقابة على الحكومة والسياسات العمومية، معتبراً إياها مسألة أخرى، وهي عمل روتيني لنواب وأعضاء البرلمان، مشيراً إلى أنها ربما أهم وظيفة ينبغي أن تميز العهدة العاشرة.
وفي هذا الصدد، أوضح البروفيسور لعروسي أن الرقابة لا ينبغي أن تختزل في الأسئلة الشفوية والكتابية، وإنما المطلوب هو الانتقال إلى رقابة على النتائج، وهذا يعني -حسبه- تطوير ثقافة التقييم البرلماني للسياسات العمومية.
كما تناول المحلل السياسي رابح لعروسي نقطة اعتبرها من الجزئيات الهامة، وهي علاقة النواب وأعضاء البرلمان بالمجتمع، حيث يرى بأن هناك تحدياً سياسياً حقيقياً، لأن النائب ليس مجرد عضو في مؤسسة تشريعية، وإنما هو وسيط سياسي بين المجتمع والدولة.
لذلك، حسبه، تحتاج العهدة العاشرة إلى مؤسسة برلمانية أكثر انفتاحاً، وأكثر تواصلاً، وأكثر حضوراً في المجتمع.
وخلص المحلل السياسي رابح لعروسي إلى أن العهدة العاشرة لا ينبغي أن تكون مجرد عهدة تشريعية جديدة، بل يمكن أن تكون فرصة لإعادة بناء صورة البرلمان في الوعي السياسي الجزائري.
مهدي الباز




