تشهد العلاقات الجزائرية-التركية، منذ تولي رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون قيادة البلاد، تطورًا متسارعًا وديناميكية متنامية على مختلف الأصعدة، حيث عرفت خلال السنوات الأخيرة زخماً متزايداً مدفوعاً باتفاقية الصداقة والتعاون الموقعة سنة 2006، والتي أرست إطاراً مؤسساتياً لتعزيز التشاور السياسي وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري.
ولفهم طبيعة هذه الديناميكية المتصاعدة، أجرت “شرشال نيوز” اتصالاً هاتفياً مع المحلل السياسي رابح لعروسي، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر 3، الذي أكد أن العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وتركيا سجلت تحولاً لافتاً، مبرزا ذلك بالأرقام، قائلاً “إن حجم المبادلات التجارية بين البلدين بلغ نحو 6 مليارات دولار، فيما وصلت قيمة الاستثمارات التركية في الجزائر إلى حوالي 7.7 مليار دولار، وهو ما يعكس انتقال العلاقات الثنائية إلى مرحلة أكثر عمقاً واستراتيجية.”
وأوضح لعروسي أن نجاح هذه الشراكة لا يقاس فقط بحجم الأرقام المسجلة، وإنما بقدرة الطرفين على تحويل الجزائر من مجرد سوق استهلاكية إلى قاعدة إنتاجية مشتركة، بما يحقق التوازن الحقيقي ويخدم مصالح البلدين على حد سواء.
وأشار المتحدث إلى أن حجم المبادلات التجارية المسجل بين سنتي 2024 و2025 يعد الأعلى تاريخياً في العلاقات الاقتصادية الجزائرية التركية، مضيفاً أن هذا النمو السريع، الذي قارب نسبة 100 بالمائة خلال أقل من عشر سنوات، يعكس ديناميكية متسارعة مقارنة بعلاقات الجزائر مع عدد من شركائها التقليديين.
وفي ما يتعلق بالاستثمارات، أوضح لعروسي أن تركيا لم تعد تقتصر على تصدير السلع نحو الجزائر، بل أصبحت فاعلاً استثمارياً مباشراً في السوق الجزائرية، مشيراً إلى وجود أكثر من 1600 شركة تركية تنشط في قطاعات مختلفة داخل الجزائر، وهو ما جعل الجزائر أول وجهة للاستثمار التركي في إفريقيا.
وأضاف أن قيمة هذه الاستثمارات تكمن في مساهمتها في إنشاء المصانع وخلق مناصب الشغل ونقل التكنولوجيا والمعرفة، معتبراً أن هذا التحول يمثل خطوة مهمة نحو بناء شراكة اقتصادية أكثر استدامة.
وفي معرض حديثه عن التحول الصناعي، أبرز المتدخل نموذج “توسيالي هولدينغ” بوهران، الذي وصفه بأحد أنجح الاستثمارات الأجنبية في الجزائر، بالنظر إلى مساهمته في إنتاج الحديد محلياً وتقليص فاتورة الاستيراد، فضلاً عن توجهه نحو بلوغ صادرات بقيمة مليار دولار.
كما ربط لعروسي هذا التوجه بمشاريع استغلال منجم غار جبيلات، مؤكداً أن العلاقة الاقتصادية بين الجزائر وتركيا بدأت تنتقل تدريجياً من منطق البيع والشراء إلى الإنتاج المشترك والتوجه نحو التصدير، خاصة نحو الأسواق الإفريقية والأوروبية.
وفي تحليله لأسباب وصف هذه العلاقة بـ”الاستراتيجية”، أوضح لعروسي أن الجزائر تسعى من خلالها إلى تنويع شركائها الاقتصاديين وتقليص الاعتماد على الشركاء الأوروبيين التقليديين، إلى جانب جذب استثمارات صناعية قوية مستفيدة من التحفيزات التي يوفرها قانون الاستثمار الجديد، فضلاً عن دعم الجبهة الاجتماعية عبر خلق مناصب شغل للشباب، وهي المسألة التي يوليها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أهمية كبيرة في خطاباته وتوجيهاته الاقتصادية.
كما أشار إلى أن الجزائر يمكنها الاستفادة من الخبرة التركية في مجالات الصناعات التحويلية والنسيج والإنشاءات، مقابل استفادة تركيا من السوق الجزائرية الواعدة التي تضم أكثر من 45 مليون نسمة، إضافة إلى اعتبار الجزائر بوابة استراتيجية نحو إفريقيا، بالنظر إلى موقعها الجغرافي القريب من أوروبا وقدراتها في مجال الطاقة والغاز.
ولفت المحلل السياسي إلى مسألة وصفها بالمهمة، تتعلق بالتفكير في إقامة صناعات بالقرب من غار جبيلات وبلاد الحدبة وأميزور، مؤكداً أن امتلاك تركيا للخبرة الصناعية والتكنولوجيا، مقابل امتلاك الجزائر للطاقة والموقع والسوق، يجعل من هذه الشراكة نقطة استقطاب اقتصادية مهمة في المنطقة.
وختم لعروسي بالتأكيد على أن استثمار هذا التكامل بشكل ذكي قد يسمح للجزائر وتركيا ببناء محور اقتصادي متوسطي قوي، قادر على لعب دور إقليمي ودولي بارز، في ظل توجه الجزائر نحو تنويع شراكاتها الاستراتيجية، مذكراً بما جاء في تصريح رئيس الجمهورية خلال آخر لقاء إعلامي، حين أكد أن الجزائر تحافظ على علاقاتها مع مختلف شركائها وأصدقائها ضمن سياسة تقوم على تنويع المحاور والشراكات الاقتصادية.
مهدي الباز




