الأولى الاجتماعي الوطني تحاليل وآراء

الصيادلة في مواجهة “الأوليغارشية المخزنية”.. إلى أين يتجه الأمن الصحي في المغرب؟

تدخل المملكة المغربية اليوم نفقاً مظلماً يسرّع، أكثر من أي وقت مضى، وتيرة تفكك المجتمع وانهيار منظومته الأمنية الشاملة؛ حيث تتلاحق الأزمات في وقت يظل فيه “النظام المخزني” مشلولاً وعاجزاً عن تأمين الاستقرار للشعب، لا سيما في ظل أزمة جعلت الأمن الصحي للمواطن رهينةً للمصالح السياسية والاقتصادية للقصرالملكي ومن يدور في فلكه من النخب.

لقد بات هذا النظام يشكل خطراً حقيقياً على المواطنين المغلوبين على أمرهم؛ فبعد قرارات خصخصة قطاعات حيوية كالتعليم والمواصلات والمياه، يبرز اليوم تهديد جديد يمسّ الأمن الصحي، إثر توصيات بوضع قطاع الأدوية في يد “الأوليغارشية المخزنية”، مما يعرض حياة الكثيرين للخطر، ويحوّل الحق الأساسي في الدواء إلى سلعة خاضعة لمصالح ونفوذ فئة احتكارية تزيد من معاناة المواطن المغربي.

منعرج حاسم يهدد الأمن الصحي للمواطن المغربي

يعيش قطاع الصيدلة في المغرب اليوم منعطفًا تاريخيًا خطيرًا يهدد الأمن الصحي والمجتمع، بعد التوصيات الصادمة التي أصدرها مجلس المنافسة المغربي، والتي تهدف إلى إحداث تحول هيكلي عميق في النموذج الصيدلاني الوطني.

هذا التحول يجعل المواطن البسيط مجرد رقم في معادلة اقتصادية احتكارية، تكرّس التفاوت الاجتماعي وتحوّل المجتمع إلى منظومة “القوي يأكل الضعيف”. في هذا السياق، تتحول الخدمة الاجتماعية إلى خدمة ربحية خالصة، دون أي اعتبار للمواطن العادي، الذي يجد نفسه عاجزًا أمام هذا المنطق الهيكلي الذي يفتقد بعده الإنساني والاجتماعي، مما يزيد الاحتقان ويهدد بالانفجار الداخلي.

ويعد القطاع الصيدلي أحد أهم القطاعات الحساسة في الدولة، لارتباطه المباشر بالمواطن وبالمنظومة الصحية، التي تمثل جزءًا أساسيًا من الأمن الصحي الوطني. وقد أصبح هذا القطاع محل جدل واسع، بعد أن استهدفت توصيات المؤسسة الدستورية المغربية أركان المهنة وجوهرها، من خلال الدعوة إلى تحرير رأس مال الصيدليات، والسماح بتأسيس سلاسل تجارية، وتحرير أوقات العمل.

هذا التوجه أشعل شرارة غضب غير مسبوقة في أوساط المهنيين، الذين استشعروا حجم الكارثة المحتملة على الأمن الصحي والدوائي للمغاربة. إذ يعتبرون أن هذه الخطوات تمهّد الطريق لتحويل الدواء من مادة حيوية لإنقاذ الأرواح إلى مجرد سلعة تجارية خاضعة لمنطق العرض والطلب والمضاربات المالية، التي تديرها “الأوليغارشية المخزنية” بدعم من النظام المخزني، في مشهد يصبح فيه صحة المواطن سلعة يتم المتاجرة بها، ضد إرادة الشعب الغالب على أمره.

 

حراك نقابي مغربي يدق ناقوس الخطر

في ظل الأزمات والتحديات التي يوجهها القطاع الصيدلاني نتيجة السياسات المغربية الفاشلة في تسيير الشأن العام، وجدت كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب نفسها أمام تهديد وجودي، مما استلزم منها، برئاسة محمد لحبابي، توجيه رسالة حازمة وشديدة اللهجة إلى رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، بتاريخ 23 فيفري 2026، لتسجيل موقف المهنيين الرافض بشكل قاطع للتوصيات التي مسّت مهنة القطاع.

فقد جاء تحذير الكونفدرالية واضح وصريح “فالصيدلي رجل علم ومالك مستقل ومسؤول مباشر عن صحة المريض، فلا داعي للانجرار وراء دعوات التحرير”.

وأكدت النقابة بلغة لا تقبل التأويل أن دخول “الأوليغارشية المخزنية” إلى القطاع سيفرض منطقًا تجاريًا محضًا، يفرغ المهنة من أبعادها الإنسانية والأخلاقية، حيث سيصبح التركيز منصبًا على تحقيق المصالح الاقتصادية والأرباح المالية، بدل الحرص على جودة العلاج وراحة المريض.

كما حرصت النقابة على تأكيد موقفها الثابت، وهو عدم المساس بصحة المواطن، في جملة واحدة عميقة الأثر الاجتماعي”الدواء ليس منتجًا تجاريًا، ولا يمكن إخضاعه لقواعد المنافسة الاقتصادية التي لا تليق بالقطاع الصحي، فضلاً عن أن ذلك قد يؤدي إلى تدميره من الداخل وجعله مرتعًا للاحتكار والمضاربة.”

واقع مرير يعيشه الصيادلة في المغرب

يعيش صيادلة المغرب واقعًا مريرًا لا يعكس ما يتم ترويجه في إعلام المخزن، الذي يسعى من خلال الحملات الدعائية إلى عرض صورة “تنميقية” كاذبة وبعيدة كل البعد عن الواقع الأليم للصيدلي المغربي، وذلك لتبرير قرارات تحرير القطاع وتمكين القطاع الخاص من السيطرة عليه.

وأمام هذا الواقع، يجد الصيدلي نفسه في خط المواجهة المباشر مع المريض، فهو الأقرب إلى المواطن البسيط والملجأ المتاح دائمًا لتقديم الاستشارة الطبية المجانية والتوجيه الصحي، دون مواعيد مسبقة أو تكاليف إضافية. إلا أن النظام المغربي، وتعنته في تمرير قراراته، يعجز عن فهم الدور الحيوي الذي يؤديه الصيدلي.

فالصيدلي المغربي، بحكم طبيعة المنظومة الصحية ومنظومة الائتمان الاجتماعي والقصور الكبير الذي تشهده، يتحمل عبئًا يتجاوز بكثير بيع الدواء، حيث يضمن استمرار العلاج للفئات الهشة على عاتقه وماله الخاص. وغالبًا ما يتحول إلى مؤسسة ائتمان غير رسمية تمنح الأدوية “بالكريدي” للمرضى، ما يضع الصيدلي أمام أعباء مالية ضخمة ومخاطر كبيرة بعدم استرداد مستحقاته.

وتثبت الأرقام والمعطيات الميدانية أن هامش الربح الصافي للصيدلي لا يتجاوز في أحسن الأحوال 8٪، وهو هامش ضئيل جدًا مقارنة بحجم الاقتطاعات والمصاريف الثابتة التي تثقل كاهله.

 فالدولة المغربية تقتطع ضرائب مالية تتجاوز 30٪، إضافة إلى تكاليف الكراء الباهظة وفواتير الماء والكهرباء، ومصاريف التخلص من الأدوية المنتهية الصلاحية.

وفي خضم هذا المشهد، يبرز الصيادلة كحلقة ضعيفة أمام توصيات مجلس المنافسة، التي جاءت لتجهز على ما تبقى من قطاع صيدلاني منهك في المغرب.

يعكس مجلس المنافسة المغربي جهل نظام المخزن بطبيعة القطاع وخصوصياته، لا سيما وأنه على صلة مباشرة بالمواطن. فالسماح بإنشاء سلاسل الصيدليات لن يؤدي إلى خفض الأسعار كما يروج لذلك، بل سيؤدي حتمًا إلى خلق احتكارات كبرى تسيطر على السوق الدوائية، وبالتالي تصبح كرامة المواطن مرهونة بعلبة دواء في يد” الأوليغارشية  المخزنية”.

التصعيد بتنظيم وقفة احتجاجية من باب المسؤولية

في خطوة تصعيدية جديدة، أعلنت كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب، عن عزمهما تنظيم وقفة احتجاجية وطنية أمام مقر مجلس المنافسة بالرباط، وذلك يوم الخميس 9 أفريل المقبل، رفضا لتوصيات الصادرة في تقرير مجلس المنافسة المغربي.

كما اعتبر الكونفدرالية ان مهنة الصيدلة في المغرب تتعرض لعملية خوصصة خطيرة تفتح الباب أمام تغول رأس المال في مجال مرتبط بصحة المواطن وأمنه الدوائي.

وأكدت الكونفدرالية، أن هذه التوصيات تنذر بتحويل الصيدلي إلى أجير فاقد للاستقلالية والقرار المهني، وخلق تركيز اقتصادي واحتكار مقنع يهدد التوازن المجالي والعدالة الدوائية.

كما حذرت من التداعيات المحتملة لهذا القرار، الذي من شأنه إرباك المنظومة الدوائية الوطنية، وهو ما قد ينعكس سلبا على ثقة المواطنين في الصيدليات، التي كان ينظر إليها كمرافق للرعاية الصحية، لتتحول إلى فضاءات للتجارة.

وفي هذا السياق، شددت الكونفدرالية على رفضها القاطع لكل توجه يفتح المجال لتوغل الأوليغارشية المخزنية” في القطاع، أو المساس باستقلالية الصيدلي تحت أي غطاء.

 معتبرة أن ما تم طرحه من قبل “مجلس المنافسة” يفتقر إلى الإنصات الحقيقي للمهنيين وحاجيات المجتمع والمواطن المغربي، وتجاهل صريح لخصوصية المنظومة الصحية المغربية، حيث قررت الدخول في برنامج احتجاجي تصعيدي مفتوح، دفاعا عن كرامة الصيادلة وحماية صحة المواطنين.

الأوليغارشية المخزنية.. الخطر الذي يهدد الخدمات الأساسية للمواطنين المغاربة

ما يقوم به النظام المخزني من ممارسات احتكارية وقمعية ضد مواطنيه ليس وليد اللحظة، بل تعود جذور هذا التخطيط الخطير إلى الثمانينيات من القرن الماضي، حين لجأ النظام المغربي إلى إطلاق برنامج “التقويم الهيكلي “لا اجتماعي الطابع،” برعاية البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، الذي دشن مشروع التخلي الرسمي عن مجموعة من الخدمات العمومية الأساسية (الصحة والتعليم… إلخ) لفائدة مؤسسات القطاع الخاص .وبهذه الممارسات، يتخذ المخزن نهجًا خطيرًا في ممارسة السلطة واحتكار القطاعات التي هي ملك لكل مواطن مغربي، لا سيما أن القطاع الصحي والصناعة الصيدلانية قطاع استراتيجي يتعلق بالأمن الصحي، وهو جزء من الأمن القومي الشامل.. لذلك يعتبر المغاربة أنه من الخطورة المساس بهذا القطاع وتركه في يد  “الخواص “.

ويشير العديد من المختصين في الشأن السياسي المغاربي إلى أن “الأوليغارشية” أصبحت تتحكم في مفاصل الدولة، مدعومة من كبار مستشاري الملك ونخب عسكرية وأمنية فاسدة لها ارتباطات خارجية تخدم مصالح تتعارض مع مصالح الشعب المغربي.

وفي هذا السياق، تتحرك كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تتحول علبة “مسكن آلام” إلى سلعة نادرة في السوق. فالمعركة هنا ليست مجرد دفاع عن مصالح مهنية، بل هي معركة كرامة بالدرجة الأولى، ودفاع مستميت عن حق المواطن المغربي في نظام صحي إنساني واجتماعي، ضد مطامع “الأوليغارشية المخزنية”.

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام