الأولى الدولي الوطني قضية الصحراء الغربية
✒️ ياسمين بوعلي

الصحراء الغربية.. حراك دبلوماسي متصاعد وصراع على شكل التسوية قبل محطة أكتوبر

تشهد قضية الصحراء الغربية خلال الأشهر الأخيرة حراكًا سياسيًا ودبلوماسيًا متزايدًا، في ظل عودة الملف إلى صدارة النقاش داخل الأمم المتحدة، وتكثيف الاتصالات المرتبطة بالمسار السياسي، مقابل استمرار التباعد بين المغرب وجبهة البوليساريو بشأن طبيعة الحل النهائي.
ويأتي ذلك في وقت تستعد فيه الأمم المتحدة لمحطة جديدة في أكتوبر المقبل، بالتزامن مع انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «مينورسو» في 31 أكتوبر 2026، وفق قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025.
محطة أكتوبر تقترب والقرار الأممي الجديد غيّر معادلة التفاوض
يكتسي أكتوبر أهمية خاصة في مسار القضية، ليس فقط بسبب موعد مراجعة ولاية «مينورسو»، وإنما أيضًا بسبب التحولات التي طرأت على الإطار الذي تجري ضمنه المفاوضات.
ففي 31 أكتوبر 2025، اعتمد مجلس الأمن القرار 2797، الذي دعا إلى استئناف المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، واعتبر أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل مخرجًا قابلًا للتطبيق للنزاع.
وصوّتت 11 دولة لصالح القرار، فيما امتنعت روسيا والصين وباكستان عن التصويت، ولم تصوت الجزائر على القرار. وجدد القرار في الوقت نفسه ولاية بعثة «مينورسو» لمدة عام.
ويشكل هذا القرار نقطة تحول في مسار المفاوضات، إذ أصبح مقترح الحكم الذاتي المغربي يحظى بموقع أكثر مركزية داخل الإطار الذي حدده مجلس الأمن، في حين ترى جبهة البوليساريو والجزائر أن أي تسوية يجب ألا تتجاوز حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.
البوليساريو… تقرير المصير والاستقلال خط أحمر
في أحدث تصريحاته خلال الجامعة الصيفية لإطارات جبهة البوليساريو والدولة الصحراوية في الجزائر، أكد ممثل الجبهة لدى الأمم المتحدة والمنسق مع بعثة «مينورسو»، سيدي محمد عمر، أن الشعب الصحراوي، بحسب موقف الجبهة، متمسك بحقوقه التي وصفها بغير القابلة للتفاوض، وفي مقدمتها الحرية والاستقلال واستكمال السيادة على كامل الإقليم.
وأوضح المسؤول الصحراوي أن القضية الصحراوية لا يمكن أن تُحسم، من وجهة نظر الجبهة، بعيدًا عن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، مشيرًا إلى أن الصحراء الغربية ما تزال مدرجة ضمن قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تحاول فيه البوليساريو تكثيف حضورها السياسي والإعلامي، حيث ركزت الجامعة الصيفية الحالية أيضًا على تطوير أدوات إعلامية ورقمية لمواجهة الرواية المغربية حول النزاع.
المغرب يتمسك بالحكم الذاتي
في المقابل، يواصل المغرب الدفع بمقترح الحكم الذاتي باعتباره أساس التسوية.
وتستند الرباط في تحركها الدبلوماسي إلى القرار 2797، إضافة إلى اتساع دائرة الدول التي أعلنت دعمها للمقترح المغربي خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق، أكدت الرباط أمام لجنة الأمم المتحدة الخاصة بتصفية الاستعمار أن مبادرة الحكم الذاتي التي قدمتها سنة 2007 تمثل، من وجهة نظرها، الأساس الأكثر واقعية للتوصل إلى حل نهائي للنزاع.
كما شهد الموقف المغربي دعمًا متزايدًا من عدد من الدول، بما فيها دول إفريقية. وفي أفريل 2026 أعلنت مالي دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي، في خطوة عكست استمرار التحول في مواقف بعض الدول الإفريقية تجاه القضية.
الأمم المتحدة أمام اختبار جديد
رغم التحول الذي أحدثه القرار 2797، لا تزال الأمم المتحدة تعتبر الملف قضية تحتاج إلى تسوية سياسية.
وتعود مهمة «مينورسو» إلى سنة 1991، عندما أنشأها مجلس الأمن لمتابعة خطة التسوية التي تضمنت تنظيم استفتاء يتيح لسكان الصحراء الغربية الاختيار بين الاستقلال والاندماج مع المغرب. إلا أن الاستفتاء لم يُنظم، واستمر النزاع لعقود.
وخلال مناقشات لجنة الأمم المتحدة الخاصة بتصفية الاستعمار في جويلية 2026، ظهرت مجددًا اختلافات واضحة بين الدول حول طبيعة الحل؛ فبعض الدول دعمت مقترح الحكم الذاتي المغربي، بينما شددت دول أخرى على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير وعلى استمرار تصنيف الإقليم ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.
وهذا الانقسام يعكس صعوبة الوصول إلى صيغة تحظى بقبول جميع الأطراف، رغم وجود توافق دولي واسع على ضرورة إنهاء النزاع عبر حل سياسي.

واشنطن.. لاعب أساسي في المرحلة الجديدة
برز الدور الأميركي بصورة أكبر في مسار القضية خلال الفترة الأخيرة، خصوصًا بعد القرار الأممي الأخير.
وكانت واشنطن قد تحركت في 2026 من أجل الدفع نحو إطار تفاوضي جديد، بالتنسيق مع الأمم المتحدة، بهدف تقريب وجهات النظر قبل المحطات المقبلة لمجلس الأمن.
كما أن الولايات المتحدة كانت قد أعلنت بوضوح استمرار دعمها للموقف المغربي بشأن الصحراء الغربية، وهو ما منح مقترح الحكم الذاتي زخماً إضافياً في المسار الدبلوماسي.
لكن الدور الأميركي لا يلغي استمرار الأمم المتحدة كإطار للمفاوضات، ولا يعني أن النزاع حُسم نهائيًا، إذ ما زالت هناك خلافات جوهرية بين الأطراف حول مضمون الحل وشكل تقرير المصير.
الجزائر تؤكد تمسكها بالمسار الأممي
من جانبها، تواصل الجزائر التأكيد على أن تسوية القضية يجب أن تقوم على مبادئ القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
وخلال اجتماعات لجنة تصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة في ماي 2026، جدد الوفد الجزائري التأكيد على أن الصحراء الغربية ما تزال مدرجة ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، داعيًا إلى احترام المعايير التي تحكم عملية إنهاء الاستعمار.
وتأتي هذه المواقف في سياق تمسك الجزائر بدعم المسار الأممي، مع التأكيد على أن تحديد الوضع النهائي للإقليم يجب أن يتم وفق إرادة الشعب الصحراوي.

التطورات الحالية تشير إلى أن قضية الصحراء الغربية دخلت مرحلة مختلفة عن السنوات السابقة.
فمن جهة، أصبح مقترح الحكم الذاتي المغربي يحظى بموقع أكثر وضوحًا داخل قرارات مجلس الأمن، كما ارتفع عدد الدول التي تدعمه.
ومن جهة أخرى، تواصل جبهة البوليساريو والجزائر التشديد على تقرير المصير، بينما تستمر الأمم المتحدة في محاولة إبقاء المسار السياسي مفتوحًا.
وبذلك، فإن التحدي الأكبر خلال المرحلة المقبلة لا يتمثل فقط في استئناف المفاوضات، وإنما في تحديد القاعدة التي ستنطلق منها هذه المفاوضات: هل تكون الأولوية لمقترح الحكم الذاتي كما يدفع المغرب، أم لإطار أوسع يضمن للشعب الصحراوي ممارسة حقه في تقرير المصير كما تطالب البوليساريو والجزائر
أكتوبر.. محطة مفصلية في الملف
مع اقتراب أكتوبر 2026، تتجه الأنظار إلى مجلس الأمن وإلى مستقبل ولاية «مينورسو»، إضافة إلى أي تحركات جديدة للمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية، ستافان دي ميستورا.
وتبدو المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان الزخم الدبلوماسي الحالي سيتحول إلى مفاوضات فعلية قادرة على تضييق هوة الخلاف، أم أن التباعد بين مواقف المغرب والبوليساريو سيبقي القضية في دائرة الجمود.
وفي جميع الأحوال، فإن التطورات الأخيرة تؤكد أن قضية الصحراء الغربية لم تعد تتحرك فقط داخل الإطار التقليدي للنزاع بين المغرب والبوليساريو، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بتحولات في مواقف القوى الدولية، وتوازنات داخل مجلس الأمن، ودور متزايد للولايات المتحدة، إلى جانب استمرار حضور الأمم المتحدة كإطار أساسي للبحث عن تسوية سياسية

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام