الأولى الوطني تحاليل وآراء

لقاء عطاف والسفير المالي… صورة دبلوماسية متعددة الأبعاد

لم تكن الصورة التي جمعت وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية أحمد عطاف، بسفير جمهورية مالي لدى الجزائر محمد أماغا دولو، السبت، بمقر وزارة الخارجية بالجزائر العاصمة، مجرد مشهد بروتوكولي عابر أو محطة دبلوماسية تفرضها الأعراف، بل بدت، لمن يقرأ ما وراء الصورة، أقرب إلى رسالة سياسية هادئة تعكس تحولًا أعمق في مسار العلاقات بين البلدين، وذلك بعد أشهر من واحدة من أعقد الأزمات التي عرفتها العلاقات الجزائرية-المالية منذ سنوات، وبعد تجربة قاسية عاشتها باماكو وهي تبحث عن بدائل اعتقدت أنها قادرة على تحقيق ما عجزت عنه المقاربات السابقة، لتكتشف في النهاية أن الجغرافيا لا يمكن تجاوزها، وأن الجزائر، مهما تباينت المواقف، تبقى الطرف الأكثر قدرة على المساهمة في إخراج مالي من أزمتها والمساعدة في إعادة التوازن إلى منطقة الساحل بأكملها، وهي الحقيقة التي باتت تدركها معظم دول منطقة الساحل، لاسيما تلك التي تمتلك حدودًا جغرافية مع الجزائر.

قطيعة صنعتها الخلافات… وفجرتها المسيّرة

لم تبدأ الأزمة بين الجزائر ومالي مع حادثة إسقاط الطائرة المسيّرة، كما يعتقد كثيرون، وإنما سبقتها أشهر من التوتر السياسي المتصاعد، بعدما أعلنت السلطات المالية إنهاء العمل باتفاق الجزائر للسلم والمصالحة، الموقع سنة 2015، ووجهت اتهامات للجزائر بالتدخل في شؤونها الداخلية واستضافة شخصيات وقوى سياسية معارضة للمجلس العسكري الحاكم، وهي اتهامات رفضتها الجزائر آنذاك، مؤكدة تمسكها بموقفها الثابت القائم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهي عقيدة راسخة في الدبلوماسية الجزائرية.

غير أن الخلاف بلغ ذروته مطلع أفريل 2025، عندما أعلن الجيش الجزائري إسقاط طائرة استطلاع مسلحة بدون طيار بالقرب من منطقة تين زاوتين الحدودية، مؤكدًا أنها اخترقت المجال الجوي الجزائري، بينما أصرت باماكو على أن الطائرة كانت داخل أراضيها، ووصفت الحادثة بأنها عمل عدائي، قبل أن تتسارع وتيرة التصعيد بإغلاق البلدين مجالهما الجوي أمام بعضهما بعضًا، وسحب السفيرين، لتدخل العلاقات الثنائية مرحلة من الجمود عطلت جزءًا مهمًا من التنسيق السياسي والأمني في منطقة تواجه أصلًا تحديات غير مسبوقة جراء تنامي الفواعل غير الدولاتية.

لكن السياسة والدبلوماسية لا تعرفان القطيعة الدائمة، خاصة عندما يفرض الواقع مراجعة الحسابات، وهو ما بدأ يتجسد مع قرار رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون إعادة السفير كمال رتيب إلى باماكو، أعقبته خطوة مماثلة من السلطات المالية، في مؤشر لم يكن ليحدث لولا وجود قناعة مشتركة بأن استمرار القطيعة لم يعد يخدم مصالح أي من الطرفين، وأن إعادة قنوات الحوار أصبحت أمرًا ضروريًا في ظل كل الرهانات والتحديات المفروضة على المنطقة.

عندما تصبح التجربة أقسى من الشعارات الرنانة

المفارقة أن ابتعاد مالي عن الجزائر تزامن مع رهانها على خيارات جديدة، إذ أنهت تعاونها العسكري مع فرنسا تحت شعارات “تحرير إفريقيا من الاستعمار”، وانخرطت في كونفدرالية دول الساحل إلى جانب النيجر وبوركينا فاسو، كما فتحت الباب أمام مجموعة “فاغنر” الروسية لتكون بديلًا عن الحضور الغربي، لاسيما الفرنسي، وهي خيارات رُوِّج لها حينها باعتبارها بداية مرحلة جديدة من الاستقلال في القرار الأمني في المنطقة، بعيدًا عن الهيمنة الفرنسية.

غير أن الوقائع الميدانية كانت أكثر قسوة من الشعارات، فـ”فاغنر” نفسها انتهت فعليًا بعد مقتل مؤسسها يفغيني بريغوجين، أما “الفيلق الإفريقي” الذي خلفها فلم ينجح في تغيير موازين القوى على الأرض، إذ بقي حضوره محدودًا في حماية النظام فقط، مقارنة بحجم التحديات الأمنية التي تواجهها مالي.

ففي هذا المشهد الأمني، واصلت الجماعات المسلحة توسيع مناطق نفوذها في الشمال والوسط، لتتأكد مرة أخرى حقيقة طالما دافعت عنها الجزائر، وهي أن الأزمات المعقدة لا تُحل بالقوة العسكرية وحدها.

ولعل المشهد الأكثر دلالة كان الانسحاب من مدينة كيدال نهاية أفريل 2026، وهي لحظة حملت من الرمزية أكثر مما حملته من الأبعاد العسكرية، لأنها كشفت حدود المقاربة الأمنية التي راهنت عليها باماكو وحلفاؤها، وأعادت طرح السؤال الذي ظل مطروحًا منذ سنوات: هل يمكن لأي قوة خارجية، مهما كانت، أن تصنع استقرارًا دائمًا في منطقة تتشابك فيها الأبعاد الأمنية والسياسية والقبلية والتنموية؟

الحل في العودة إلى الجزائر

هذه الديناميكية الإيجابية التي تطبع العلاقات الجزائرية-المالية تعكس قناعة مفادها أن إنهاء أزمة الشمال في مالي لن يتحقق عبر القوة العسكرية وحدها، وأن العودة إلى منطق الحوار لم تعد خيارًا سياسيًا بقدر ما أصبحت ضرورة فرضتها التجربة نفسها.

وكل هذا يعيد اتفاق الجزائر للسلم والمصالحة إلى واجهة النقاش، ليس باعتباره وثيقة انتهى دورها، وإنما باعتباره الإطار الوحيد الذي جمع مختلف الفاعلين الماليين حول طاولة واحدة، رغم كل ما اعترضه من عراقيل.

ولعل ما يمنح الجزائر اليوم أفضلية لا يتمثل فقط في موقعها الجغرافي أو ثقلها الإقليمي كدولة وازنة في الساحل، وإنما أيضًا في كونها الدولة الوحيدة التي حافظت، رغم كل الخلافات، على خطاب ثابت لم يتغير بتغير التوازنات والمتغيرات، يقوم على أن الأمن لا ينفصل عن التنمية، وأن الاستقرار لا يمكن استيراده من الخارج، بل يُبنى عبر الحوار بين أبناء البلد نفسه.

كما أن الجزائر دأبت دائمًا على الترافع من أجل أفرقة الحلول، فالمشكلات الإفريقية تستدعي حلولًا إفريقية، وهي مقاربة واقعية أضحت بالنسبة للعديد من الدول الإفريقية بوصلة لإخراج إفريقيا من كل أزماتها الداخلية.

أكثر من زيارة… وأبعد من صورة

يرى مختصون في الشؤون الإفريقية وقضايا الساحل الإفريقي أن لقاء وزير خارجية الجزائر أحمد عطاف بالسفير المالي يتجاوز الزيارة البروتوكولية، ويعكس بداية مراجعة أوسع تشهدها منطقة الساحل، بعد أن أثبتت السنوات الأخيرة أن الرهان على الحلول الأمنية المستوردة لم يحقق النتائج الموعودة، وأن الدول التي اعتقدت أنها تستطيع إدارة أزماتها بعيدًا عن الجزائر بدأت تعيد اكتشاف حقيقة فرضتها الجغرافيا قبل السياسة، وهي أن استقرار الساحل يمر، شاء البعض أم أبى، عبر الجزائر.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تكون هذه العودة بداية شراكة استراتيجية جديدة تعيد بناء الثقة بين البلدين، أم أنها ستظل مجرد هدنة فرضتها البراغماتية الأمنية؟

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام