الأولى الوطني تحاليل وآراء لقاءات شرشال نيوز
✒️  الدكتور كديده محمد مبارك لـ"شرشال نيوز":

الزوايا والمدارس القرآنية حصون منيعة صانت الهوية الجزائرية 

منذ أن وطئت أقدام الاحتلال الفرنسي الغاشم أرض الجزائر الطاهرة، كان الهدف الأول هو طمس هوية أمة وشعب ضارب في عمق التاريخ، فالجزائر لم تكن يومًا فرنسية كما كان يروّج له الاستعمار عبر وسائله المتعددة في تزييف الحقيقة، بل كانت وستبقى ذات هوية جزائرية أصيلة.

هذه الهوية الوطنية الأصيلة كانت محل استهداف مباشر، لولا التحصين الذي وفّرته لها الزوايا والمدارس القرآنية المنتشرة عبر ربوع الجغرافيا الجزائرية آنذاك، من الشمال إلى عمق الصحراء جنوبًا، ومن الشرق إلى الغرب. فقد شكّلت هذه المؤسسات حصونًا منيعة وحواضن كبرى للذاكرة الجماعية للأمة الجزائرية بمختلف مكوناتها، ووقفت سدًّا منيعًا في وجه استراتيجيات الاحتلال الفرنسي القائمة على طمس الهوية الوطنية ومحو مقومات الشخصية الجزائرية.

ولم يكن هذا الاستهداف عشوائيًا؛ فقد أدركت الإدارة الاستعمارية مبكرًا أن إخضاع الجزائر وتفكيك بنيتها الحضارية لا يتحققان إلا بضرب مرجعيتها الدينية والثقافية، وهو ما جعل هذه المؤسسات الدينية والعلمية في صدارة خطوط المواجهة والمقاومة الثقافية، لحماية لغة القرآن وصيانة الهوية الوطنية من محاولات التشويه والطمس الممنهج.

وفي هذا السياق، أجرت “شرشال نيوز” اتصالًا بالدكتور كديده محمد مبارك، الباحث في التاريخ الحديث والمعاصر، الأستاذ بجامعة أمنوكال الحاج موسى أق أخموك بتمنراست، الذي أكد أن هذا الموضوع يستحق قراءة معمّقة من زاوية المقاومة الثقافية، باعتبارها ركيزة أساسية واجهت بها الجزائر استراتيجية الاحتلال الفرنسي القائمة على محو الهوية الوطنية.

وأوضح الدكتور كديده محمد مبارك أن “الاحتلال الفرنسي، منذ دخوله إلى الجزائر، اهتمّ مبكرًا بالجانب الثقافي والفكري والعلمي، لكونه مرتبطًا بصراع حضاري أساسي، هو الصراع الحضاري بين الشرق والغرب”.

سياسة ممنهجة لمحاصرة الزوايا

وأشار الدكتور كديده إلى أن الاحتلال الفرنسي بدأ في محاصرة الزوايا والمدارس القرآنية تدريجيًا، عبر تقليص أدوارها ومنع تدريس عدد من العلوم فيها، كالفلك والحساب والتفسير. وأكد أن “التضييق لم يقتصر على الجانب العلمي وحده، بل امتدّ إلى حرمان هذه الزوايا والمدارس من موارد الوقف، التي كانت موردها الرئيسي، والتي كانت تتكفل بنفقات طلبة العلم من مأكل ومشرب وتنقل”.

التجهيل كسياسة.. والرد بالهجرة العلمية

وأشار الأستاذ إلى أن فرنسا تبنّت ما وصفه بـ”سياسة التجهيل”، والتي أدت إلى حصر دور هذه المدارس، لكنها – بحسب تعبيره – “لم تبقَ مكتوفة الأيدي، بل استمرت تُعلِّم على قدر المساحة المتاحة لها”.

وأمام هذا الواقع، الا أن الطلبة الجزائريين-يضيف الباحث- توجّهوا لمواصلة دراستهم في الخارج، في جامع الزيتونة أو الأزهر أو القرويين بتونس، “في نوع من أنواع المقاومة.

ما الذي صمد رغم الحصار؟

وخلص الباحث في التاريخ الحديث والمعاصر، الدكتور كديده محمد مبارك، إلى أن هذه الزوايا نجحت، رغم مختلف استراتيجيات الاحتلال الفرنسي لحصارها والقضاء عليها، في الحفاظ على هوية الجزائري، “خاصة في اللغة”، وكذلك على الدين في مواجهة محاولات الاحتلال الفرنسي التشويش عليه.

تحذير من قراءة التاريخ بمنطق الأيديولوجيا

وفي ختام مداخلته، نوه الدكتور كديده محمد مبارك على ضرورة إبعاد التاريخ عن الأيديولوجيا، قائلاً: ” يجب أن نبعد التاريخ عن الأيديولوجيا خاصة لغير المتخصصين في التاريخ”، مضيفا “نلاحظ أحيانًا أن البعض يتناول هذه المواضيع بطريقة تبحث عن إثارة الجدل أكثر من البحث في جميع جوانبها بطرق علمية ومنهجية”.

وأضاف فيما يتعلق بالحرب على زوايا والطرق الصوفية في الجزائر قائلا: “الاحتلال الفرنسي حارب الطرق الصوفية لأكثر من مائة عام، لأنه اكتشف أنها كانت الداعم الأساسي والقائد الفعلي لكل المقاومة الشعبية، فجرّدها بكل الوسائل المتاحة له، اقتصادية وعسكرية وسياسية وحتى علمية، وشوّه صورتها”.

وأوضح أنه حين تقلّص دور هذه الطرق، برزت النخب من جديد عبر النهضة والتعليم والإصلاح، وحين استشعرت فرنسا خطرها، عملت على بعث فتنة جديدة بين إرث المصلحين المتمثل في جمعية العلماء المسلمين، وإرث الطرق الصوفية الضارب في التاريخ، وهو انقسام أكد الأستاذ أنه “لا ينبغي أن يُعالج بالطريقة التي يعالجه بها البعض اليوم”.

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام