الأولى الوطني تحاليل وآراء
✒️ المختص في علم الاجتماع الرقمي السعيد منصورلـ"شرشال نيوز"

الذكاء الاصطناعي غيّر وجه الغش داخل المؤسسات التعليمية

في فترة اجتياز الامتحانات الرسمية، لاسيما امتحان شهادة البكالوريا، تبرز العديد من الظواهر الملازمة لهذه المرحلة، على غرار الخوف والتوتر والقلق من الامتحانات، أو التأخر عن الحضور إلى مراكز الإجراء.

ورغم أن هذه السلوكيات أصبحت محل تحكم نسبي بفضل حملات التوعية والإجراءات التنظيمية، فإن ظاهرة أخرى باتت تفرض نفسها بقوة من سنة إلى أخرى، مستفيدة من التطور التكنولوجي المتسارع، وهي ظاهرة الغش الإلكتروني.

ولم يعد الغش في الامتحانات يقتصر على الوسائل التقليدية المعروفة، بل أخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا وتطورًا، تتماشى مع عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي. فقد أتاحت التقنيات الحديثة، من الهواتف الذكية والساعات والسماعات الذكية المتصلة بالتطبيقات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، إمكانيات جديدة للحصول على المعلومات وتبادلها بطرق يصعب أحيانًا اكتشافها، ما جعل الغش الإلكتروني أحد أبرز التحديات التي تواجه المنظومة التربوية خلال الامتحانات الرسمية.

وفي هذا الصدد، أجرت “شرشال نيوز” اتصالًا مع المختص في علم الاجتماع الرقمي، الدكتور السعيد منصور، لفهم أبعاد هذه الظاهرة والأسباب والآثار الناجمة عنها.

الذكاء الاصطناعي غيّر وجه الغش

أكد الدكتور السعيد منصور، في حديثه لـ”شرشال نيوز”، أن ظاهرة الغش لم تعد كما كانت بشكلها الكلاسيكي، المتمثل في ورقة مطوية داخل كم القميص أو معادلات رياضية مكتوبة تحت المئزر، بل صار بعض التلاميذ يوظفون كل ما يتيحه العصر من وسائل اتصال وسرعة ومراوغة، حتى بدا وكأن بعضهم لا يدخلون الامتحان بما حفظوا، بل بما أخفوا.

حين ينجح طالب بهاتفه لا بعلمه

وفي رده على سؤال حول ماهية “الغش الإلكتروني”، قال الخبير السعيد منصور إن الغش الإلكتروني، ببساطة، هو استعمال الوسائل الرقمية للحصول على إجابات أو تمريرها أو توليدها أثناء الامتحان بطرق غير مشروعة.

وأكد أنه أخطر من الغش التقليدي، قائلًا: “الغش الإلكتروني أخطر من الغش العادي؛ لأنه أسرع وأدق وأصعب اكتشافًا، ولأنه لا يفسد ورقة امتحان واحدة فقط، بل يضرب في العمق معنى الاستحقاق نفسه”.

ويضيف الخبير في علم الاجتماع الرقمي، من الناحية الأخلاقية، قائلًا: “وحين ينجح طالب بهاتفه لا بعلمه، فإن الخسارة لا تقع على المؤسسة أو المنظومة وحدها، بل على فكرة العدالة كلها، لأن الاجتهاد يصبح في تلك اللحظة أقل قيمة من الحيلة”.

دراسات أكاديمية جزائرية وتقارير دولية تؤكد تنامي الغش الإلكتروني

دقّ الدكتور السعيد منصور ناقوس الخطر بشأن التحول المتسارع لظاهرة الغش في الأوساط التعليمية والأكاديمية، مؤكدًا أن الأمر تجاوز السلوكيات المعزولة ليتحول إلى “منظومة اتصالية معقدة” مدعومة بالطفرة الرقمية، مستندًا إلى دراسات أكاديمية دقيقة ترسم ملامح هذا التحدي المقلق.

حيث أفاد الخبير بالمعطيات والأرقام التي جاءت استنادًا إلى دراسة ميدانية حديثة أُجريت بجامعة “باتنة 1” للباحثة بوتة نوال، وشملت عينة من 960 طالبًا وطالبة، حيث كشفت المؤشرات عن واقع مقلق، إذ بلغت نسبة انتشار الغش الإلكتروني 48.02 بالمائة وسط الطلبة المستجوبين.

وقد تربع الهاتف الذكي على عرش الوسائل المستعملة بنسبة 18.54 بالمائة، تليه سماعات البلوتوث بنسبة 15.10 بالمائة، ثم الساعات الإلكترونية الذكية بنسبة تناهز 9.16 بالمائة.

كما أظهرت تفاصيل هذه الدراسة أن أكثر الأساليب اعتمادًا من قبل الطلبة هو الاطلاع على معلومات مخزنة مسبقًا في الهاتف أو الساعة بنسبة 53.57 بالمائة، ثم طلب المساعدة من زميل داخل القاعة بنسبة 28.85 بالمائة، في حين يعتمد 17.57 بالمائة منهم على الاتصال المباشر بزميل خارج أسوار مراكز الإجراء.

وأوضح الدكتور السعيد منصور أن هذه الأزمة عابرة للقارات وليست حبيسة أسوارنا المحلية. فبالانتقال إلى المستوى الدولي، اختبر باحثو معهد “ICAI” عينة من 840 طالبًا في عدة جامعات، لتكشف النتائج أن أكثر من 60 بالمائة من طلبة الجامعات عالميًا يقرون بممارسة شكل من أشكال الغش، بينما ترتفع هذه النسب المقلقة في الطور الثانوي، حيث اعترف 64 بالمائة من التلاميذ بالغش في اختبار واحد على الأقل، وأقر 95 بالمائة منهم بالمشاركة في شكل ما من أشكال الغش أو النسخ أو الانتحال العلمي.

ويرى الخبير في علم الاجتماع الرقمي، من خلال هذه المعطيات، أن أدوات الغش اليوم تحولت إلى منظومة لوجستية متكاملة تبدأ من الهاتف النقال، حيث يتم تصوير الأسئلة أو تخزين الملخصات أو استقبال الأجوبة فورًا عبر الرسائل والتطبيقات، لتأتي بعدها سماعات البلوتوث والسماعات الدقيقة لتنقل الإجابة همسًا إلى الأذن، في صورة مشابهة تمامًا للعمليات السرية والاستخباراتية.

ويضيف الدكتور السعيد منصور أن الفضاء السيبراني وشبكة الإنترنت فتحا الأبواب على مصراعيها أمام المترشحين، بدءًا من البحث الفوري عن الأجوبة، وصولًا إلى التواصل عبر مجموعات مغلقة وإرسال الأسئلة خارج القاعات وانتظار الحلول في الوقت الحقيقي.

الذكاء الاصطناعي سبب في تفاقم الظاهرة

يرى الدكتور السعيد منصور أن من أبرز أسباب تفاقم هذه الظاهرة دخول الذكاء الاصطناعي على الخط، والذي لم يعد يكتفي بتقديم معلومة مجردة، بل صار قادرًا على توليد جواب كامل، وصياغة فقرات، وتحليل نصوص، وحل مسائل معقدة، بل وإعادة كتابة المضمون بأسلوب طبيعي وبشري ومقنع.

ولهذا السبب، يرى المختص في علم الاجتماع الرقمي تزايد التحذيرات الدولية من الغش المدعوم بالذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد تسجيل آلاف الحالات في جامعات بريطانية، وتصاعد الاعترافات باستخدام هذه الأدوات الرقمية في التقييمات الرسمية لعام 2025.

أسباب ظاهرة الغش الإلكتروني

وفيما يخص أسباب هذه الظاهرة، يرى الدكتور السعيد منصور أن أسبابها ترجع إلى عوامل تتجاوز الجانب التقني لتشمل أبعادًا تربوية ونفسية واجتماعية أيضًا، فهناك -حسبه- من يغش لأنه لم يستعد جيدًا، ومن يغش لأنه خائف من الرسوب، ومن يغش لأنه يعيش ضغطًا أسريًا يربط الكرامة بالنقطة، ومن يغش لأنه نشأ في بيئة تبرر النجاح بأي وسيلة.

الغش الإلكتروني”.. آثار تتجاوز لحظة الامتحان

يؤكد المختص في علم الاجتماع الرقمي السعيد منصور أن للغش الإلكتروني آثارًا تتجاوز لحظة الامتحان، فهو يزرع في المتعلم فكرة خطيرة مفادها أن التفوق لا يحتاج إلى جهد، بل إلى منفذ خفي، ويدفع المجتهد إلى الشعور بالظلم، ويضعف ثقة المجتمع في قيمة الشهادة. كما تشير بعض الدراسات إلى أن الغش باستعمال وسائل الاتصال يؤثر سلبًا على تركيز الطالب نفسه، ويشتت انتباهه، ويترك أثرًا نفسيًا لدى بقية الطلبة الذين يرون العدالة تنكسر أمام أعينهم.

الغش الإلكتروني”.. هكذا يمكن القضاء عليه

أما عن محاربة ظاهرة الغش الإلكتروني، فيرى الخبير في علم الاجتماع الرقمي السعيد منصور أنها لا تكون فقط بتشديد الحراسة أو مصادرة الهواتف، رغم أهمية ذلك، بل إن التحدي الأهم يبدأ من تغيير فلسفة الامتحان نفسه، عبر الانتقال إلى امتحانات ديناميكية قائمة على التحليل والتفسير والمقارنة وبناء الحجة والأسئلة التركيبية المفتوحة، بدل الأسئلة الجاهزة التي يكفي أن يعثر الطالب على جوابها في شاشة صغيرة.

كما يرى الدكتور السعيد منصور أن الاستعمال المتزن للرقمنة في التعليم ضروري، لا بوصف التقنية عدوًا، بل أداة ينبغي توجيهها نحو التعلم لا نحو التحايل.

ويضاف إلى ذلك -حسبه- ترسيخ التربية على النزاهة، وإشراك الأسرة، وتوضيح الحدود الأخلاقية لاستعمال الذكاء الاصطناعي داخل المسار الدراسي.

وخلص الدكتور، في مداخلته لـ”شرشال نيوز”، إلى القول إن “الغش الإلكتروني لا يسرق نقطة من ورقة الامتحان فقط، بل يسرق شيئًا أخطر بكثير؛ يسرق ثقة الإنسان في قيمة جهده، ويزرع في ذهنه أن الطريق المختصر أذكى من الطريق الصحيح”.

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام