الأولى الاقتصادي الوطني تحاليل وآراء كتاب شرشال نيوز
✒️ الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي لشرشال نيوز:

الجزائر مطالبة بالانتقال من استهلاك الذكاء الاصطناعي إلى الاستثمار فيه وإنتاجه

أكّد الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قطاع تكنولوجي، بل أصبح أصلًا استثماريًا جديدًا ومحركًا للإنتاجية والثروة والسيادة الاقتصادية، ما يجعل الاستثمار فيه أحد الرهانات الأساسية للاقتصادات التي تسعى إلى تعزيز تنافسيتها في عالم باتت التكنولوجيا والبيانات والقدرة الحاسوبية من أهم مصادر القوة والثروة.

وأوضح تيغرسي، في مداخلته لـ”شرشال نيوز”، ردا على سؤال حول أهمية الاستثمار في الذكاء الاصطناعي و بنيته التحتية وكيف يمكن أن يحقّق هذا الاستثمار قيمة مضافة في الاقتصاد، أن السؤال اليوم لم يعد هل ينبغي الاستثمار في الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح السؤال الحقيقي من سيستثمر فيه أولًا، وبأي حجم، ومن سيحصل على النصيب الأكبر من الثروة التي سيولدها؟
وأضاف الخبير الاقتصادي، أن العالم يدخل مرحلة اقتصادية جديدة، لم تعد فيها الأرض والعقار والنفط والمواد الأولية وحدها مصادر أساسية لتكوين الثروة، بعدما أصبحت البيانات والقدرة الحاسوبية والخوارزميات والبرمجيات والمهارات البشرية المتخصصة عناصر إنتاج لا تقل أهمية عن رأس المال التقليدي، وهو ما يجعل الذكاء الاصطناعي يتحوّل تدريجيًا من مجرد تكنولوجيا حديثة إلى بنية تحتية للاقتصاد العالمي الجديد.
واعتبر الباحث أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا يعني التخلي عن الاستثمارات التقليدية، مؤكدًا أن الصناعة والطاقة والفلاحة والنقل والبنية التحتية ستظل قطاعات ضرورية، غير أن الاقتصادات مطالبة بإضافة التكنولوجيا والمعرفة إلى هذه القطاعات بدل البقاء أسيرة لنمطها التقليدي.
وفي هذا الصدد، أوضح الأستاذ هواري تيغرسي، أن الاستثمار في مصنع تقليدي يمكن أن يخلق إنتاجًا وفرص عمل، لكن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المصنع نفسه يمكن أن يرفع الإنتاجية، ويخفض تكاليف الطاقة والمواد، ويحسن مراقبة الجودة، ويتوقع الأعطال قبل حدوثها ويقلص الهدر.
وأكد ايضا أن أهمية الذكاء الاصطناعي تكمن في كونه ليس بالضرورة بديلًا عن الاستثمار التقليدي، بل يمكن أن يكون مضاعفًا لعائده، معتبرًا أن الاقتصاد الذي يستثمر في الصناعة والذكاء الاصطناعي معًا سيكون أكثر قدرة على المنافسة من اقتصاد يختار أحدهما ويهمل الآخر.
وأشار الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي، إلى أن العائد من الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا يأتي فقط من بيع برنامج أو تطبيق ذكي، بل من سلسلة كاملة من الاستثمارات تبدأ من مراكز البيانات والطاقة والرقائق والبنية السحابية، مرورًا بتطوير النماذج والخوارزميات، وصولًا إلى التطبيقات في الصناعة والطاقة والصحة والنقل والمالية والفلاحة والدفاع والخدمات.
وأضاف أن الأصول الرقمية تختلف عن كثير من الأصول التقليدية، فالبرنامج أو النموذج الذكي يمكن أن يخدم ملايين المستخدمين بتكلفة هامشية منخفضة نسبيًا بعد تطويره، كما يمكن للابتكار نفسه أن يتحوّل إلى ملكية فكرية قابلة للتصدير إلى أسواق متعددة.

السعودية.. نموذج عربي للاستثمار في الذكاء الاصطناعي
وفي حديثه عن النماذج العربية في مجال الاستثمار، اعتبر تيغرسي أن التجربة السعودية تقدم نموذجًا مهمًا يستحق الدراسة، موضحًا أن المملكة لم تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مشروعًا تقنيًا محدودًا، وإنما اتجهت إلى بناء منظومة استثمارية متكاملة حوله.
وأشار إلى أن صندوق الاستثمارات العامة جعل الذكاء الاصطناعي من المجالات ذات الأولوية، وأطلق شركة HUMAIN في عام 2025 لبناء منظومة متكاملة تشمل مراكز البيانات والبنية السحابية والنماذج الذكية والتطبيقات.
وأوضح أن أهمية هذه التجربة تكمن في عدم النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره استثمارًا منفردًا، وإنما باعتباره جزءًا من بناء منظومات اقتصادية جديدة قادرة على خلق القيمة محليًا واستقطاب رأس المال العالمي، لافتًا إلى أن استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للفترة 2026-2030 تركز على تعظيم العوائد طويلة الأجل وبناء منظومات اقتصادية تنافسية.
وأضاف الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن الدرس المهم من هذه التجربة يتمثل في أن الدول التي تريد بناء اقتصاد جديد لا تكتفي بشراء التكنولوجيا، وإنما تحاول امتلاك جزء من منظومتها الإنتاجية، بما يشمل البنية التحتية والبيانات والنماذج والمهارات والملكية الفكرية.
وتطرق تيغرسي أيضًا إلى النماذج العالمية المتقدمة في مجال الاستثمار، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين وكوريا الجنوبية، التي أدركت أن المنافسة الاقتصادية المقبلة لن تكون فقط على الأسواق والموارد، وإنما على الحوسبة والبيانات والمواهب والملكية الفكرية.

عوائد مباشرة وغير مباشرة
وفي ما يتعلق بحجم العائدات، أكد الأستاذ تيغرسي ضرورة التمييز بين العائد المباشر والعائد غير المباشر على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
وأوضح أن العائد المباشر يمكن أن يتحقق من خلال إنشاء شركات متخصصة في الذكاء الاصطناعي، أو مراكز بيانات، أو منصات سحابية، أو تطوير نماذج لغوية وتطبيقات صناعية، ثم تحقيق إيرادات من بيع الخدمات والاشتراكات والتراخيص.
أما العائد غير المباشر، الذي اعتبره ربما الأهم بالنسبة للدول، فيتحقق من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي في الموانئ والجمارك والصناعة والطاقة والصحة والفلاحة والإدارة، بما يسمح بتحقيق وفورات مالية، وزيادة الإنتاجية، وتحسين جودة الخدمات، وتسريع عملية اتخاذ القرار.
وشدد الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي في مداخلته على أن قياس عائد الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقتصر على سؤال كم ربح المشروع؟ بل يجب أن يشمل أيضًا حجم التكاليف التي تم تخفيضها، ومقدار الزيادة في الإنتاجية، والقيمة المضافة التي تم خلقها.

الجزائر.. اقتصاد تطبيقي للذكاء الاصطناعي
وبالنسبة إلى الجزائر، يرى الأستاذ تيغرسي أن الهدف الواقعي في المرحلة الأولى هو بناء اقتصاد تطبيقي للذكاء الاصطناعي يرتبط بمزايا الجزائر وقطاعاتها الاستراتيجية.
وأوضح أن الفرصة يمكن أن تبدأ من قطاعات الطاقة والفلاحة والصناعة والمناجم والنقل البحري والموانئ والخدمات المالية والإدارة العمومية والصحة والتعليم، باعتبار أن الجزائر تمتلك قطاعات اقتصادية واسعة يمكن أن تشكل مختبرًا لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وأضاف أن الرهان الحقيقي يتمثل في الانتقال من سؤال “كم ستكلفنا تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي؟” إلى سؤال أكثر أهمية هو”كم ستوفر لنا، وكم ستنتج، وكم ستخلق من قيمة مضافة؟”.
واعتبر أن الاستثمار المباشر يمكن أن يشمل إنشاء مراكز بيانات وشركات متخصصة ومختبرات للبحث والتطوير وشركات برمجيات ومنصات سحابية ومؤسسات ناشئة، فيما يمكن أن يكون الاستثمار غير المباشر أكثر انتشارًا وتأثيرًا من خلال إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المؤسسات الصناعية والفلاحية والمصرفية واللوجستية وقطاعات الطاقة والنقل والإدارة.
وأكد أن هذا النوع من الاستثمار يمكن أن يرفع العائد على الاستثمارات القائمة أصلًا، من خلال تحويل المصانع إلى مصانع ذكية، والموانئ إلى موانئ ذكية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالإنتاج واستهلاك المياه والأمراض الزراعية، وتحليل المخاطر وكشف الاحتيال وتطوير المنتجات المالية.

الذكاء الاصطناعي كاستثمار سيادي
ولم يغفل الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي في حديثه الى البعد السيادي للاستثمار في الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن الدولة التي تعتمد بالكامل على منصات أجنبية في البيانات والحوسبة والذكاء الاصطناعي قد تجد نفسها مستقبلًا أمام شكل جديد من التبعية التكنولوجية.
وأوضح أن الاستثمار في هذا المجال يعني أيضًا الاستثمار في البيانات الوطنية، والكوادر البشرية، ومراكز البيانات، والأمن السيبراني، والبحث العلمي والملكية الفكرية، وهو ما يفسر توجه بعض الدول إلى بناء منظومات متكاملة بدل الاكتفاء بشراء تطبيقات جاهزة.
وفي المقابل، حذر من التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره “موضة استثمارية” جديدة أو استثمارًا مضمون الربح، في ظل الإنفاق العالمي الهائل على مراكز البيانات والبنية التحتية، والمخاطر المرتبطة بالتغير السريع للتكنولوجيا وارتفاع تكاليف الطاقة واحتمال وجود طاقات حوسبة أكبر من الطلب في بعض الأسواق.
وشدد الأستاذ تيغرسي على أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون استثمارًا مدروسًا يقوم على دراسة الجدوى والطلب الحقيقي والقدرة على خلق القيمة.
وخلص الأستاذ هواري تيغرسي إلى أن الاقتصاد العالمي يتحرك من اقتصاد يعتمد أساسًا على رأس المال المادي إلى اقتصاد يجمع بين رأس المال المالي والبشري والتكنولوجي والبيانات، معتبرًا أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لم يعد ترفًا ولا خيارًا ثانويًا، بل أصبح استثمارًا في القدرة المستقبلية على الإنتاج والمنافسة.
وأكد أن الدول التي ستربح سباق الذكاء الاصطناعي ليست بالضرورة الدول التي ستنفق أكبر مبلغ، وإنما الدول التي تعرف كيف تحوّل الإنفاق التكنولوجي إلى إنتاجية، والإنتاجية إلى قيمة مضافة، والقيمة المضافة إلى ثروة وفرص عمل وصادرات.
وختم الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي مداخلته بالقول إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يشكل بالنسبة إلى الجزائر فرصة تاريخية لتنويع الاقتصاد وذلك من خلال إدخاله إلى قلب عدد من القطاعات كالطاقة و الفلاحة وتحويل الاستثمارات التقليدية إلى استثمارات ذكية.
وأضاف قائلا “فالنفط يمكن أن يكون مصدرًا للثروة، والصناعة مصدرًا للإنتاج، والفلاحة مصدرًا للأمن الغذائي، لكن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح أداة مضاعفة لقيمة كل هذه الثروات معًا”. مشيرا الى أن المعادلة التي ينبغي أن تبدأ الجزائر في التفكير فيها هي لا نريد فقط أن نستهلك الذكاء الاصطناعي، بل نريد أن نستثمر فيه وننتج به ونصدر خدماته ونبني حوله اقتصادًا جديدًا.

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام