الأولى الوطني تحاليل وآراء كتاب شرشال نيوز
✒️ الخبير الاستراتيجي أحمد ميزاب لـ شرشال نيوز:

الجامعة لم تعد فضاءً للتدريس فقط بل خط دفاع استراتيجي للدولة

في عالم لم تعد فيه الأحداث تُقرأ بمعزل عن سياقاتها، ولا تفسَّر بوصفها محض صدفة، باتت التفاعلات الدولية أشبه بمعادلات معقّدة تحكمها متغيّرات دقيقة، تتقاطع فيها التكنولوجيا مع السياسة والأمن. ومع تسارع التحولات التي فرضها الذكاء الاصطناعي وثورة المعلومات، تغيّرت طبيعة الصراعات، وأضحت المعلومة سلاحًا مركزيًا في حروب الجيل الجديد، يُستخدم لإرباك الدول، وزعزعة استقرارها، والتشكيك في مؤسساتها.

وفي هذا السياق، تسعى الدول الواعية إلى إنتاج المعرفة وتعزيز البحث العلمي، وتحويل الجامعات ومراكز الدراسات إلى خطوط دفاع متقدمة، قادرة على استشراف المخاطر وبناء ثقافة وقائية تحصّن الجبهة الداخلية.

 وتبرز الجزائر اليوم ضمن هذا المشهد بوصفها هدفًا لحملات ممنهجة تقودها أطراف معادية، تعتمد على التضليل وتوظيف المعلومات كسلاح استراتيجي، في محاولة لضرب مؤسسات الدولة والنيل من ثقة المجتمع في ركائزها الأساسية.

وضمن هذا الإطار، تُجري شرشال نيوز حوارًا مع الخبير الإستراتيجي د. أحمد ميزاب للحديث عن طبيعة هذه التهديدات، ودور البحث العلمي ومراكز الدراسات في مواجهتها، ومدى جدية الاستثمار في المعرفة كخيار استراتيجي لحماية الأمن الوطني.

شرشال نيوز: في البداية، كيف تقيّمون طبيعة التحولات التي يشهدها مفهوم الصراع في ظل ثورة المعلومات والذكاء الاصطناعي؟

د.أحمد ميزاب: الصراع لم يعد محصورًا في الجغرافيا أو القوة العسكرية المباشرة، بل انتقل إلى فضاءات غير مادية تقودها المعلومة والتكنولوجيا، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على إعادة تشكيل أدوات التأثير بشكل غير مسبوق، من خلال تحليل السلوك الجماعي، وتوجيه الرأي العام، وصناعة سرديات موازية للواقع.

وما نشهده اليوم هو انتقال من منطق المواجهة الصلبة إلى منطق الاختراق الناعم، حيث تُستخدم البيانات كوسيلة للنفاذ إلى عمق المجتمعات دون الحاجة إلى احتكاك مباشر، وهو ما يجعل الصراع أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للرصد بالوسائل التقليدية.

شرشال نيوز: إلى أي مدى بات توظيف المعلومة في الحروب الجديدة يشكل تهديدًا حقيقيًا للأمن القومي؟

د.أحمد ميزاب: توظيف المعلومة في الحروب الجديدة يمثل تهديدًا بنيويًا، لأنه يستهدف أساس تماسك الدولة، أي الثقة بين المجتمع ومؤسساته.

وعندما يتم ضخ معلومات مضللة بشكل ممنهج، فإن النتيجة لا تكون فقط تشويشًا إعلاميًا، بل إعادة تشكيل وعي جماعي قد يؤدي إلى: إضعاف الثقة في المؤسسات و خلق حالة استقطاب داخلي كذالك تعطيل القرار العمومي.

وخطورة هذا النمط من التهديد تكمن في كونه منخفض التكلفة وعالي التأثير، ويمكن تنفيذه دون ترك بصمات واضحة، ما يجعله سلاحًا مفضلًا في بيئة الصراعات الحديثة.

شرشال نيوز: إلى أي مدى تُعدّ الجزائر معنية بهذه الحروب الجديدة؟

د.أحمد ميزاب: الجزائر معنية بشكل مباشر بهذه التحولات، ليس فقط بحكم موقعها الجيوسياسي في منطقة تتقاطع فيها رهانات إقليمية ودولية، بل أيضًا بسبب ثقلها في محيطها وتمسكها بمواقف سيادية مستقلة في عدد من القضايا الحساسة، وهو ما يجعلها ضمن نطاق الاهتمام والتأثير في بيئة دولية تتزايد فيها أدوات الضغط غير التقليدية.

وفي هذا السياق، تصبح كل دولة تمتلك قرارًا مستقلًا ووزنًا إقليميًا عرضة لمحاولات استهداف ممنهجة، لا تعتمد على المواجهة المباشرة، بل على أدوات أكثر تعقيدًا، وفي مقدمتها الحملات المعلوماتية التي تسعى إلى التأثير في الإدراك الجماعي وإعادة تشكيل الصورة الذهنية للدولة ومؤسساتها.

 وما يمكن رصده في الحالة الجزائرية هو تكرار محاولات الاستهداف التي تركز على ثلاث مستويات أساسية، تبدأ بصورة المؤسسات عبر التشكيك في فعاليتها ومصداقيتها، وتمر بمحاولة إضعاف ثقة المواطن في هذه المؤسسات، لتنتهي باستهداف تماسك الجبهة الداخلية باعتبارها الركيزة الأساسية لأي استقرار وطني.

فهذا المعطى يؤكد أن الجزائر ليست بمنأى عن هذا النوع من الحروب، بل تقع ضمن دوائر الاستهداف المباشر، وهو ما يفرض بالضرورة رفع مستوى الجاهزية، ليس فقط على المستوى الأمني، بل أيضًا على مستوى الوعي المجتمعي وبناء قدرة جماعية على التمييز والتحليل ومواجهة التضليل.

شرشال نيوز: ما أهمية تحويل الجامعات والمعاهد إلى مراكز بحث ودراسات في تعزيز الأمن القومي؟

د.أحمد ميزاب: لم تعد الجامعة مجرد فضاء مخصص للتدريس ونقل المعارف، بل أصبحت مطالبة بالتحول إلى منصة حقيقية لإنتاج المعرفة المرتبطة مباشرة بحاجات الدولة وتحدياتها، خاصة في ظل بيئة دولية تتسم بتسارع التحولات وتعقيد التهديدات، حيث لم يعد الوقت يسمح بالاعتماد على مقاربات تقليدية في الفهم والتحليل. في هذا السياق، تبرز مراكز البحث والدراسات كأداة إنذار مبكر ذات أهمية استراتيجية، لما تمتلكه من قدرة على تحليل التهديدات بشكل علمي ومنهجي، واستشراف السيناريوهات المحتملة قبل وقوعها، وتوفير معطيات دقيقة وموثوقة تدعم صانع القرار في بناء سياسات أكثر فاعلية واستجابة للواقع. كما أن التجارب الدولية تؤكد أن الدول التي استثمرت بجدية في البحث العلمي لم تحقق فقط معدلات نمو اقتصادي معتبرة، بل نجحت أيضًا في تعزيز أمنها الوطني، لأن امتلاك المعرفة وتحليلها يساهم بشكل مباشر في تقليص هامش المفاجأة، ويمنح الدولة قدرة أكبر على التحكم في مسار الأحداث بدل الاكتفاء برد الفعل.

شرشال نيوز: ما أهمية إنتاج المعرفة والدراسات العلمية في تعزيز مناعة الدولة أمام الاستهداف الممنهج؟

د.أحمد ميزاب: إنتاج المعرفة لم يعد يُنظر إليه كنمط أكاديمي أو نشاط معزول داخل المؤسسات الجامعية، بل أصبح ركيزة سيادية ترتبط بشكل مباشر بقدرة الدولة على الفهم واتخاذ القرار، لأن الدولة التي لا تنتج المعرفة بنفسها تجد نفسها مضطرة إلى استهلاك تحليلات الآخرين، وهو ما يعني تبني رؤى قد لا تعكس مصالحها ولا تعبر بدقة عن خصوصيات بيئتها الداخلية.

 وفي هذا الإطار، تكتسب المعرفة المنتجة محليًا أهمية استراتيجية، لأنها تتيح فهمًا أدق للواقع الداخلي بمختلف تعقيداته، وتمكن من قراءة مستقلة للتحولات الدولية بعيدًا عن التأثيرات الخارجية، كما تسمح ببناء سياسات عمومية قائمة على معطيات واقعية بدل التقديرات العامة، وهو ما يعزز فعالية القرار ويقلص من هامش الخطأ.

وفي سياق يتسم بتصاعد الاستهداف الممنهج عبر أدوات معلوماتية وإعلامية، تتحول المعرفة إلى خط دفاع أول، لأنها تمنح الدولة القدرة على تفكيك السرديات المعادية وكشف مضامينها، وفي الوقت نفسه بناء روايتها الخاصة بشكل مدروس يستند إلى حقائق ومعطيات دقيقة، وهو ما يعزز مناعتها ويحصن جبهتها الداخلية.

ان المعادلة هنا واضحة؛ فامتلاك المعلومة وحده لا يكفي، بل إن القيمة الحقيقية تكمن في القدرة على تحليلها وتوظيفها، لأن من يملك المعلومة ويفهمها بعمق، يمتلك في النهاية القدرة على حماية نفسه، وصياغة مستقبله وفق رؤيته ومصالحه.

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام