الأولى الاقتصادي الوطني

الجزائر والاتحاد الأوروبي يعيدان توجيه تجارة بـ43.4 مليار يورو نحو الاستثمار والإنتاج المشترك

تفتح الجزائر والاتحاد الأوروبي مسارًا جديدًا لإعادة صياغة علاقتهما الاقتصادية، عبر برنامج يمتد لخمس سنوات ويركز على الاستثمار والإنتاج المشترك والمناولة ونقل التكنولوجيا، في محاولة لتحويل جزء من تجارة ثنائية بلغت 43.4 مليار يورو في 2025 من تبادل يقوم أساسًا على الطاقة والآلات إلى شراكات صناعية ذات قيمة مضافة أعلى داخل الجزائر.

وبدأت، الاثنين 12 أكتوبر 2026، أولى جلسات إعداد برنامج «EU–ALGERIA FOR BUSINESS» بمقر الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، بمشاركة مركز التجارة الدولي المكلف من الاتحاد الأوروبي بالمرافقة التقنية، إلى جانب وزارات وهيئات اقتصادية ومنظمات أرباب العمل.

وتتواصل المشاورات إلى 14 أكتوبر بهدف تحديد التدخلات التي سيشملها البرنامج واحتياجات المؤسسات والمستثمرين، فيما تقدر المساهمة الأوروبية المخصصة لتنفيذه بنحو 16 مليون يورو.

ولا تمثل هذه القيمة استثمارات صناعية ستضخ مباشرة في السوق الجزائرية، بل غلافًا لتمويل المرافقة التقنية وتحسين مناخ الأعمال وتسهيل التجارة ودعم الشركات. لذلك، فإن وزن البرنامج الاقتصادي لا يرتبط بحجم مخصصاته فقط، بل بقدرته على تحريك استثمارات وشراكات أكبر بكثير داخل علاقة تجارية تتجاوز قيمتها السنوية 43 مليار يورو.

هذا وإن هذا المسار يأتي في وقت يحتفظ فيه الاتحاد الأوروبي بموقع مركزي داخل التجارة الخارجية الجزائرية، بعدما استحوذ على 49.6% من إجمالي المبادلات الخارجية للجزائر خلال 2025.

وبلغت واردات الاتحاد الأوروبي من الجزائر 26.5 مليار يورو، مقابل صادرات إلى السوق الجزائرية بقيمة 16.9 مليار يورو، ما منح الجزائر فائضًا تجاريًا يقارب 9.6 مليارات يورو.

غير أن قوة هذا الفائض تخفي تركّزًا واضحًا في بنية الصادرات.

فالمنتجات المعدنية، وفي مقدمتها المحروقات، شكلت 93.2% من مشتريات الاتحاد الأوروبي من الجزائر، بقيمة بلغت 24.7 مليار يورو، وهو ما يعني أن الجزء الأكبر من العائد التجاري الجزائري مع أوروبا لا يزال مرتبطًا بالطاقة والمواد الأولية.

ومن هنا تظهر أهمية البرنامج الجديد، الذي يستهدف توسيع القاعدة الإنتاجية الجزائرية بدل الاكتفاء برفع قيمة المبادلات نفسها.

فالمعادلة الحالية تمنح الجزائر فائضًا تجاريًا قويًا، لكنها تظل شديدة الحساسية لتركيبة واحدة من الصادرات، بينما يكمن التحدي في تحويل جزء أكبر من العلاقة إلى منتجات مصنعة ومكونات وخدمات يمكن للمؤسسات الجزائرية بيعها داخل السوق الأوروبية.

وفي المقابل، تكشف بنية الصادرات الأوروبية إلى الجزائر حجم الفرصة المتاحة للتوطين الصناعي.

فقد بلغت مبيعات الآلات والأجهزة الأوروبية إلى السوق الجزائرية 6.4 مليارات يورو في 2025، لتتصدر قائمة المنتجات المصدرة، متقدمة على المنتجات الكيميائية البالغة قيمتها ثلاثة مليارات يورو، والمنتجات الزراعية والغذائية التي وصلت إلى 2.9 مليار يورو.

ويعني هذا التركيب أن الجزائر تستورد من أوروبا قدرًا كبيرًا من أدوات الإنتاج نفسها، وهو ما يفتح المجال أمام نقل جزء من هذه السلسلة إلى الداخل عبر الشراكة والمناولة والتجميع والتصنيع المحلي.

ولا يعني ذلك إمكان تعويض الواردات كلها بإنتاج وطني، لكنه يحدد بوضوح القطاعات التي تمتلك أصلًا طلبًا محليًا واسعًا ويمكن أن تتحول فيها التجارة إلى استثمار.

من التجارة إلى الإنتاج

ويضع «EU–ALGERIA FOR BUSINESS» هذا التحول في صلب محوره الأول، من خلال تحسين عرض الفرص الاستثمارية ومعالجة العراقيل التي تواجه المستثمرين وتشجيع الشراكات بين المؤسسات الجزائرية ونظيراتها الأوروبية.

ويأتي ذلك فوق قاعدة استثمارية قائمة؛ إذ بلغ رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر للاتحاد الأوروبي في الجزائر 14.5 مليار يورو بنهاية 2024.

ويمثل هذا الرقم مخزونًا متراكمًا للاستثمارات وليس تدفقات سنة واحدة، لكنه يكشف أن العلاقات الاقتصادية لا تبدأ من الصفر، وأن هناك قاعدة من المؤسسات والأصول الأوروبية يمكن البناء عليها لتوسيع المناولة والإنتاج المشترك.

وتبرز هنا المقارنة بين 16 مليون يورو المخصصة للبرنامج و14.5 مليار يورو من الاستثمارات الأوروبية القائمة؛ فالأولى ليست هدفًا ماليًا في حد ذاتها، بل أداة يفترض أن تساعد على تحسين الشروط التي تسمح بتوسيع الثانية وجذب تدفقات جديدة.

وفي هذا السياق، تبرز المناولة كواحدة من أكثر الآليات ارتباطًا بهيكل التجارة الحالي.

فالمؤسسة الأوروبية التي تنتج أو تستثمر في الجزائر تحتاج إلى موردين محليين وخدمات ومكونات، بينما تحتاج المؤسسة الجزائرية إلى التكنولوجيا والمعايير والتكوين حتى تتمكن من الاندماج في سلسلة إنتاج أكبر.

ومن هنا يمكن للبرنامج أن ينقل العلاقة تدريجيًا من استيراد المنتج النهائي إلى تصنيع جزء منه محليًا، بما يسمح بتحويل جزء من فاتورة الواردات إلى قيمة مضافة وفرص عمل داخل الاقتصاد الوطني.

السوق الأوروبية تفرض معيارًا أعلى

ولا يقتصر البرنامج على جذب المستثمر الأوروبي إلى الجزائر، بل يستهدف كذلك رفع قدرة المؤسسات الجزائرية على الوصول إلى السوق الأوروبية.

وهنا تصبح الجودة والمطابقة جزءًا من السياسة التجارية نفسها.

فدخول منتج جزائري إلى سوق الاتحاد لا يتعلق بالسعر فقط، بل بقدرته على احترام المواصفات التقنية ومعايير الجودة والإشهاد بالمطابقة ومتطلبات التتبع والبيئة.

ولهذا يتضمن البرنامج دعم البنية التحتية للجودة ومرافقة المؤسسات في تحسين مطابقة منتجاتها، خصوصًا في التكنولوجيا النظيفة والقطاعات التي يمكن أن تستهدف التصدير.

كما يشمل التكيف مع آلية تعديل الكربون على الحدود «CBAM»، وهو عنصر ستتزايد أهميته بالنسبة إلى الصناعات الجزائرية الموجهة إلى أوروبا.

فكلما توسعت الجزائر في الصادرات المصنعة، ازدادت الحاجة إلى قياس الانبعاثات والتحكم في استهلاك الطاقة وإثبات المطابقة البيئية للمنتجات، ما يجعل تحديث الصناعة جزءًا مباشرًا من القدرة على النفاذ إلى السوق الأوروبية.

رقمنة التجارة لتقليل الكلفة

ويركز محور آخر على تبسيط ورقمنة الإجراءات التجارية والجمركية، بما يهدف إلى تقليص الأعباء التشغيلية على المؤسسات وتحسين حركة السلع.

ويكتسب هذا الجانب وزنًا خاصًا لأن أوروبا تستحوذ على قرابة نصف تجارة الجزائر الخارجية؛ وبالتالي فإن أي تحسن في زمن الإجراءات أو كلفة المعاملات يمكن أن ينعكس على جزء كبير من التدفقات التجارية للبلاد.

كما يمتد هذا المسار إلى التجارة مع إفريقيا، عبر ربط البرنامج بالفرص التي توفرها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.

وتمنح هذه النقطة الجزائر ورقة إضافية في جذب المستثمرين الأوروبيين، لأنها لا تقدم نفسها فقط كسوق محلية، بل كقاعدة إنتاج قريبة من أوروبا ومتصلة في الوقت نفسه بسوق إفريقية أوسع.

وبذلك، يمكن للمستثمر الأوروبي أن ينظر إلى الجزائر كموقع للإنتاج الموجه إلى ثلاثة مستويات: السوق الجزائرية، السوق الأوروبية، والأسواق الإفريقية.

وخلال افتتاح المشاورات، أكد المدير العام للوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار عمر ركاش أن إعداد البرنامج يستهدف إجراءات ملموسة ونتائج قابلة للقياس، مع تحسين وضوح الفرص الاستثمارية وتسهيل المبادلات ومرافقة المؤسسات نحو الأسواق.

وهذا هو المعيار الذي سيحدد القيمة الفعلية للبرنامج بعد بدء التنفيذ.

فنجاحه لن يقاس بعدد الاجتماعات أو بحجم الغلاف المالي الأوروبي، بل بمدى قدرته على تغيير مؤشرات أكبر: رفع عدد الشراكات الصناعية، زيادة الاستثمارات، إدخال المؤسسات الجزائرية في سلاسل المناولة، تقليص بعض الواردات القابلة للتوطين، وزيادة حصة المنتجات المصنعة داخل الصادرات نحو أوروبا.

وتكشف الأرقام الحالية حجم هذا الرهان بوضوح؛ فالجزائر تحقق فائضًا تجاريًا بـ9.6 مليارات يورو، لكنها تعتمد في أكثر من 93% من مبيعاتها الأوروبية على المنتجات المعدنية، فيما تستورد في المقابل مليارات اليوروهات من الآلات والمنتجات الصناعية.

ومن هنا، فإن التحول المطلوب لا يتعلق بزيادة التجارة فقط، بل بتغيير تركيبتها.

إذا نجح «EU–ALGERIA FOR BUSINESS» في نقل جزء من العلاقة من بيع الطاقة وشراء المعدات إلى تصنيع مشترك ومناولة ونقل للتكنولوجيا، فإن أهم مكسب لن يكون إضافة ملايين اليوروهات إلى المبادلات، بل تحويل جزء أكبر من هذه المبادلات نفسها إلى إنتاج وقيمة مضافة داخل الجزائر.

وردة جزائري

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام