في إنجاز نوعي يرسّخ معالم “جزائر 2030″، ويجسد الرؤية المستقبلية التي تبنتها القيادة العليا للبلاد، بقيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، والهادفة إلى إعداد كفاءات وطنية قادرة على مواكبة التحولات التكنولوجية والعلمية وبناء اقتصاد المعرفة، شهد القطب العلمي والتكنولوجي بسيدي عبد الله بالجزائر العاصمة، الأسبوع المنصرم، حدثًا علميًا وتاريخيًا بامتياز.
وتمثل هذا الحدث في تخرج الدفعتين الأوليين من المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي والمدرسة الوطنية العليا للرياضيات، في سابقة هي الأولى من نوعها في مسار التعليم العالي والبحث العلمي بالجزائر.
واحتفت المؤسستان بتخريج كوكبة من النخب الجزائرية الشابة المتخصصة، حيث ضمت الدفعة الأولى من المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي 105 طلبة وطالبات، فيما سجلت المدرسة الوطنية العليا للرياضيات تخرج 50 طالبًا، ليشكلوا بذلك طلائع الكفاءات الوطنية في التخصصات التي تراهن عليها الدولة لدفع مسيرة التكنولوجيا والابتكار، وتعزيز مكانة الجزائر في مجالات الذكاء الاصطناعي والرياضيات والعلوم الدقيقة.
وفي هذا السياق، أجرت “شرشال نيوز” اتصالًا هاتفيًا مع خبيرة الذكاء الاصطناعي في الوطن العربي، الدكتورة غادة عامر، أستاذة محاضِرة بالأكاديمية العسكرية بجمهورية مصر العربية، للحديث عن هذا المكسب العلمي في الجزائر والوطن العربي، حيث أكدت في مداخلتها أن هذا التخرج يمثل نقطة تحول مفصلية في استراتيجية تكوين الكفاءات الوطنية.
وأكدت الخبيرة، في ردها على سؤال “شرشال نيوز”، أن تخريج الدفعتين من المدرسة الوطنية العليا للرياضيات والمدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي في القطب العلمي والتكنولوجي بسيدي عبد الله بالجزائر يمثل لحظة فارقة في مسار الجزائر نحو بناء اقتصاد المعرفة وتعزيز مكانتها على الخريطة العالمية للذكاء الاصطناعي.
وأضافت الخبيرة غادة عامر أن هذا الحدث ليس مجرد احتفال أكاديمي، بل هو تجسيد لرؤية استراتيجية تبنتها الدولة منذ عام 2021، حين قررت إنشاء مؤسسات تعليمية متخصصة تستشرف احتياجات المستقبل وتستثمر في العقول الشابة.
كما أشارت خبيرة الذكاء الاصطناعي إلى زاوية علمية مهمة، بقولها: “إن الجمع بين الرياضيات والذكاء الاصطناعي في قطب واحد يعكس إدراكًا عميقًا بأن الرياضيات هي اللغة التي تُبنى عليها الخوارزميات، وأن الذكاء الاصطناعي هو التطبيق العملي لهذه اللغة في تحليل البيانات الضخمة، وتطوير الأنظمة المستقلة، وتصميم حلول مبتكرة لمشكلات معقدة.”
كما لفتت الدكتورة غادة عامر أيضًا إلى أن تخريج 155 طالبًا في دفعة واحدة يشكل نواة أولى لجيل قادر على قيادة التحول الرقمي، وهو ما يتماشى مع التوجهات العالمية التي تؤكد أن الذكاء الاصطناعي سيخلق ملايين الوظائف الجديدة بحلول العقد المقبل، في مجالات لم تكن موجودة من قبل.
وفي ردها على سؤال “شرشال نيوز” حول أهمية الاستثمار في الكفاءات العلمية الشابة، أكدت الدكتورة غادة عامر بأن الاستثمار في الكفاءات العلمية في هذه المجالات المهمة يمثل رافعة للتنمية، حيث تشير الدراسات الدولية إلى أن إدماج الذكاء الاصطناعي يمكن أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة تتجاوز 14% بحلول عام 2030، أي ما يعادل 15 تريليون دولار إضافية، مضيفةً بالقول: “إذا طبقنا هذه النسب على الجزائر، فإن الكفاءات الجديدة قادرة على رفع كفاءة القطاعات الحيوية، مثل الطاقة والزراعة والرعاية الصحية، بنسبة تتجاوز 30%، وهو ما يترجم إلى وفورات ضخمة وزيادة في الإنتاجية.”
وأضافت: “هذا يضع الجزائر على طريق بناء اقتصاد معرفة حقيقي، حيث تصبح العقول هي المورد الأهم، والابتكار هو المحرك الأساسي للنمو.”
وفي ردها على سؤال حول أهمية هذا التوجه الاستراتيجي من الناحية الجيوسياسية للذكاء الاصطناعي، أكدت خبيرة الذكاء الاصطناعي غادة عامر أنه، من الناحية الجيوسياسية، فإن هذا التوجه يعزز السيادة الرقمية ويقلل من الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة، وهو أمر بالغ الأهمية في عصر تتحدد فيه قوة الدول بقدرتها على التحكم في بياناتها وأمنها السيبراني.
كما أشارت الدكتورة المصرية إلى نقطة مهمة جدًا تتعلق بالتكوين الأكاديمي في هذه المدارس، بقولها: “إن قصر القبول في هذه المدارس على نوابغ البكالوريا بمعدلات فائقة يرسل رسالة واضحة بأن الجزائر تراهن على النخبة العلمية كأداة استراتيجية لتعزيز موقعها في النظام الدولي الجديد.”
وأبرزت خبيرة الذكاء الاصطناعي في الوطن العربي بأن تأثير هذا التوجه لا يقتصر على الجزائر وحدها، بل يمتد ليشكل عنصرًا مهمًا في رسم موقع العالم العربي على الخريطة الجيوسياسية للذكاء الاصطناعي، قائلةً: “فالعالم اليوم يشهد سباقًا عالميًا محمومًا بين القوى الكبرى للسيطرة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث يُنظر إليها باعتبارها محددًا رئيسيًا للقوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية في القرن الحادي والعشرين.”
كما نوهت إلى أهمية الاستثمار في المورد البشري النخبوي، بقولها: “عندما تستثمر الجزائر في نخبتها العلمية وتخرج أول دفعة من المتخصصين في الرياضيات والذكاء الاصطناعي، فهي تقدم للعالم العربي نموذجًا عمليًا على أن الاستثمار في العقول هو الطريق الأقصر نحو السيادة الرقمية.”
وفي ردها على سؤال “شرشال نيوز” حول هذه الرؤية الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن أن تسهم في تعزيز تبني الدول العربية لهذا المجال، قالت: “هذا النموذج يمكن أن يُلهم الدول العربية الأخرى لتبني سياسات مشابهة، مما يفتح الباب أمام تكوين كتلة حرجة من الكفاءات العربية القادرة على المنافسة عالميًا.”
وأضافت: “إن وجود هذه الكفاءات سيعزز قدرة المنطقة على تقليل الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة، وحماية بياناتها الوطنية، وبناء منظومات مستقلة في مجالات الأمن السيبراني، والطاقة، والصحة، والزراعة الذكية. وهذه المجالات ليست مجرد تطبيقات تقنية، بل هي أدوات استراتيجية تحدد قدرة الدول على حماية مصالحها وتعزيز نفوذها في النظام الدولي.”
مؤكدةً بأن رؤية الجزائر بهذا التوجه تمثل إعلانًا عن دخولها مرحلة جديدة من التحول الرقمي، حيث يصبح الاستثمار في العقول الشابة ركيزةً للأمن القومي وبناء القوة الاقتصادية.
واستحضرت في ردها قولها: “وكما قال سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي لشركة Google: الذكاء الاصطناعي أكثر عمقًا من النار أو الكهرباء، وسيغير كل صناعة في السنوات المقبلة.” مشيرةً إلى أن هذا التصريح يوضح أن ما قامت به الجزائر ليس مجرد خطوة تعليمية، بل هو استثمار في مستقبلها ومكانتها العالمية.
وخلصت خبيرة الذكاء الاصطناعي في الوطن العربي، غادة عامر، بقولها: “لذلك فأنا أرى أن هذا الحدث يمثل نموذجًا يمكن أن يُحتذى به في العالم العربي.” وأضافت: “إن بناء مؤسسات تعليمية متخصصة، وربطها برؤية استراتيجية وطنية، هو الطريق الأمثل لتقليص الفجوة التكنولوجية مع القوى الكبرى، وتعزيز استقلالنا الرقمي، وبناء اقتصاد معرفة قادر على المنافسة عالميًا.”
كما أكدت الدكتورة غادة عامر لشرشال نيوز بقولها: “إن ما جرى في سيدي عبد الله هو بداية مسار طويل نحو تكوين آلاف الكفاءات خلال العقد المقبل، وهو ما سيغير موازين القوى الرقمية في المنطقة، ويضع العالم العربي في موقع أكثر تقدمًا على الخريطة الجيوسياسية للذكاء الاصطناعي.”
مهدي الباز




