افتتاحية شرشال نيوز الأولى الساحل الافريقي الوطني

الجزائر.. المتغير الأساسي في معادلة الأمن الإقليمي في الساحل والمتوسط

تبرز الأحداث الأخيرة الحاصلة في الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط أن التهديدات البحرية، لا سيما ملف الهجرة غير الشرعية، لم تعد مجرد تحديات ظرفية مرتبطة بحركة الأشخاص عبر الحدود، وإنما أصبحت جزءاً من معادلة أمنية إقليمية أكثر تعقيداً، تتداخل فيها التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الساحل مع أمن الضفة الجنوبية للمتوسط، وصولاً إلى تداعياتها المباشرة على الضفة الأوروبية.

فالتغيرات المتسارعة في البيئة الأمنية لمنطقة الساحل، وما أفرزته من فراغات أمنية جراء التحولات الجيوسياسية المعقدة، واتساع نشاط الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، جعلت من البحر المتوسط امتداداً طبيعياً لهذه التحديات، وليس خطاً فاصلاً بينها وبين أوروبا. ومن هنا، لم تعد معالجة الهجرة غير الشرعية ممكنة من خلال المقاربة البحرية وحدها، وإنما أصبحت مرتبطة بقدرة دول المنطقة على التحكم في المسارات التي تسبق وصول هذه التهديدات إلى المتوسط.

ولا تقف خطورة الظاهرة عند أبعادها الأمنية والإنسانية، إذ أثبت ملف الهجرة غير الشرعية، في أكثر من محطة، قابليته للتوظيف كورقة ضغط في العلاقات بين دول جنوب المتوسط والدول الأوروبية. فالأحداث الأخيرة الحاصلة بين مدريد والرباط أكدت أن ظاهرة الهجرة غير الشرعية يمكن أن تتحول إلى أداة ضغط وتأثير في العلاقة بين الطرفين، من خلال التحكم في مستوى تدفقات الهجرة ومساراتها، بما يجعل إدارة الحدود مرتبطة أحياناً بحسابات سياسية تتجاوز البعد الأمني والإنساني للظاهرة.

فالنظام المغربي أصبح من خلال هذا الملف بالذات يشكل أحد أكبر التهديدات الأمنية في الفضاء الأورومتوسطي، إذ كلما انتهجت دول الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط سياسة خارجية متوازنة مع دول الضفة الجنوبية، لا سيما في ما يتعلق بقضية الصحراء الغربية، وبما لا يخدم طرحه التوسعي في المنطقة، يحرك الملف كورقة ضغط وابتزاز، وهو ما يشكل تحدياً حقيقياً للأمن الإقليمي الذي أضحى هذا النظام يستهدفه بشكل علني.

غير أن هذه المعطيات تقود إلى ما هو أبعد من ملف الهجرة نفسه. فإذا كانت التهديدات القادمة من الساحل تصل إلى المتوسط عبر مسارات متعددة، وإذا كانت بعض الأطراف قادرة على توظيف أحد هذه الملفات، أي الهجرة، في إدارة علاقاتها مع أوروبا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من هي الدول القادرة فعلياً على المساهمة في احتواء هذه التهديدات قبل وصولها إلى الضفة الأوروبية؟

هنا تحديداً تبرز الجزائر، ليس باعتبارها طرفاً معنيّاً فقط بتداعيات هذه الأزمات، وإنما باعتبارها دولة تقع في قلب المعادلة الجغرافية والأمنية التي تربط الساحل بشمال إفريقيا وغرب المتوسط. فموقعها يجعلها في تماس مباشر مع منطقة الساحل، وفي الوقت نفسه على اتصال بالفضاء المتوسطي، وهو ما يمنحها قدرة استراتيجية على قراءة التحولات في المجالين والتعامل مع تداعياتها العابرة للحدود.

وتتأكد أهمية هذا الموقع أمام اتساع نطاق التهديدات اللاتماثلية، من الإرهاب والجريمة المنظمة إلى تهريب البشر والمخدرات. فهذه التهديدات لا تحترم الحدود السياسية، ولا يمكن لأي دولة مواجهتها منفردة، ما يجعل الدول التي توجد في نقاط التماس بين مناطق إنتاج التهديد ومناطق انتقاله عناصر أساسية في معادلة الأمن الإقليمي. وفي هذه النقطة تحديداً تبرز الجزائر باعتبارها إحدى أهم حلقات الربط بين الساحل والمتوسط.

ومن هذه الزاوية، تصبح الهجرة غير الشرعية جزءاً من سلسلة أمنية أوسع تبدأ من مناطق تعاني هشاشة سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، وتمر عبر مسارات برية وصحراوية، قبل أن تصل إلى المتوسط. ولذلك، فإن معالجة نتائج الظاهرة عند السواحل الأوروبية لا تكفي وحدها، ما لم تترافق مع تعاون أمني وإقليمي يستهدف مساراتها وشبكاتها في مراحلها الأولى.

وهذا ما يفسر تنامي الاهتمام الإسباني بتطوير التعاون مع الجزائر في الملفات الأمنية والهجرة غير الشرعية. فإسبانيا، بحكم موقعها الجغرافي، توجد في واجهة التحديات القادمة من غرب المتوسط، بينما توجد الجزائر في موقع متقدم من الضفة الجنوبية وفي اتصال مباشر بمنطقة الساحل التي تعد عمقها الاستراتيجي. وبين الموقعين تتشكل مساحة واسعة من المصالح الأمنية المشتركة، تجعل من التعاون بينهما أكثر من مجرد تنسيق ثنائي حول ملف محدد.

لكن مركزية الجزائر في هذه المعادلة لا تستمد من الجغرافيا وحدها. فالموقع الجغرافي يصبح ذا قيمة استراتيجية عندما تقترن به القدرة على إنتاج مقاربة متكاملة للتعامل مع التهديدات. وفي هذا الشأن بالذات، ترتكز الجزائر في معالجتها لمختلف الأزمات الأمنية على رؤية شاملة تربط الأمن بالتنمية المستدامة.

فالجزائر، بحكم ثقلها الجيوسياسي في المنطقة ودورها المحوري في معالجة مختلف الأزمات، تتخذ من لغة السلم والأمن والتنمية ثلاثيةً لمقاربة واقعية وفعالة لمختلف الأزمات والاختلالات البنيوية التي يعاني منها نظام الأمن الإقليمي. وهي مقاربة تتجاوز التعامل مع نتائج الأزمات إلى محاولة معالجة الظروف التي تنتجها وتغذي استمرارها.

وتجمع المقاربة الجزائرية بين الردع العسكري لحماية الحدود، والتعاون الدبلوماسي والاستخباراتي مع دول الجوار، ودعم مشاريع التكامل الاقتصادي والتنموي بين الدول الإفريقية. وبذلك، لا تنظر الجزائر إلى الأمن باعتباره إجراءً عسكرياً منفصلاً، وإنما باعتباره منظومة متكاملة تتداخل فيها حماية الحدود مع التعاون السياسي والأمني والتنمية الاقتصادية.

وتبرز المشاريع الاقتصادية والتعاون الاستراتيجي القائم بين الجزائر ودول الجوار الإقليمي، كالنيجر، كأحد تجليات هذه المقاربة التي تربط الأمن بالتنمية والتكامل الاقتصادي. فتعزيز الروابط الاقتصادية بين دول المنطقة، إلى جانب التعاون الأمني والدبلوماسي، يمكن أن يشكل أحد المسارات التي تساهم في بناء بيئة أكثر استقراراً في الفضاء الساحلي.

ومن هنا، تتضح أهمية الجزائر في الحسابات الإسبانية والأوروبية؛ فالمطلوب لم يعد مجرد طرف يساعد في مراقبة الحدود أو الحد من تدفقات الهجرة، وإنما شريك قادر على المساهمة في معالجة البيئة الإقليمية التي تنتج هذه التهديدات. وهذه تحديداً هي النقطة التي تجعل الجزائر متغيراً أساسياً في معادلة الأمن، وليس مجرد عنصر من عناصرها.

فاستقرار الساحل يرتبط بصورة متزايدة بأمن شمال إفريقيا، وأمن شمال إفريقيا يرتبط بدوره بأمن المتوسط، ما يجعل الفصل بين هذه المجالات أمراً أكثر صعوبة أمام طبيعة التهديدات الجديدة العابرة للحدود. وكلما اتسعت هذه التداخلات، ازدادت قيمة الدول التي تستطيع الربط بين المجالين الإفريقي والمتوسطي، وتقديم مقاربة تتجاوز إدارة الأزمات إلى احتوائها من منابعها.

وعليه، فإن الرهان الإسباني على تعزيز التعاون مع الجزائر لا يرتبط بملف الهجرة وحده، بل يعكس حاجة أوسع إلى بناء شراكة إقليمية أكثر استقراراً في مواجهة بيئة أمنية تتغير بسرعة. فالجزائر لا توجد على هامش هذه المعادلة، وإنما في نقطة تقاطعها؛ بين الساحل الذي تتشكل فيه أجزاء كبيرة من التهديدات، والمتوسط الذي تظهر فيه تداعياتها.

وفي المحصلة، تتحول الجزائر إلى المتغير الأساسي في معادلة الأمن الإقليمي الممتدة من الساحل إلى غرب المتوسط، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي وثقلها الجيوسياسي، وإنما أيضاً بحكم طبيعة مقاربتها القائمة على الجمع بين السلم والأمن والتنمية. ومن هنا، فإن أمن المتوسط لا يمكن فصله عن استقرار الساحل، واستقرار الساحل لا يمكن بحثه بمعزل عن الجزائر، باعتبارها إحدى الركائز التي يقوم عليها أي تصور واقعي لأمن المنطقة واستقرارها.

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام