تتحرك الدبلوماسية الجزائرية بشكل هادئ ورصين ومسؤول في منطقة الساحل الإفريقي، في مسعى يعكس إرثها الكبير في إدارة العلاقات، والحفاظ على التوازنات، وتجنيب المنطقة الوقوع في صدامات الاستقطاب والتحالفات.
هذا التحرك المتزن جعل دول المنطقة تدرك طبيعة الفاعل الإقليمي القادر على ضمان الأمن والاستقرار، بعيدًا عن الحسابات الجيوسياسية الضيقة أو الظرفية.
وفي سياق لافت، تشهد الجزائر في الفترة الأخيرة تزايدًا في وتيرة الزيارات الرسمية لقادة دول الساحل، في ما يشبه حراكًا دبلوماسيًا متصاعدًا، يعكس سعي هذه الدول إلى تعزيز التنسيق مع الجزائر، في ظل تنامي ظاهرة الاستقطاب والتكتلات الإقليمية.
نيجر وتشاد.. الجزائر الشريك الاستراتيجي في المنطقة
فبعد زيارة الدولة التي قام بها رئيس النيجر إلى الجزائر، والتي تُوّجت بعقد عدة اتفاقيات مهمة من شأنها الدفع بالعلاقات الثنائية إلى مصاف الشراكة الاستراتيجية، تأتي زيارة رئيس جمهورية تشاد، محمد إدريس ديبي إتنو، والتي دامت ثلاثة أيام، انطلقت يوم الأربعاء، وشهدت سلسلة من اللقاءات الرسمية.
وخلال هذه الزيارة، جرى لقاء بين الرئيس التشادي ورئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بمقر رئاسة الجمهورية، أعقبته تصريحات مشتركة، أكد فيها رئيس الجمهورية أن “ما تحقق اليوم بين الجزائر وتشاد يشكل خطوة هامة نحو بناء شراكة استراتيجية متكاملة”.
كما أبرز التزام الجزائر بالوقوف إلى جانب جمهورية تشاد، مع الحرص على بناء نموذج إفريقي ناجح للتعاون الإفريقي-الإفريقي، مشيرًا إلى أن هذه الزيارة ترمي إلى إعطاء دفع جديد للتعاون في مختلف المجالات.
وأكد رئيس الجمهورية أنه تطرق مع نظيره التشادي إلى القضايا الإقليمية والأفريقية، حيث تم الاتفاق على مواصلة التشاور والتنسيق، دفاعًا عن مصالح القارة وخدمة لقضايا السلم والاستقرار والتنمية في إفريقيا.
من جهته، اعتبر رئيس جمهورية تشاد أن زيارته إلى الجزائر تعكس إرادة سياسية واضحة لدى البلدين للانتقال من صداقة تقليدية إلى شراكة استراتيجية، مؤكدًا أن الجزائر وتشاد “ليستا مرتبطتين بمحض الصدفة، بل تتقاسمان عمقًا تاريخيًا ناتجًا عن رؤية سياسية صاغها الآباء المؤسسون”، في تصريح يحمل دلالات جيوحضارية تعكس عمق العلاقات بين البلدين.
سياق إقليمي ودولي متحوّل
تأتي هذه الزيارات في ظرف إقليمي ودولي يتسم بتحولات جيوسياسية متسارعة، جعلت من منطقة الساحل الإفريقي مجالًا مفتوحًا للتنافس، لاسيما مع بروز هيكل جيوسياسي جديد يتمثل في “كونفدرالية الساحل”، التي تضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
وفي هذا السياق، تتحفظ تشاد عن الانخراط في هذا التكتل، مفضّلة البقاء على مسافة منه، والابتعاد عن مختلف أشكال الاستقطاب الجيوسياسي، وهو ما يفسر توجهها نحو الجزائر، باعتبارها قوة إقليمية تتمتع بمرونة ووزن في علاقاتها مع مختلف الفاعلين، بما يجنّبها الانخراط في تحالفات تُرسم خارج المنطقة.
تشاد ولعبة التوازنات الإقليمية
تعيش منطقة الساحل الإفريقي، الممتدة جيوسياسيًا من موريتانيا إلى باب المندب، حالة من التنافس الحاد والاستقطاب، في إطار لعبة جيوسياسية معقدة عنوانها “البحث عن النفوذ”.
وفي ظل هذه التحولات، تبرز تشاد كدولة محورية تتقاطع عندها خيوط هذه التفاعلات، خاصة بالنظر إلى موقعها الجغرافي وحدودها مع كل من ليبيا والسودان.
وفي هذا الإطار، تشير العديد من المصادر والتقارير الاستراتيجية إلى وجود شبكة معقدة من المصالح الدولية المرتبطة بالصراع في ليبيا، وكذا الحرب الدائرة في السودان.
وحسب تقارير إعلامية، كانت تشاد لفترة طويلة تمثل ممرًا رئيسيًا للأسلحة القادمة من الإمارات نحو قوات الدعم السريع، وذلك بمساعدة وتسهيلات فرنسية عبر مطارات كانت تتمركز فيها القوات الفرنسية.
غير أن هذه المعطيات شهدت تحولًا جذريًا بعد إنهاء تشاد لاتفاقياتها العسكرية مع فرنسا في نوفمبر 2024، ما أدى إلى انسحاب كامل للقوات الفرنسية من قواعدها داخل البلاد.
ويُعد هذا الانسحاب من أبرز التحولات الجيوسياسية في المنطقة، حيث مكّن تشاد من توسيع هامش تحركها واتخاذ مواقف أكثر استقلالية، لكنه في المقابل فتح المجال أمام قوى دولية وإقليمية لمحاولة ملء الفراغ.
ومع انسحاب القوات الفرنسية، توقّف الدعم اللوجستي الذي كان يمر عبر الأراضي التشادية نحو قوات الدعم السريع، خاصة بعد إعلان تشاد غلق حدودها مع السودان رسميًا، في خطوة تهدف إلى منع امتداد الصراع.
وفي السياق ذاته، أفادت تقارير إعلامية حديثة بأن السلطات التشادية وجّهت مراسلة إلى جمهورية إفريقيا الوسطى، حذّرت فيها من إمكانية غلق الحدود الجنوبية في حال استمرار ما وصفته بالسماح بمرور أسلحة متطورة نحو قوات الدعم السريع.
وجاء ذلك على خلفية تطورات ميدانية على الحدود الجنوبية، حيث تم رصد تحركات جوية مشبوهة، إلى جانب تحليق طائرات مسيّرة تابعة للجيش السوداني في الأجواء الحدودية، في إطار عمليات استطلاع مرتبطة بمسارات تدفق السلاح.
كما أشارت المعطيات إلى أن هذه التحركات تمت بناءً على تنسيق معلوماتي بين السلطات السودانية والتشادية، في ما يعكس مستوى التعقيد الأمني الذي تشهده المنطقة.
الجزائر وتشاد.. نحو تعزيز التنسيق الأمني
في ظل هذه التطورات، يتجه البلدان نحو تعزيز التنسيق الأمني والاستخباراتي، حيث أكد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، في تصريح مشترك مع نظيره التشادي، التوصل إلى تفاهمات لتعزيز التعاون الأمني في منطقة الساحل والصحراء.
كما شدد على أن هذا التنسيق بات أكثر إلحاحًا في ظل الظروف الراهنة، مع التركيز على توحيد الجهود لمواجهة التحديات الأمنية، وعلى رأسها مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود.
وأكد الرئيسان تمسكهما بتعزيز السلم والاستقرار والتنمية المستدامة، إلى جانب عزمهما على توطيد التعاون الأمني، بما يضمن استقرار المنطقة.
وتسعى الجزائر وتشاد، من خلال هذه الديناميكية الإيجابية، إلى استثمار علاقاتهما الثنائية لبناء شراكة استراتيجية متكاملة، تعزز التكامل الإفريقي، بعيدًا عن منطق الاستقطاب والتكتلات التي تُفرض من خارج القارة.




