الأولى الوطني تحاليل وآراء

لماذا تتجه الجزائر وإسبانيا نحو شراكة استراتيجية جديدة؟

لم تكن زيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر مجرد محطة دبلوماسية عادية، بل بدت إعلانًا عن عودة العلاقات الجزائرية الإسبانية إلى مسارها الاستراتيجي بعد سنوات من التوتر، في سياق دولي وإقليمي يفرض على البلدين إعادة صياغة أولويات التعاون، خاصة في مجالات الطاقة والأمن والجيوسياسة.
وقد عكست التصريحات التي أدلى بها كل من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون ورئيس الحكومة الإسبانية خلال الندوة الصحفية المشتركة وجود إرادة سياسية مشتركة لبناء شراكة استراتيجية شاملة، تتجاوز الإطار التقليدي للعلاقات الثنائية لتلامس القضايا الأمنية والطاقوية والجيوسياسية ذات الاهتمام المشترك.

الأمن الطاقوي

أكد رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، خلال الندوة الصحفية المشتركة، ارتياحه لمستوى الشراكة القائمة بين الجزائر وإسبانيا في مجال الطاقة.
وأوضح الرئيس تبون أن الجزائر أوفت، ولا تزال تفي، بالتزاماتها تجاه شركائها الأوروبيين في مجال الأمن الطاقوي، مؤكداً حرصها على تعزيز مكانتها كشريك موثوق في هذا القطاع الاستراتيجي.
وتعكس هذه التصريحات إرادة الجزائر في مواصلة الالتزام بتعزيز الأمن الطاقوي، في ظل الأزمات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية.
كما تؤكد قدرة الجزائر على إدارة الملفات الاستراتيجية المعقدة، ليس فقط على المستوى الإقليمي، وإنما أيضاً على المستوى الدولي، لاسيما أن الأمن الطاقوي يُعد أحد أكثر أبعاد الأمن الدولي حساسية في المرحلة الراهنة.
ويبرز هذا التوجه من خلال تأكيد رئيس الجمهورية أن الجزائر تتطلع إلى توسيع التعاون مع إسبانيا في مجال الطاقات المتجددة، بالنظر إلى الإمكانات الكبيرة التي تزخر بها البلاد، وما توفره من فرص للاستثمار وتبادل الخبرات.
وقد لفت الرئيس تبون إلى نقطة بالغة الأهمية في تصريحاته، تتمثل في اعتبار التعاون الطاقوي أحد أهم الأركان التي ستُبنى عليها العلاقات الجزائرية الإسبانية مستقبلاً، مؤكداً أن تطوير التعاون في هذا المجال يشكل محوراً أساسياً في مستقبل العلاقات الثنائية، خاصة في ظل التحولات العالمية نحو الطاقات النظيفة.
وتمتلك الجزائر، في هذا الشأن، مؤهلات كبرى، لاسيما في مجال الهيدروجين الأخضر، الذي يمثل أحد أهم رهانات الطاقة العالمية مستقبلاً، وتسعى الجزائر إلى الاستثمار فيه من خلال شراكاتها مع الدول الرائدة في هذا المجال، وفي مقدمتها ألمانيا، وهو ما ترجمته الاتفاقيات الأخيرة التي وُقعت خلال زيارة الرئيس تبون إلى ألمانيا.

المكانة الجيوسياسية

أشار رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، في تصريحه إلى المكانة الجيوسياسية التي يحظى بها البلدان وأهميتها بالنسبة لمستقبل العلاقات الثنائية، قائلاً: “أرى أن الجزائر وإسبانيا مدعوتان إلى تعزيز تعاونهما على الساحة الدولية، باعتبارهما جسرين يربطان أوروبا بإفريقيا.”
ويحمل هذا التصريح في مضامينه بعداً جيوسياسياً عميقاً، يتجاوز المفهوم الجغرافي البسيط، الذي يرتكز على الجغرافيا كحيز مكاني، إلى تأثير السياسة في الجغرافيا من خلال الدور الحضاري والاستراتيجي الذي تضطلع به الجزائر وإسبانيا، باعتبارهما جسرين يربطان القارتين.
فالجزائر، باعتبارها دولة محورية في شمال إفريقيا والضفة الجنوبية للمتوسط، تمثل بوابة إفريقيا، ليس جغرافياً فحسب، وإنما جيوسياسياً أيضاً، بما تحمله من تاريخ وحضارة ونضال سياسي إفريقي، فضلاً عن بعدها العربي والمغاربي. ولهذا تعد الجزائر نافذة إفريقيا نحو أوروبا، كما تمثل نافذة أوروبا نحو إفريقيا، بينما تشكل إسبانيا، بما تحمله من تاريخ وحضارة أوروبية وأندلسية، الجسر الرابط بين القارتين.
وهي رؤية عبّر عنها بيدرو سانشيز بوضوح حين قال: “تسعى إسبانيا، في إطار استراتيجيتها تجاه إفريقيا للفترة 2025-2027، إلى توطيد علاقاتها مع القارة الإفريقية.”
وهذه المكانة الجيوسياسية تطرح تساؤلات حول أهميتها بالنسبة للقضايا الأمنية والاستراتيجية، وعلى رأسها الأمن في البحر الأبيض المتوسط، الذي يرتبط بشكل عضوي بالأمن في منطقة الساحل.

الأمن والاستقرار في الفضاء الأورو-متوسطي

أكد بيدرو سانشيز في تصريحه أن الجزائر تمثل بوابة نحو إفريقيا، وتضطلع بدور محوري في استقرار منطقة الساحل.
وهذا التأكيد ليس مجرد تصريح سياسي أو إعلامي، وإنما يعكس نتائج عملية استطاعت الجزائر أن تبرهن عليها من خلال قدرتها على الإسهام في تحقيق الأمن والاستقرار داخل محيط إقليمي ملتهب، يشهد تنامياً لظاهرة التمرد والانقلابات العسكرية، وهو ما فسح المجال أمام تصاعد مختلف أشكال التهديدات اللاتماثلية في منطقة الساحل، وعلى رأسها ظاهرة الهجرة غير النظامية، وهي تحديات تفرض على إسبانيا تعزيز التنسيق الأمني والاستخباراتي مع قوة محورية في شمال إفريقيا وغرب البحر الأبيض المتوسط، بما يسهم في الحفاظ على الأمن والاستقرار في الفضاء الأورو-متوسطي.
إذ صرح رئيس الحكومة الإسبانية قائلاً: “تشكل إسبانيا بوابة نحو أوروبا، ومن أولوياتنا تعزيز علاقات الاتحاد الأوروبي مع دول الجوار في جنوب المتوسط، لأننا نؤمن بأن العمل المشترك هو السبيل لمواجهة التحديات التي تؤرق مجتمعاتنا، مثل ارتفاع تكاليف المعيشة، والأمن، وتداعيات التغير المناخي، خاصة في منطقة البحر الأبيض المتوسط.”

التحديات الجيوسياسية الراهنة

اعتبر بيدرو سانشيز أن التعاون والتفاهم بين الجزائر وإسبانيا، في ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة، يمثلان عنصراً أساسياً لتعزيز السلام والأمن والتنمية المستدامة في المنطقة، مجدداً تأكيده المكانة التي تحتلها الجزائر في الرؤية الاستراتيجية لإسبانيا، قائلاً: “فنحن نقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة في علاقاتنا الثنائية، وأود أن أقول للشعب الجزائري، من خلال وسائل الإعلام وبحضور الرئيس، إن الجزائر يمكنها دائماً الاعتماد على إسبانيا.”
وتحمل هذه الرسالة بعداً جيوسياسياً مهماً، مفاده أن المرحلة التي بلغها النظام الدولي أصبحت أكثر تعقيداً، بما يفرض تنويع الشراكات والاعتماد على تعاون وثيق يقوم على أسس جيوسياسية وجيوأمنية، أكثر من اعتماده على القرب الجغرافي وحده. فالقرب الجغرافي لا يكفي وحده لضمان الأمن والاستقرار، بقدر ما يحققه الشريك الموثوق والقادر على الحفاظ على سيادته وإدارة محيطه الإقليمي بكفاءة. وفي عالم يتجه نحو مزيد من الانقسام والاضطراب، تصبح الشراكات الاستراتيجية القائمة على الثقة والالتزام أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وهذا ما تؤكده تصريحات رئيس الحكومة الإسبانية حين قال: “الجزائر شريك محوري بالنسبة لنا، بحكم القرب الجغرافي، وانتمائها العربي والمغاربي والإفريقي، ودورها المتوسطي، وثقلها الجيوستراتيجي، وأهمية علاقاتنا الاقتصادية، وكذلك بفضل حيوية شبابها.”
إن زيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر أكدت، بعد اختتامها، أن العلاقات بين البلدين دخلت مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من معالجة تداعيات الماضي إلى بناء شراكة تستجيب لمتطلبات الحاضر ورهانات المستقبل. فالرسائل التي حملتها تصريحات قائدي البلدين تؤكد أن الجزائر وإسبانيا لا تنظران إلى علاقاتهما من زاوية المصالح الثنائية فحسب، بل باعتبارهما شريكين قادرين على الإسهام في تعزيز الأمن الطاقوي، وترسيخ الاستقرار في الفضاء المتوسطي ومنطقة الساحل، وبناء جسر للتعاون بين أوروبا وإفريقيا، وهو ما يمنح هذه الشراكة بُعدًا استراتيجيًا بامتياز.

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام