الأولى الاجتماعي الاقتصادي الوطني تحاليل وآراء
✒️ الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي لـ"شرشال نيوز":

التكيف مع المناخ لم يعد ملفاً بيئياً بل جزءًا من معادلة الأمن الاقتصادي والغذائي في الجزائر

في كل فصل من فصول السنة الأربعة، يتجدد الحديث عن الظواهر الطبيعية المصاحبة له، ليطغى عليها في السنوات الأخيرة موضوع واحد “المناخ”. فقد أصبح هذا الملف اليوم في الجزائر أحد أهم محاور النقاش الأكاديمي و العام، نظراً لأبعاده المتعددة التي لم تعد تقتصر على الظواهر الطبيعية المدمرة للبيئة، بل امتدت لتصبح جزءاً من معادلة الأمن بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والغذائية.

ولفهم أبعاد هذا الملف وانعكاساته على الاقتصاد الوطني، أجرت “شرشال نيوز” اتصالاً هاتفياً مع الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي، الذي أكد أن التكيف مع تغير المناخ لم يعد بالنسبة إلى الجزائر ملفاً بيئياً، ولا قضية مرتبطة بالمواسم الصعبة أو الكوارث الطبيعية فقط، بل أصبح جزءاً من معادلة الأمن الاقتصادي والاجتماعي والغذائي. فالجفاف، وارتفاع درجات الحرارة، والفيضانات المفاجئة، وحرائق الغابات، وتذبذب الأمطار، كلها مخاطر بدأت تؤثر بصورة مباشرة في الزراعة والمياه والبنية التحتية وسلاسل الإنتاج والاستثمار.

كما يرى  الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي هذا الملف من زاوية اقتصادية بالقول أن “الصمود الحقيقي لا يُبنى بعد وقوع الكارثة، وإنما يُدمج مسبقاً في طريقة بناء الاقتصاد وإدارة الموارد واتخاذ القرار”، مضيفاً أن هذا المبدأ قابل للتطبيق تماماً على الحالة الجزائرية، “خصوصاً أن البلاد تمتلك في الوقت نفسه إمكانات مالية ومؤسساتية وبنية تحتية تسمح لها بالانتقال من منطق الاستجابة للأزمات إلى منطق الوقاية والاستثمار في الصمود”.

وفي سياق متصل، أشار الخبير الاقتصادي في مداخلته الى معطيات دقيقة أشار اليها

البنك الدولي بخصوص ملف المناخ و تداعياته الاقتصادية، قائلا ” أشار البنك الدولي الى أن الجزائر تواجه مجموعة من المخاطر الطبيعية، من بينها الفيضانات والزلازل وحرائق الغابات، وأن الخسائر الاقتصادية المحتملة للكوارث قد تصل في المتوسط إلى نحو 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً في المستقبل، بينما بلغ متوسط الإنفاق الحكومي خلال السنوات الخمس عشرة التي سبقت دراسة 2023 نحو 255 مليون دولار سنوياً لمواجهة الفيضانات والزلازل وحرائق الغابات، كان نحو 70% منه موجهاً للفيضانات وحدها.”

 الماء أولاً في استراتيجية التكيف المناخي

يعتبر الأستاذ هواري تيغرسي أن قطاع المياه ينبغي أن يكون في قلب استراتيجية التكيف الجزائرية، موضحاً بأن “المياه ليست مجرد خدمة عمومية، بل هي مدخل للزراعة والصناعة والطاقة والصحة والاستقرار الاجتماعي”. ويضيف أن توسيع تحلية مياه البحر يمثل خطوة مهمة، “لكن الصمود المائي لا ينبغي أن يتوقف عند زيادة العرض”، بل يستلزم بناء منظومة متكاملة تشمل التحلية، وإعادة استعمال المياه المعالجة، وتقليص التسربات، وتحديث شبكات التوزيع، وحماية المياه الجوفية.

كما يرى الخبير الاقتصادي تيغرسي أن “الرهان ليس فقط على إنتاج المزيد من المياه، وإنما على إنتاج قيمة اقتصادية أكبر من كل متر مكعب منها”، وهو ما يفرض، وفق تعبيره، انتقال الزراعة الجزائرية بصورة أسرع نحو المحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه وتقنيات الري الذكي والزراعة الدقيقة.

 من مكافحة الكوارث إلى إدارة المخاطر

يشدد الأستاذ تيغرسي في مداخلته على ضرورة تغيير فلسفة التعامل مع الكوارث، قائلاً: “كل دينار يُنفق على الوقاية يمكن أن يوفر أضعافه من تكاليف إعادة الإعمار والتعويض بعد الكارثة”. ويدعو إلى إدماج خرائط المخاطر المناخية ضمن قرارات التخطيط العمراني وتوسعة المدن، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر وربطها مباشرة بالمواطنين والقطاعات الاقتصادية.

وفي هذا الصدد، يوضح الأستاذ تيغرسي قائلا أن “قيمة أنظمة الإنذار المبكر لا تكمن في التنبؤ بالخطر فقط، بل في تحويل التنبؤ إلى قرار سريع” متى يزرع الفلاح؟ متى يحصد؟ أين تُنقل المواشي؟ ومتى يُفعَّل التمويل والطوارئ؟”، داعياً إلى بناء منصة وطنية رقمية للمخاطر المناخية تجمع بيانات الأرصاد والمياه والزراعة والغابات والبلديات.”

 الفلاحة أكبر اختبار للصمود المناخي

بالنسبة إلى القطاع الفلاحي (الزراعي)، فقد يعتبره تيغرسي “أكبر اختبار للصمود المناخي”، مؤكداً أن الأمن الغذائي لا يمكن فصله عن الأمن المائي والمناخي. ويدعو إلى نموذج زراعي أكثر قدرة على تحمل الجفاف والحرارة، عبر بذور مقاومة للإجهاد المناخي، وتوسيع الزراعة الصحراوية حيث تتوفر الشروط المناسبة.

ويحذر تيغرسي من “النظر إلى الفلاح باعتباره الحلقة التي تتحمل وحدها مخاطر المناخ”، مقترحاً تطوير أدوات تأمين زراعي وتمويل طوارئ، بحيث “يصبح القطاع المالي شريكاً في بناء الصمود وليس مجرد ممول للإنتاج التقليدي”.

 بنية تحتية تُبنى للمناخ القادم

يلفت الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي  إلى أن استثمارات الجزائر الكبرى في الطرق والسكك الحديدية والموانئ والطاقة تمثل “فرصة تاريخية” لإدخال مفهوم البنية المقاومة للمناخ، مضيفاً  “معيار الطريق مستقبلاً ليس فقط كلفة إنجازه، وإنما قدرته على الاستمرار في ظروف الحرارة الشديدة والفيضانات”. وبذلك، يقول تيغرسي، “يتحول التكيف من بند إضافي في تكلفة المشروع إلى جزء من جدواه الاقتصادية”.

 القطاع الخاص شريك لا متلقٍ للدعم

يدعو تيغرسي إلى فتح مساحة أوسع أمام القطاع الخاص للاستثمار في اقتصاد التكيف، من تحلية المياه إلى الطاقة الشمسية والتأمين الزراعي، شريطة توفر “وضوح في القواعد، وبيانات موثوقة، وحوافز مستقرة”. ويرى أن الدولة يمكن أن تنتقل من دور المستثمر المباشر إلى دور المحفّز، عبر الضمانات والتمويل الأخضر والشراكة بين القطاعين العام والخاص.

 الغابات.. من الإطفاء إلى الوقاية

يستشهد تيغرسي بأرقام البنك الدولي التي تشير إلى تسجيل الجزائر أكثر من 75 ألف حريق غابي بين 1985 و2022، بمتوسط يقارب 35 ألف هكتار محترق سنوياً، فيما تجاوزت أضرار الزراعة والمساكن وحدها 124 مليون دولار في حرائق 2021. ويعتبر أن هذه الأرقام “تجعل الوقاية أكثر جدوى من الاقتصار على مكافحة الحريق بعد اندلاعه”، داعياً إلى منظومة تشمل المراقبة بالأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وإشراك السكان المحليين في الحماية.

من “ميزانية الكارثة” إلى “ميزانية الصمود”

وفي ختام مداخلته يؤكد الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي على أن الجزائر “لا تبدأ من الصفر”، فهي تمتلك موقعاً جغرافياً متنوعاً وإمكانات شمسية هائلة وخبرة في إدارة المياه ومؤسسات وطنية متخصصة.

كما يرى أن التحدي الحقيقي يكمن في “جمع هذه القدرات داخل رؤية واحدة للصمود الاقتصادي”، بحيث يُدمج المناخ داخل السياسة الاقتصادية نفسها، لا أن يبقى ملفاً موازياً لها. ويخلص إلى أن “أفضل سياسة مناخية للجزائر ليست تلك التي تنفق أكثر بعد وقوع الكارثة، بل تلك التي تمنع الخسارة قبل وقوعها، وتحوّل المخاطر إلى استثمارات، والتحديات المناخية إلى فرص جديدة للنمو والتنمية”.

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام