بعد فترة من التوتر التي طبعت العلاقات الجزائرية-المالية، بدأت مؤشرات الانفراج تظهر خلال شهر جويلية المنصرم، مع قرار رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون عودة السفير الجزائري كمال رتيب إلى باماكو، بالتزامن مع قرار الحكومة المالية إعادة سفيرها إلى الجزائر وإعادة فتح مجالها الجوي أمام الرحلات القادمة من الجزائر أو المتجهة إليها، فيما قررت الجزائر بدورها إعادة فتح مجالها الجوي أمام حركة الطيران المالية.
وتأتي هذه الخطوات في سياق إقليمي حساس، تتقاطع فيه الاعتبارات الأمنية والسياسية، خصوصًا في منطقة الساحل التي تشهد تحولات متسارعة وتعددًا في الفواعل والتدخلات. كما تكتسي عودة قنوات التواصل بين الجزائر ومالي أهمية تتجاوز الإطار الثنائي، بالنظر إلى الروابط التاريخية والجغرافية والمصالح المشتركة التي تجمع البلدين.
ويبدو أن عودة قنوات الاتصال بين الجزائر وباماكو تتسارع في ظرف وجيز، بعد مرحلة اتسمت بتوتر حاد انعكس على العلاقات السياسية والدبلوماسية بين البلدين. فقد جاءت عودة السفير الجزائري إلى باماكو في 10 جويلية المنصرم، إلى جانب إعادة فتح المجالين الجويين أمام حركة الطيران بين البلدين، لتشكل مؤشرات عملية على الرغبة في إعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي.
وفي هذا السياق، أجرى الوزير الأول سيفي غريب، بتكليف من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، يوم 9 أوت 2026، اتصالًا هاتفيًا مع نظيره المالي، اللواء عبد الله مايغا، جدد خلاله الطرفان تمسكهما بعلاقات الأخوة والتضامن وحسن الجوار التي تجمع بين الشعبين الشقيقين، كما عبّرا عن إرادة قائدي البلدين لإضفاء ديناميكية جديدة على العلاقات الثنائية وإعادة بعث التعاون في مختلف المجالات.
وبالمناسبة، أكد الجانبان تطلعهما إلى تعزيز مكانة منطقة الساحل كفضاء للتعاون والتبادل والتنمية المشتركة في كنف الأمن والاستقرار، بما يعكس إرادة سياسية لإعادة دفع قنوات التواصل والتعاون بين الجزائر ومالي.
هذه التطورات الحاصلة في العلاقات الجزائرية المالية في هذا التوقيت بالذات يعكس الى حد بعيد ادراك مالي لمعادلة الأمن الإقليمي والتي تفرض وجود دولة رائدة في الاقليم تهدف بالأساس الى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة و تجنبيها الأزمات بمختلف أشكالها ومستويتها.
الحوار كأداة لإدارة الخلافات
ولفهم أبعاد هذه التطورات، أجرت “شرشال نيوز” اتصالًا هاتفيًا بالباحث المختص في الدراسات الاستراتيجية حمزة برحايل، الذي أكد أن عودة العلاقات الجزائرية-المالية إلى مسار أكثر هدوءًا تمثل محطة مهمة في مسار معقد تشهده منطقة الساحل، حيث تتقاطع الاعتبارات الأمنية مع الحسابات السياسية، وتتداخل المصالح الوطنية مع التحولات الإقليمية والدولية.
وأشار برحايل إلى أن الجزائر ومالي لا تجمعهما حدود جغرافية فحسب، وإنما تاريخ طويل من الروابط والمصالح المشتركة، وهو ما يجعل استعادة قنوات الحوار بينهما ذات أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية، خصوصًا في ظل الظروف التي تمر بها منطقة الساحل.
ويرى الباحث في الدراسات الاستراتيجية حمزة برحايل أن أهمية هذا التطور تكمن، بالدرجة الأولى، في إعادة الحوار إلى مركز إدارة الخلافات في منطقة الساحل، معتبرًا أن المقاربة الجزائرية للأمن الإقليمي قامت تاريخيًا على فكرة مفادها أن الاستقرار “لا يُبنى بالقوة وحدها”، وإنما من خلال الحوار واحترام سيادة الدول ودعم الحلول السياسية وربط الأمن بالتنمية.
ويكتسب هذا التصور، بحسب برحايل، أهمية خاصة في منطقة أصبحت فيها الأزمات الأمنية أكثر تعقيدًا، في ظل تعدد الفواعل والتدخلات والحسابات المتنافسة، الأمر الذي يجعل الحفاظ على قنوات الحوار أحد العناصر الأساسية في إدارة الأزمات ومنعها من التحول إلى أزمات مفتوحة.
وفي هذا السياق، يؤكد الباحث أن التقارب الجزائري-المالي لا يعني بالضرورة أن جميع الخلافات قد انتهت، وإنما يعني أن قنوات التواصل أصبحت قادرة على استيعاب الخلاف بدل تحويله إلى قطيعة.
ويعتبر برحايل أن هذه النقطة تحمل دلالة مهمة في العلاقات الدولية، إذ إن نجاح الدبلوماسية لا يقاس دائمًا بإزالة الخلافات، بل قد يقاس أيضًا بقدرتها على منع الخلاف من التحول إلى أزمة مفتوحة، والإبقاء على مساحات تسمح بالحوار والتفاوض.
الجزائر وهامش الحركة في العمق الاستراتيجي
وعلى مستوى الجزائر، يرى الباحث في الدراسات الاستراتيجية حمزة برحايل أن استعادة مساحة الحوار مع مالي يمكن أن تعزز هامش حركتها الدبلوماسية في منطقة الساحل، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وثقلها السياسي وخبرتها التاريخية في التعامل مع أزمات المنطقة.
كما شدد على أهمية هذا الدور في قدرة الجزائر على تحويل موقعها ورصيدها الدبلوماسي إلى قدرة على التأثير الهادئ وصناعة التفاهمات.
ومن هذا المنظور، يؤكد برحايل أن استعادة التواصل مع مالي لا تطرح فقط مسألة العلاقات الثنائية، وإنما تفتح نقاشًا أوسع حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه الجزائر في منطقة تواجه تحديات أمنية وسياسية متزايدة، وحول مدى قدرة الدبلوماسية على المساهمة في بناء ترتيبات أكثر استقرارًا.
دول الساحل واستعادة زمام المبادرة
أما على المستوى الإقليمي، فيطرح التقارب الجزائري-المالي، حسب الباحث، سؤالًا أوسع يتعلق بمستقبل المقاربات الإفريقية لأزمات الساحل، ومدى قدرة دول المنطقة على بناء آلياتها الخاصة لإدارة الخلافات والأزمات، في مقابل استمرار انفتاح المنطقة أمام مقاربات وتدخلات خارجية متعددة.
وهنا، تصبح الدبلوماسية الإقليمية، يقول برحايل، أكثر من مجرد أداة للتفاوض، إذ يمكن أن تتحول إلى وسيلة لإعادة بناء هامش الاستقلال في صناعة القرار الأمني والسياسي.
ويخلص الباحث في الدراسات الاستراتيجية حمزة برحايل في مداخلته إلى أن القيمة الاستراتيجية للتطور الحاصل بين الجزائر ومالي لا تكمن فقط في عودة العلاقات إلى مسار أكثر هدوءًا، وإنما في ما يمكن أن تفتحه هذه العودة من فرص لإعادة بناء الثقة وتطوير التعاون وخلق ترتيبات أكثر استقرارًا في منطقة الساحل.
ويبقى، حسبه، السؤال الأبرز الذي يطرحه هذا المسار” هل يمثل التقارب الجزائري-المالي مجرد تجاوز لمرحلة من التوتر، أم أنه يمكن أن يشكل بداية لإعادة تعريف الدور الجزائري في معادلة الساحل؟”
فالعلاقات الدولية لا تُقاس قوة الدبلوماسية فيها دائمًا بما تستطيع فرضه، بل أحيانًا بما تستطيع منعه من الانفجار، وما تستطيع إبقاءه مفتوحًا من أبواب الحوار.
مهدي الباز




