يأتي قرار الجزائر بقطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة في هذا التوقيت بالذات ليعكس، أكثر من أي وقت مضى، طبيعة صناعة القرار في السياسة الخارجية الجزائرية، القائمة على العقلانية والمؤسساتية، لا على الانفعال أو رد الفعل الآني.
فالقرار الخارجي الجزائري يُصاغ وفق محددات واضحة، ويُبنى داخل مؤسسات الدولة، ويراعي المرجعية السيادية ومبادئ السياسة الخارجية الثابتة، وهو ما يفسر أن هذا القرار لم يأتِ من باب الانفعال أو كرد فعل، كما يراد أن يفسره من لهم نية خبيثة في التشكيك في قرارات الدولة الجزائرية السيادية، بل جاء بعد استنفاد جميع القنوات، وهو ما جاء به بيان الخارجية بصريح العبارة”استنفاد جميع القنوات الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية”.
الإمارات كفاعل جيوسياسي وظيفي
تشير قراءات عديدة في العلاقات الدولية، وفي التحليلات الجيوسياسية والتقارير الإخبارية عبر العديد من القنوات العربية والدولية، إلى أن الإمارات تصرفت، في عدد من الملفات الإقليمية، كفاعل وظيفي يخدم أجندات أطراف دولية ظلامية تسعى إلى زعزعة استقرار الدول وتحطيم القيم التي أرستها منظومة الأمم المتحدة للحفاظ على الأمن والسلم الدوليين.
ويمكن رصد هذا التوجه عبر عدة ملفات إقليمية متقاطعة، تضطلع فيها “دويلة الإمارات” بقيادة محمد بن زايد آل نهيان، الذي يوصف بعراب الخراب العربي.
الحرب السودانية
تتحدث تقارير دولية متعددة عن ضلوع الإمارات في دعم الحرب بين الأطراف المتنازعة بالسلاح والمرتزقة، وهو ما زاد المشهد الإنساني والأمني في السودان تعقيدًا.
فالتقرير الأممي الأخير A/HRC/63/23، الصادر عن البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، تحت عنوان “تأجيج الحرب في السودان: الأسلحة والمقاتلون وشبكات الدعم الخارجي”، كشف ضلوع دولة الإمارات في تأجيج الصراع من خلال تعزيز القدرات العسكرية للأطراف المتحاربة، بما أدى إلى إطالة أمد المواجهات وتفاقم آثارها على المدنيين.
وبحسب التقرير، فإن شبكة معقدة من الوسطاء والكيانات والمجندين (المرتزقة) والجهات اللوجستية تنطلق من الإمارات، مع استخدام طرق ومراكز عبور في تشاد وجنوب شرق ليبيا وبوصاصو في الصومال، لنقل أفراد وأسلحة ومعدات، وتوفير التدريب والإسناد اللوجستي لقوات الدعم السريع.
هذا الدعم اللوجستي لاستدامة الحرب وخلق كل أسباب استمرارها أدى، حسب خبراء أمنيين، إلى انتقال الحرب الأهلية السودانية إلى مستوى أكثر تعقيدًا، حيث أصبحت القدرة على تأمين خطوط الإمداد الخارجية عاملًا أساسيًا في الحفاظ على القوة القتالية، بما يجعل الحدود الإقليمية جزءًا من معادلة الصراع نفسها.
وأمام هذه المعطيات الميدانية، دعت البعثة الدولية إلى اتخاذ إجراءات أكثر قوة للتحقيق في أنشطة الشركات والوسطاء والأفراد الذين يعملون من الأراضي الإماراتية أو يخضعون لاختصاصها، فضلًا عن وقف الأنشطة التي يمكن أن تسهم في استمرار الحرب.
إلا أن الإمارات، بفضل الدعم الخفي الذي تستند إليه والرغبة الجامحة لديها في محاولة لعب أدوار إقليمية أكبر منها، جعلها تستمر في تأجيج الصراع، ليس في السودان وفقط، وإنما أينما حلت وارتحلت أو دخلت، تشعل نيران الفتنة وهندسة الأزمات.
الملف الليبي
يعتبر الملف الليبي من أعقد الملفات والقضايا التي أصبحت تشكل تهديدًا لأمن المنطقة في شمال إفريقيا، وذلك في ظل عدم وجود دولة ليبية موحدة تحت لواء واحد يجمع الأشقاء الليبيين ككل على كلمة سواء.
ويعود هذا الأمر إلى تعدد الأطراف المتداخلة في الملف، وعلى رأسها “دولة الإمارات”، حيث تلعب أبوظبي أدوارًا خبيثة في ليبيا بهدف ضرب استقرار المغرب العربي، عبر دعم مؤسسات غير شرعية يقودها حفتر، الذي يكن العداء لكل من يساهم في توحيد الشعب الليبي من خلال مقاربة تجعل الحل ليبيًا خالصًا، دون دخول أي طرف خارجي.
فالإمارات هي الداعم والمساهم الكبير في إبقاء هذا الجندي في المشهد، من خلال دعمه ومرتزقته بمختلف أنواع الدعم العسكري والسياسي، رغبة في عدم وجود مؤسسات ليبية موحدة وجيش وطني ليبي قائم، ودولة ليبية موحدة من شرقها إلى غربها، عاصمتها “طرابلس”.
منطقة الساحل
لم تكتفِ هذه الدويلة بممارسة أعمالها القذرة في المناطق التي شهدت ما يسمى بالربيع العربي، بل تبين لها أن لها قدرة على أن تمارس نفوذًا أوسع في مختلف المناطق الجيوسياسية، بممارسة خبيثة.
فهي تمارس سلوكًا منافيًا للاتفاقيات الدولية، عبر دعم الجماعات الإرهابية الناشطة في الساحل من خلال عدد من الوسائل، أبرزها دفع فديات بملايين الدولارات عندما يتعلق الأمر برهائن ذوي الجنسيات المزدوجة، خدمة لأجندة إعادة تنظيم صفوف القاعدة والجماعات المسلحة في المنطقة، التي تمارسها قوى أجنبية ظلامية عن طريق الإمارات.
الجريمة المنظمة العابرة للحدود
لم تكتفِ هذه الدويلة فقط بدعم وممارسة سياستها القذرة في مختلف المناطق الجيوسياسية الأكثر حساسية، بل تعدت ذلك لاستهداف دول الكتلة الأوروبية، فقد أثبتت تقارير إعلامية إسبانية ضلوع هذه الدويلة في دعم الجريمة المنظمة العابرة للحدود، من خلال شبكة معقدة تمتد من تجارة المخدرات إلى تبييض الأموال.
حرب النفوذ الناعم.. توظيف المؤثرين
لم تكتفِ دويلة الإمارات بتمويل المرتزقة في الحروب، بل راحت إلى تجنيد شبكة من أشباه المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي في مختلف الدول وتوريطهم في قضايا عدة، بما يسهل ابتزازهم وتجنيدهم بما يخدم مصالح الإمارات ضد دولهم الأم في الوطن العربي وشمال إفريقيا.
وذلك من خلال تحويل ولائهم من دولتهم الأم إلى دولة الإمارات، واستغلال قدراتهم التأثيرية على الأجيال الصاعدة لتحويل الولاء إلى ولاء مزيف، كما يتم استغلالهم في شبكات الجريمة والاتجار بالبشر وحتى في المنظمات الإجرامية العابرة للحدود.
إن لهذه الدويلة العديد من الملفات التي تؤكد أنها دولة لا تملك سيادة قرارها، وإنما هي واجهة لدولة خفية ظلامية تضرب أمن واستقرار أي بيئة أمنية بصدد ترتيب أولوياتها الأمنية بما يخدم مصالح شعوبها، وما الأحداث الأخيرة في منطقة الساحل – الانقلاب الفاشل في النيجر – لخير دليل على ذلك.
وفي ضوء ذلك، فإن القرار الجزائري بقطع العلاقات ليس خطوة انفعالية على ضوء كل ما يحدث، بل موقف سيادي ينسجم مع مبدأ ثابت في السياسة الخارجية الجزائرية، وهو عدم القبول بأي سلوك يهدد أمن الجزائر واستقرار محيطها الإقليمي، بصرف النظر عن حجم الطرف الذي يصدر عنه هذا السلوك.
مهدي الباز




