تتجه الجزائر بخطى ثابتة وعزيمة نحو مواكبة مختلف التحولات الحاصلة في المجال الرقمي والفضاء السيبراني. فقد تبنّت القيادة العليا للبلاد خيار التحول الرقمي كضرورة استراتيجية، بما يضمن تعزيز الكفاءات التشغيلية والتنظيمية لمختلف إدارات الدولة والمرافق العمومية، ومواكبة متطلبات العصر الرقمي في تسيير مؤسسات الدولة. ويأتي ذلك من خلال تطوير المنظومة الإدارية وعصرنتها عبر التوجه نحو الإدارة الرقمية، بما يعزز الأداء الحكومي ويكرّس مبادئ الحوكمة الرشيدة.
وبتوجيه من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، تم وضع رؤية استراتيجية واضحة تحت عنوان “الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي 2030″، والتي شكّلت الأرضية الأساسية للتوجه نحو رقمنة مختلف قطاعات الدولة. في هذا الإطار، أصبح التحول الرقمي هدفًا استراتيجيًا تسعى الجزائر لتحقيقه من خلال استغلال الخبرات والكفاءات الوطنية المختصة في الرقمنة وتكنولوجيا المعلومات، لتطوير قطاعات الدولة وإدراج الوسائل الإلكترونية في مجالات متعددة، بما فيها المجالان الفلاحي والاقتصادي والتجاري، بما يضمن تسييرًا شفافًا وفعالًا للممتلكات العامة وأداءً ناجعًا للهيئات العمومية.
ويبقى التحول الرقمي رهانًا يتطلب مجموعة من الإجراءات لضمان تحقيقه بالشكل المطلوب، بدءًا بالتكفل الفعّال بالأنظمة المعلوماتية والبنى التحتية الحساسة، من خلال وضع إطار تنظيمي وتشريعي وهيكلي وتقني متكامل، بما يتوافق مع المتطلبات الشاملة لتأمين الفضاء السيبراني الوطني. وفي هذا السياق، لم يعد التحول الرقمي خيارًا إداريًا أو تقنيًا فحسب، بل أصبح ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي، بالنظر إلى ما يتيحه من تعزيز للسيادة الرقمية وحماية للبيانات الوطنية الحساسة. فامتلاك بنية رقمية مؤمّنة ومستقلة، وتطوير قدرات وطنية في مجال الأمن السيبراني، يشكّلان عنصرًا حاسمًا في صون القرار السيادي للدولة، والحد من التبعية التكنولوجية، وضمان التحكم الكامل في الفضاء الرقمي الوطني في ظل التحديات والتهديدات العابرة للحدود.
ولهذا الغرض، قررت السلطات العليا تزويد الدولة بجهاز مناسب في مجال أمن الأنظمة المعلوماتية، من خلال إرساء منظومة وطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية، تتكوّن من مجلس وطني ووكالة وطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية، وذلك بموجب المرسوم الرئاسي رقم 20-05 المؤرخ في 20 جانفي 2020.
الأهداف الرئيسية والاستراتيجية للمنظومة الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية
تسعى هذه المنظومة إلى إعداد ووضع الاستراتيجية الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية، لتهيئة بيئة ملائمة لجميع الفاعلين الوطنيين المعنيين بالأمن السيبراني، وتوفير الظروف اللازمة للمساهمة في حماية السيادة الرقمية الوطنية والحفاظ عليها. كما تهدف إلى تعزيز أمن ومرونة الأنظمة والبنى التحتية الحساسة في مؤسسات الدولة والقطاعات الحيوية، من خلال نهج تدريجي وشامل خلال السنوات الأربع المقبلة. وتشمل هذه الجهود تحديد القطاعات الأكثر حساسية وحمايتها من أي تعطيل قد يؤثر على أمن الدولة أو رفاهية السكان، إضافة إلى تطوير القدرات البشرية والتقنية لمواجهة التهديدات السيبرانية، وضمان السيادة الرقمية، ودعم مسار التحول الرقمي الوطني.
مقاربة تشاركية في إعداد الاستراتيجية
تعتمد الاستراتيجية الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية على مقاربة تشاركية تجمع مؤسسات الدولة والهيئات العمومية والخاصة، بهدف تعزيز السيادة الرقمية الوطنية وحماية المعلومات الحساسة، ومرافقة التحول الرقمي وضمان جاهزية الأنظمة وكفاءتها، والحفاظ على المكاسب المحققة في مجال الأمن السيبراني. كما تهدف إلى تشجيع التنسيق وتثمين تبادل الموارد بين الفاعلين الوطنيين، مع تحديد أهداف قابلة للتحقيق والقياس ضمن آجال محددة. وتولي الاستراتيجية أولوية لتوفير الإمكانيات العملياتية اللازمة لضمان أمن ومرونة الأنظمة والبنى التحتية الحساسة، من خلال تفعيل الموارد البشرية المؤهلة والإجراءات المنهجية والتكنولوجيات المتقدمة.
محاور الاستراتيجية الوطنية
تستند الاستراتيجية الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية إلى أربعة محاور رئيسية تكمل بعضها لضمان أمن ومرونة الأنظمة الوطنية. يتمثل المحور الأول في القدرات التقنية والعملياتية، ويهدف إلى تزويد البلاد بالوسائل الكفيلة بالوقاية والكشف والاستجابة للحوادث السيبرانية، مع التركيز على الكشف عن الهجمات سواء كانت غير مقصودة أو خبيثة، وضمان استمرارية الخدمة والقدرة على التعافي السريع من الحوادث، إلى جانب تطوير أدوات تقنية وطنية قادرة على حماية الأنظمة المعلوماتية الحساسة.
أما المحور الثاني، فيركز على الإطار القانوني والتنظيمي والمعياري، حيث يسعى إلى تزويد البلاد بإطار قانوني ومعياري يمكّن من تحقيق الرؤية الاستراتيجية، ويعزز الإطار القانوني والتنظيمي لمواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة، ويضع مقاييس وضوابط وطنية ملزمة لجميع الهيئات، بما يضمن امتثال القطاعات الحيوية لمعايير الأمن السيبراني المعتمدة.
ويختص المحور الثالث بالتكوين والبحث والتطوير والتحسيس، إذ يعد العنصر البشري الحلقة الأهم في السلسلة الأمنية، ويعمل على توفير موارد بشرية مؤهلة تأهيلاً عالياً في مجال الأمن السيبراني، بالإضافة إلى ترقية البحث والتطوير والابتكار المحلي لتقليل التبعية التكنولوجية، وترسيخ ثقافة وطنية في الأمن السيبراني تشمل جميع مستخدمي الأنظمة المعلوماتية.
وأخيرًا، يختص المحور الرابع بالتعاون على المستويين الوطني والدولي، حيث يسعى على الصعيد الوطني إلى تحسين وتشارك وسائل العمل بين القطاعين العام والخاص، وترقية تبادل المعلومات حول التهديدات السيبرانية تحت إشراف وكالة أمن الأنظمة المعلوماتية، فيما يركز على الصعيد الدولي على بناء روابط عملياتية تمكن من مجابهة التهديدات العابرة للحدود الوطنية، وتعزيز الحضور الجزائري في المحافل الدولية المعنية بصياغة قوانين وأطر الفضاء السيبراني.
ان رهان الجزائر في ترسيخ التحول الرقمي و تعزيز الأمن السيبراني، ودمجه كمحور اساسي في الاستراتيجية الوطنية للأمن القومي الجزائري، هو خطوة جد مهمة نحو تحقيق السيادة الرقمية.
وعليه فان الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي ومنظومة أمن الأنظمة المعلوماتية تمثلان إطارًا متكاملاً يدمج القدرات التقنية والبشرية والتنظيمية والقانونية، مع تعزيز التعاون الوطني والدولي، بما يضمن حماية الفضاء السيبراني الوطني وصون القرار السيادي.
وباعتماد مقاربة تشاركية شاملة، تواصل الجزائر بناء قدراتها الوطنية وتعزيز كفاءتها في مواجهة التحديات الرقمية المعاصرة، لتكون نموذجًا يحتذى به في المنطقة في مجال التحول الرقمي والأمن السيبراني.
يُعد رهان الجزائر على ترسيخ التحول الرقمي وتعزيز الأمن السيبراني ودمجه كركيزة أساسية ضمن الاستراتيجية الوطنية للأمن القومي خطوة جوهرية نحو تكريس السيادة الرقمية. وعليه، تشكل الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي ومنظومة أمن الأنظمة المعلوماتية إطارًا متكاملاً يربط بين القدرات التقنية والبشرية والتنظيمية والقانونية، مع تفعيل التعاون الوطني والدولي لضمان حماية الفضاء السيبراني وصون القرار السيادي للدولة. وباعتماد مقاربة تشاركية شاملة، يستمر العمل على بناء القدرات الوطنية وتعزيز الكفاءة في مواجهة التحديات الرقمية المعاصرة، لتتبوأ الجزائر مكانة نموذجية كرائد إقليمي في مجالي الرقمنة والأمن السيبراني.




