الأولى الوطني تحاليل وآراء
✒️ المفكر التونسي محسن الخوني لـ"شرشال نيوز":

الأيديولوجيا ليست مجرد أفكار.. بل معركة على المعنى والسلطة والتاريخ والتحرّر

لطالما تردد مصطلح “الأيديولوجيا” على لسان النخبة والمفكرين في أقوالهم وكتاباتهم، وحتى في وسائل الإعلام بشتى أنواعها.

هذا المصطلح الأكاديمي الذي تميّع بشدة في العصر الحديث، ليصبح مصطلحًا يحمل دلالة نقدية حادة، لاسيما عندما يرتبط بمواضيع تتعلق بالسياسة والتاريخ، وتشتد حدته أكثر عندما يدرج في حوار الأفكار ونقد المعرفة التاريخية.

وعليه، خاضت جريدة “شرشال نيوز” في موضوع هذا المصطلح الأكاديمي من زاوية فلسفية عميقة، ترتبط بالتاريخ والسياسة، من خلال إجراء اتصال مع المفكر التونسي محسن الخوني، للوقوف عند تحولات مفهوم “الأيديولوجيا” وعلاقته بالمعرفة والسلطة والهيمنة، وانعكاساته في التجربتين الجزائرية والتونسية.

ماهية الايديولوجيا 

أكد المفكر التونسي في مداخلته لشرشال نيوز أن مفهوم الأيديولوجيا يعد من أكثر المفاهيم التباسًا في الفكر الحديث، نظرًا لصعوبة اختزاله في تعريف ثابت أو رده إلى دلالة واحدة. وأوضح أن مصطلح الأيديولوجيا ظهر في أواخر القرن الثامن عشر مع أنطوان دستوت دي تراسي، الذي جعله اسمًا لـ«علم الأفكار»، قبل أن يتبلور مشروعه في كتاب «عناصر الأيديولوجيا» الذي بدأ نشره سنة 1801.

وأشار المفكر التونسي محسن الخوني إلى أن مفهوم الأيديولوجيا تحول مع ماركس ولينين إلى مفهوم مركزي في النقد الاجتماعي والصراع السياسي، قبل أن تتسع دلالاته مع غرامشي وألتوسير وفوكو، ثم مع فرانز فانون وإدوارد سعيد والتيارات الديكولونيالية.

وأضاف أن هذا الترتيب لا يهدف إلى تقديم تاريخ خطي صارم للمفهوم، وإنما إلى تتبع انتقال السؤال نفسه من مصدر الأفكار وتكوّنها إلى علاقتها بالسلطة والهيمنة والاستعمار.

وفي السياق ذاته، أكد المفكر التونسي أن التاريخ الاستعماري في الجزائر وتونس يسمح برؤية هذه التحولات وهي تعمل في الواقع، لا في الكتب وحدها، باعتباره مجالًا كاشفًا لتحولات المفهوم.

وطرح المفكر التونسي  في هذا الإطار تساؤلات حول كيفية تحول الأفكار عن “الشرق” و”الأهالي” إلى قوانين ومؤسسات وممارسات يومية، وكيف اختلفت آليات الهيمنة بين الإلحاق المباشر في الجزائر ونظام الحماية في تونس.

كما توقف عند كيفية مقاومة هذه الهيمنة من خلال كتابات وأفكار وتجارب مالك بن نبي ومولود فرعون وكاتب ياسين وفرانز فانون في الجزائر، وألبير ممّي ومحمد علي الحامي وأبي القاسم الشابي في تونس، بإنتاج صور أخرى للذات والتاريخ والحرية.

وأوضح الأستاذ محسن الخوني أن تاريخ الأيديولوجيا، من هذه الزاوية، لا يصبح مجرد تاريخ لمصطلح، وإنما تاريخًا لسؤال أوسع عن العلاقة بين الفكر والواقع، والوعي والمصلحة، والمعرفة والسلطة، والتمثيل والهيمنة والتحرر.

وتطرق المفكر التونسي إلى السياق الذي صاغ فيه أنطوان دستوت دي تراسي مصطلح   (أيديولوجي)idéologie، موضحًا أنه ظهر في سياق الجمهورية الفرنسية الناشئة، وأنه أراد من خلال كتاب “عناصر الأيديولوجيا” تأسيس “علم للأفكار” يدرس مصدرها وتكوّنها وعلاقتها بالإحساس واللغة والعلامات.

وأضاف أن الأيديولوجيا لم تكن في هذا السياق عقيدة سياسية أو منظومة مغلقة، وإنما مشروعًا معرفيًا متأثرًا بفكر الأنوار، وموجهًا إلى إصلاح التربية والأخلاق والسياسة على أساس عقلاني.

وأشار المفكر التونسي إلى أن “الإيديولوجيين” أنفسهم كانوا جماعة من المفكرين، من أمثال دي تراسي وكابانيس وفولني وغارا، اشتركوا في مشروع إخضاع الفكر للتحليل العلمي.

وأكد أن المصطلح سرعان ما اكتسب حمولة سياسية مختلفة، موضحًا أنه مع احتدام الخلاف بين نابوليون وبعض “الإيديولوجيين” حول مسار النظام السياسي، استخدم نابوليون لفظ “الإيديولوجيين” في سياق ساخر وانتقاصي، محولًا إياه من تسمية لجماعة فكرية إلى وصف لخصوم يُتهمون بالتجريد والانفصال عن الواقع.

واعتبر المفكر التونسي محسن الخوني، أن من هنا تبدأ مفارقة أساسية في تاريخ المفهوم، إذ إن الأيديولوجيا التي نشأت بوصفها “علمًا للأفكار” تحولت إلى تسمية نقدية لمن يُنظر إليهم باعتبارهم أسرى الأفكار.

وانتقل الأستاذ محسن الخوني إلى التحول الذي شهده مفهوم الأيديولوجيا مع ماركس وإنجلز، موضحًا أن المشكلة لم تعد معرفة أصل الأفكار فحسب، وإنما تفسير علاقتها بالشروط المادية والروابط الاجتماعية.

وأشار إلى أن ماركس وإنجلز، في “الأيديولوجيا الألمانية” المكتوب بين 1845 و1846، انتقدا التصور المثالي الذي يجعل الوعي منطلقًا لتفسير الواقع، وأكدا أن الوعي نتاج اجتماعي وتاريخي، وأن الأفكار ترتبط بعلاقات الإنتاج والمصالح التي تشكل المجتمع.

وأوضح أن الأيديولوجيا تصبح، بناءً على ذلك، موضوعًا للنقد ما دامت تجعل علاقات تاريخية واجتماعية كأنها طبيعية، بل وكأنها جزء من نظام الأشياء نفسه، وقد تقدم مصالح فئة اجتماعية باعتبارها مصالح المجتمع كله.

وشدد على أن اختزال نقد ماركس للأيديولوجيا في عبارة “الوعي الزائف” يظل تبسيطًا، لأن المسألة أعمق من مجرد اختزالها في ثنائية الخطأ والكذب، وتتعلق بالطريقة التي تتشكل بها التمثلات داخل علاقات اجتماعية تجعلها تبدو مستقلة عن شروطها التاريخية.

وأكد الأستاذ محسن الخوني أن ماركس وإنجلز نقلا مفهوم الأيديولوجيا من “علم الأفكار” إلى نقد الوعي الاجتماعي وشروط إنتاجه ووظيفته في علاقات الهيمنة.

كما أشار إلى أن الأيديولوجيا اتخذت مع لينين وظيفة سياسية وتنظيمية مباشرة، إذ لم تعد المسألة، في سياق الصراع الطبقي، تتعلق فقط بكشف الأيديولوجيا المهيمنة، بل أيضًا ببناء وعي قادر على تنظيم العمل السياسي.

غير أن هذا التحول، وفق المفكر التونسي الخوني، يثير سؤالًا أكسبته الأحداث التي تلت الثورة البلشفية أهمية بالغة، وهو إذا كان نقد الأيديولوجيا ممكنًا من داخل أيديولوجيا أخرى، فما الذي يمنع أيديولوجيا التحرر نفسها من التحول إلى أداة هيمنة؟

وأوضح أن هذا السؤال أصبح أكثر إلحاحًا مع غرامشي، الذي لا تقوم الهيمنة في تصوره على القوة وحدها، حين تسهم الثقافة والتعليم واللغة في جعل رؤية معينة للعالم تبدو طبيعية ومشتركة.

وأضاف الأستاذ محسن الخوني أن ألتوسير أعاد صياغة العلاقة بين الأيديولوجيا والمؤسسات من خلال مفهوم “الأجهزة الأيديولوجية للدولة”، حيث لا تكون الأيديولوجيا مجرد أفكار في الذهن، وإنما تتجسد في ممارسات ومؤسسات تسهم في إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية وتشكيل الأفراد بوصفهم ذواتًا.

وتابع أن النقد انتقل مع فوكو إلى مستوى آخر، إذ يتحفظ على النظر إلى الأيديولوجيا باعتبارها قناعًا يحجب حقيقة موجودة في مكان آخر، ويطرح بدلًا من ذلك سؤالًا عن كيفية إنتاج “الحقيقة” نفسها داخل أنظمة الخطاب والمعرفة والسلطة، ومن يملك حق الكلام، وما الذي يمكن قوله، وما هي المؤسسات التي تحدد ما يُعترف به بوصفه معرفة صحيحة.

وأشار الأستاذ محسن الخوني إلى أن المسألة لم تعد، إذن، في مضمون الأفكار وحده، وإنما في الشروط التي تجعل بعض الأفكار والمعارف ممكنة ومقبولة وذات سلطة. فالأيديولوجيا، بحسبه، لا تعمل على إقناع الناس بفكرة معينة فقط، وإنما تساهم أيضًا في تحديد الطريقة التي يُرى بها العالم، واللغة التي يوصف بها، والمواقع التي يحتلها الأفراد والجماعات داخله.

وأكد أن اتصال المعرفة بالمؤسسة والسلطة يجعل التمثلات قادرة على الانتقال من مستوى الخطاب إلى مستوى التصنيف والتنظيم والممارسة.

حين تصبح المعرفة أداة للهيمنة

وفي حديثه عن الاستعمار، أكد المفكر التونسي محسن الخوني أنه أحد أوضح المجالات التي يمكن من خلالها رؤية العلاقة بين المعرفة والسلطة. وأوضح أن الاستعمار لا يعني إخضاع أرض وشعب بالقوة العسكرية وحدها، وإنما يقتضي أيضًا تعريف هذا الشعب وتصنيفه، وتحديد موقعه في سلم الحضارة والتقدم، وإنتاج معرفة عنه تبرر نوع السلطة التي تمارس عليه.

وأضاف أن صورة “الآخر” يمكن أن تتحول إلى معرفة، والمعرفة إلى إدارة، والإدارة إلى قانون ومؤسسة وممارسة يومية.

وتوقف الأستاذ محسن الخوني عند إدوارد سعيد، معتبرًا أنه يحتل موقعًا مركزيًا في هذا السياق، إذ بيّن في كتابه عن “الاستشراق” كيف لم تكن صور الغرب عن الشرق مجرد أحكام أو تمثلات عابرة، وإنما تشكلت ضمن نظام من المعرفة والخطاب ارتبط تاريخيًا بعلاقات القوة الإمبريالية.

وأشار إلى أن الشرق لم يكن موضوعًا للمعرفة فحسب، بل جرى تمثيله وإنتاج صورته بوصفه “آخر” له خصائص محددة، بما جعل المعرفة عنه جزءًا من القدرة على تمثيله وإدارته والسيطرة عليه.

وأوضح أن السؤال عن الاستعمار لا يعود، عندئذ، مجرد سؤال عن أيديولوجيا تبرر الاحتلال بعد وقوعه، وإنما عن علاقة أعمق بين المعرفة والسلطة، وكيف تساعد طريقة معينة في وصف الآخر على تحديد موقعه، وكيف يمكن لهذا الموقع أن يتحول إلى واقع مؤسسي وقانوني واجتماعي.

وفي هذا السياق، أكد المفكر التونسي محسن الخوني، أن الجزائر تكشف ذلك بوضوح، موضحًا أن احتلال فرنسا لها سنة 1830 لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل رافقه إنتاج كثيف للمعرفة عن الأرض والسكان والدين واللغة والقبائل والملكية.

وأشار إلى ظهور ثنائيات في الخطاب الاستعماري من قبيل الحضارة والهمجية، والعقل والتقليد، والأوروبي والأهلي، مؤكدًا أن هذه التصنيفات لم تكن منفصلة عن ممارسة السلطة، بل ساعدت في تحديد موقع الجزائري داخل النظام الاستعماري ومنح الاحتلال شرعية سياسية وأخلاقية.

وخلص الأستاذ محسن الخوني  في هذا الجانب إلى أن العلاقة بين الفكرة والمؤسسة تظهر بوضوح، إذ تستطيع الصورة التي ينتجها الخطاب عن الآخر أن تجد طريقها إلى القانون والإدارة والتعليم والاقتصاد، ثم تعود هذه المؤسسات نفسها لتعيد إنتاج الصورة التي قامت عليها.

الجزائر.. بين الاستعمار وصناعة صورة الآخر

وأكد الخوني أن الأيديولوجيا الاستعمارية لم تكن خطابًا فرنسيًا أحادي الاتجاه، إذ نشأ في مواجهتها إنتاج جزائري للمعنى والهوية، ومحاولات مختلفة لفهم تجربة الاستعمار ومقاومتها.

وتوقف عند فرانز فانون، معتبرًا أنه يكتسب أهمية خاصة في هذا الصدد، فقد عاش تجربة الاستعمار في الجزائر وانخرط في ثورتها، وقدم في “معذبو الأرض” تحليلًا يتجاوز نقد التبريرات الاستعمارية إلى تحليل البنية الاستعمارية وآثارها النفسية والاجتماعية في المستعمَر.

وأوضح أن الاستعمار لا يسيطر على الأرض والمؤسسات فقط، بل يعيد ترتيب عالم المستعمَر، وينتج تراتبية تجعل المستعمِر معيارًا للإنسانية، بينما يُدفع المستعمَر إلى المرتبة الدونية.

وأضاف أن أهمية فانون تكمن في ربطه بين البنية المادية للاستعمار وبنيته النفسية والرمزية، مشيرًا إلى أن التحرر لا يعني استعادة السيادة السياسية فحسب، بل يتطلب أيضًا تفكيك الصورة التي صنعها الاستعمار عن المستعمَر وعن نفسه.

وأشار إلى أنه إذا كان إدوارد سعيد يسأل، كيف صُنع “الآخر” داخل الخطاب الاستعماري؟ فإن فانون يضيف سؤالًا آخر، ماذا يفعل هذا التصنيع بالإنسان الذي جُعل «آخر»؟

كما تطرق إلى مالك بن نبي، موضحًا أنه نقل السؤال إلى جهة أخرى، فلم يكتف بإدانة الاستعمار بوصفه قوة خارجية، وإنما حاول تحليل الشروط الداخلية التي رأى أنها تجعل المجتمع قابلًا للاستعمار، وهو ما صاغه في مفهوم “القابلية للاستعمار”.

وأشار إلى أن هذا المفهوم أثار جدلًا حقيقيًا، إذ اتُّهم أحيانًا بإلقاء جزء من عبء الاستعمار على الضحية نفسها، غير أن قيمة السؤال الذي طرحه بن نبي تكمن في نقله التحليل من المستعمِر وحده إلى العلاقة المركبة بين الاستعمار والبنية الداخلية للمجتمع المستعمَر.

كما أبرز المفكر التونسي محسن الخوني أعمال مولود فرعون، معتبرًا أنها تكشف الوجه اليومي للعالم الاستعماري، فالجزائر في كتاباته ليست موضوعًا مجردًا، وإنما مجتمع يعيش تحت علاقات قوة تتخلل التعليم واللغة والعمل والحياة اليومية.

وأضاف أن هذا هو المعنى الذي تصبح معه الكتابة نفسها إعادة لتمثيل المجتمع من الداخل، في مواجهة الصور التي أنتجها الخطاب الاستعماري عنه من الخارج.

وتوقف كذلك عند كاتب ياسين، موضحًا أنه جعل اللغة والذاكرة جزءًا من هذا الصراع، ذلك أن اللغة الفرنسية في تجربته ليست مجرد أداة تعبير محايدة، وإنما ترتبط بتاريخ الاستعمار وبسؤال الهوية.

وأشار إلى أن “نجمة” تحوّل الكتابة إلى مجال لاستعادة ذاكرة لا يمكن اختزالها في الرواية التي أنتجها المستعمر عن الجزائر، ليصبح السؤال عن اللغة سؤالًا عن القدرة على تسمية العالم وتحديد ما يستحق أن يُحفظ في الذاكرة.

وأكد أن الأمثلة السابقة من التجربة الجزائرية تبيّن تعدد مستويات مقاومة الأيديولوجيا الاستعمارية، من تفكيك أثر الاستعمار في الذات عند فانون، ومساءلة الشروط الداخلية عند بن نبي، وإعادة تمثيل الحياة اليومية عند فرعون، إلى استعادة اللغة والذاكرة والقدرة على رواية الذات عند كاتب ياسين.

تونس.. حين تتخذ الهيمنة شكل “الحماية”

وانتقل المفكر التونسي إلى التجربة التونسية، موضحًا أنها تقدم حالة موازية تكشف كيف يمكن للأيديولوجيا الاستعمارية أن تتكيف مع سياق سياسي وقانوني مختلف.

وأشار إلى أن تونس، خلافًا للجزائر التي أُلحقت بفرنسا وشهدت استيطانًا أوروبيًا واسعًا، فُرضت عليها سنة 1881 صيغة “الحماية”، التي أبقت على الباي ومؤسسات السيادة التونسية في ظاهرها، بينما نقلت جانبًا حاسمًا من السلطة الفعلية إلى المقيم العام الفرنسي.

وأكد أن هذا الاختلاف القانوني لم يكن مجرد تفصيل إداري، إذ أتاحت الحماية لفرنسا أن تمارس الهيمنة مع الإبقاء على شكل من أشكال السيادة المحلية، الأمر الذي منح السيطرة الاستعمارية في تونس صيغة مختلفة عن النموذج الجزائري.

وأوضح أنه بدل أن تظهر الهيمنة في صورة الإلحاق المباشر، أمكن تقديمها في لغة “الحماية” والتأهيل والتدرج، بما يعطي للهيمنة مظهرًا مختلفًا عن النموذج الجزائري، من دون أن يعني ذلك أنها كانت أقل عمقًا في مجالات الإدارة والاقتصاد والتعليم.

واعتبر أن الأيديولوجيا تظهر بهذا النموذج في صورتها الأكثر دقة، فهي ليست بالضرورة كذبة صريحة، وإنما طريقة في تنظيم الواقع واختيار الكلمات التي تجعل علاقة القوة تبدو مقبولة أو طبيعية أو مؤقتة.

من نقد الصورة إلى بناء القوة

وتطرق الأستاذ محسن الخوني إلى ألبير ممّي، موضحًا أن كتابه “صورة المستعمَر، مسبوقة بصورة المستعمِر”، في السياق التونسي، يقدم إضافة تكمل تحليل فانون وتدققه في آن.

وأشار إلى أن ممّي لم يكتف بوصف ما يفعله الاستعمار بالمستعمَر، بل بيّن أن الاستعمار ينتج علاقة بنيوية تقيد الطرفين معًا، فحتى “المستعمِر الطيب النية”، الرافض شخصيًا للظلم، يجد نفسه، بحكم موقعه داخل النظام الاستعماري، مستفيدًا منه ومساهمًا في استمراريته.

وأوضح أن هذا ما يجعل فكرة الحياد داخل العلاقة الاستعمارية موضع شك، لأن المشكلة ليست فقط في النيات الفردية، وإنما في الموقع الذي يشغله الفرد داخل بنية تمنحه امتيازات لا يحصل عليها الآخر.

وأضاف أن هذا التحليل يوسع سؤال فانون عن تكوين ذات المستعمَر ليشمل السؤال المعاكس، كيف يتشكل وعي المستعمِر نفسه داخل العلاقة التي يظن أنه يقف خارجها؟

كما تطرق المفكر التونسي محسن الخوني إلى محمد علي الحامي، معتبرًا أن تجربته تمثل انتقالًا من نقد البنية الاستعمارية إلى محاولة بناء قوة اجتماعية مستقلة.

وأشار إلى أنه كان من مؤسسي جامعة عموم العملة التونسيين سنة 1924، في تجربة نقابية وطنية مستقلة عن التنظيم النقابي الفرنسي، مضيفًا أن الصراع مع البنية الاستعمارية ينتقل في تجربة الحامي من مستوى الأفكار والتمثلات إلى مستوى التنظيم والفعل الاجتماعي.

وأكد أن أهمية تجربة الحامي تكمن في أنها تكشف أن تفكيك الخطاب لا يكفي وحده، فإذا كان الخطاب الاستعماري يقدم التبعية بوصفها مرحلة طبيعية في طريق «التأهيل»، فإن مقاومته تقتضي بناء أدوات اجتماعية قادرة على رفض هذه التبعية في الواقع، لا في الخطاب فقط.

وأشار إلى أن هذه التجربة تعرضت للقمع وانتهت بنفي الحامي، لكنها لم تختف من تاريخ الحركة الاجتماعية التونسية، فقد استُؤنف المسار النقابي بأشكال أخرى، وتراكمت تجارب الحركة الوطنية والنقابية وصولًا إلى الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1946 بقيادة فرحات حشاد.

وأوضح أن مقاومة الاستعمار لم تعد بذلك شأنًا فكريًا أو سياسيًا محضًا، وإنما أصبحت أيضًا مسألة بناء قوة اجتماعية قادرة على تحويل الرفض إلى فعل.

وفي المسار السياسي، تطرق المفكر التونسي محسن الخوني إلى عبد العزيز الثعالبي والحركة الوطنية ثم الحبيب بورقيبة، معتبرًا أن ذلك مثل انتقالًا آخر من صياغة المطالب إلى تنظيم التعبئة السياسية والتفاوض على الاستقلال.

وأضاف أن مقاومة الحماية تراكمت، عبر أجيال وأدوات مختلفة، واتخذت أشكالًا متعددة، من المطالبة بالإصلاح والسيادة لدى الحركة الوطنية إلى تنظيم التعبئة السياسية والنقابية وصولًا إلى المطالبة بالاستقلال.

كما أكد أن التنظيم السياسي والنقابي لا يفسر وحده مقاومة الأيديولوجيا، إذ يوجد مستوى آخر يتعلق بالوعي واللغة والخيال، وهو المستوى الذي يمكن أن نجد له تعبيرًا بارزًا عند أبي القاسم الشابي، وفي شعره تتبلور صورة الإنسان القادر على الإرادة والفعل، وهي صورة يمكن أن تُقرأ أيضًا في سياق مقاومة الخضوع الاستعماري.

وخلص إلى أن التجربة التونسية تظهر مستويين متكاملين، يتمثل الأول في بناء القوة والتنظيم، كما عند الحامي والحركة الوطنية وحشاد، والثاني في بناء الإرادة والمعنى، كما عند الشابي، وكلاهما يكشف أن مقاومة الهيمنة لا تتم في المؤسسات وحدها، وإنما تجري أيضًا في الوعي واللغة والصورة التي يصنعها الإنسان عن نفسه.

من الاستعمار إلى سؤال الحداثة

وأكد الأستاذ محسن الخوني أن المثالين الجزائري والتونسي يبيّنان أن الاستعمار لا يبقى مجرد موضوع نطبّق عليه مفهوم الأيديولوجيا، بل يصبح مجالًا يكشف حدود المفهوم ويطوره.

وأوضح أن هناك خطابًا ينتج صورة عن الآخر، ومؤسسات تحول هذه الصورة إلى ممارسة، وقوانين تنظمها، ومعارف تمنحها شرعية، إلى جانب ذات مستعمَرة تتلقى هذه الصورة وتقاومها، ومثقفين يعيدون بناء معنى الذات والتاريخ.

وأشار إلى أن موضوعة الاستعمار تتسع في الفكر الديكولونيالي، الذي يطرح سؤالًا حول ما إذا كانت البنى المعرفية والتصنيفات التي أنشأها الاستعمار قد انتهت بانتهاء الاستعمار بوصفه نظام حكم مباشر.

وتطرق إلى إنريكي دوسال، موضحًا أن نشأة الحداثة الأوروبية ترتبط برمتها بتاريخ الاستعمار، وهو ما يعبّر عنه بصياغته النقدية “الأنا أغزو، أنا موجود” في مقابل “الأنا أفكر، أنا موجود” الديكارتي، للدلالة على البعد الاستعماري في تشكل الذات الحديثة.

كما أشار إلى أن أنيبال كويجانو يشرح، من خلال مفهوم “استعمارية السلطة”، كيف يمكن لبنى التصنيف والتراتبية التي تشكلت في العصر الاستعماري أن تستمر حتى بعد زوال الحكم المباشر.

وأوضح أن التيار الديكولونيالي لم يعد يتناول كيفية إنتاج الاستعمار لصورة عن المستعمَر فقط، وإنما أيضًا كيفية استمرار بعض التصنيفات التي نشأت في تلك العلاقة بعد انتهائها. ومن ثم يبرز السؤال الأكبر: هل يمكن تناول مسألة الحداثة باستقلال عن سؤال الاستعمار؟ وهو سؤال تاريخي ومعياري.

الأيديولوجيا ومعركة المعنى

وفي ختام مداخلته، أكد المفكر التونسي محسن الخوني أن ما يكشفه هذا المسار، من دي تراسي إلى الفكر الديكولونيالي، مرورًا بالتجربتين الجزائرية والتونسية، هو أن الأيديولوجيا ليست محض قناع يخفي حقيقة نقيّة في مكان آخر.

وأوضح أنها، في أحد أوجهها الأساسية، الشكل الذي يتخذه الفكر حين يلتقي بالسلطة والمصلحة والتاريخ، ولهذا فإن نقد الأيديولوجيا لا يكتمل بكشف أيديولوجيا الآخر فقط، بل يقتضي أيضًا أن يخضع الخطاب النقدي نفسه للمساءلة، بما في ذلك خطاب التحرر.

وشدد على أن الأفكار التي تنشأ لمقاومة الهيمنة يمكن، بدورها، أن تتحول إلى أدوات للهيمنة إذا توقفت عن مساءلة نفسها.

وأشار المفكر التونسي أيضا إلى أن من أهم الدروس التي تسمح بها التجربتان الجزائرية والتونسية أن فانون يلفت النظر في الجزائر إلى أثر الاستعمار في الذات، وبن نبي إلى الشروط الداخلية التي تسمح باستمراره، وفرعون إلى تفاصيل الحياة اليومية التي تتخللها علاقات القوة، وكاتب ياسين إلى اللغة والذاكرة.

وفي تونس، يكشف ممّي عن البنية العلائقية للاستعمار، وينقل الحامي وحشاد والثعالبي وبورقيبة المقاومة إلى مجال التنظيم والقوة الاجتماعية والسياسية، بينما يمنح الشابي للصراع بُعد الإرادة والمعنى.

وأكد الخوني أن مقاومة الأيديولوجيا الاستعمارية لم تكن مجرد رفض للصورة التي صنعها الاستعمار عن المستعمَر، وإنما كانت أيضًا محاولة لاستعادة القدرة على صنع صورة الذات والتاريخ والمستقبل.

وتبقى، وفق المفكر التونسي، أسئلة تتجاوز التجربتين ولا تفقدهما راهنيتهما، بالقول” هل يمكن أن توجد معرفة مستقلة تمامًا عن السلطة؟ وهل يستطيع خطاب التحرر أن يتجنب إعادة إنتاج الهيمنة التي ينقدها؟ ومن يملك حق تعريف الإنسان؟ ومن يملك حق تسمية التاريخ؟ ومن يملك القدرة على تحويل تصوره عن الآخر إلى قانون ومؤسسة وممارسة؟”

وخلص الأستاذ محسن الخوني إلى أن تلك هي الأسئلة التي تجعل تاريخ الأيديولوجيا متصلًا، بصورة عميقة، بتاريخ الاستعمار وبمسألة التحرر نفسها، لأن الأيديولوجيا لا تبدأ حين تتحول الأفكار إلى شعارات، وإنما حين تتحول طريقة معينة في رؤية العالم إلى حقيقة تبدو طبيعية، ثم تجد طريقها إلى المؤسسة والقانون والممارسة.

وأكد أن تلك هي “معركة المعنى”، وذلك بأن يستعيد الإنسان حقه في أن يرى نفسه بنفسه، وأن يروي تاريخه بلغته، وأن يحدد موقعه في العالم بعيدًا عن الصورة التي رسمها الآخر له.

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام