تتحرك أمواج البحر الأبيض المتوسط كلها اليوم نحو “إيكوزيوم”، حاملة معها معاني الجغرافيا التاريخية التي ربطت ضفته الشمالية بالجنوبية، والحضارة الرومانية بالأفريقية، في لحظة أعادت التفاعل الحضاري القائم منذ آلاف السنين. إنها اللحظة التي تدرك فيها القوى المتوسطية أن “إيكوزيوم” لم تتغير جيوتاريخياً، بل تبدلت أسماؤها عبر العصور لتستقر على اسم واحد مهيب “الجزائر”.
فموقع الجزائر في العالم لم يكن مجرد نقطة على الخارطة، بل كانت وما زالت مرساة تلتقي عندها طموحات الشمال مع عمق الجنوب، في صورة الفاعل المحوري الذي يخلق التوازن الاستراتيجي في الإقليم والعالم. وتزداد أهمية الجزائر ومكانتها الإقليمية والدولية كلما تضاربت المصالح واشتد الصدام الحضاري ونشبت الأزمات؛ لأن الجزائر بثقلها التاريخي والحضاري صانعة للسلام ومفتاح للاستقرار.
دحض أوهام “العزلة الدولية”
إن ما يحدث اليوم يؤكد من جديد أن أعداء الجزائر جاهلون بالسياسة والتاريخ؛ فقد سخروا كل الوسائل الإعلامية والدعائية لضرب صورة الجزائر الدولية، وتصويرها على أنها تعاني من عزلة دبلوماسية، مستغلين التوترات التي طبعت علاقات الجزائر مع بعض جيرانها وشركائها الأوروبيين. إلا أن ما شهدته الأشهر الماضية كفيل بالرد؛ بداية من الزيارة الرسمية للفريق أول عبد الرحمن تياني إلى الجزائر، مروراً بزيارة رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني، وصولاً إلى الحركية الدبلوماسية الكبيرة التي توجت بزيارة وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بوينو .
الجزائر والنيجر.. وحدة المصير و مستقبل المنطقة
إن الزيارة التي قادت رئيس دولة النيجر إلى الجزائر في شهر فيفري الماضي، هي رسالة واضحة بأن علاقات الجزائر مع محيطها الإقليمي مبنية على أساس عميق وأخوي. وهو ما أكده رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بقوله: “أعبر عن سروري وامتناني باستقبال أخي الفاضل، الفريق أول عبد الرحمن تياني، في زيارة كنا ننتظرها منذ مدة وتحققت والحمد لله”، مضيفاً: “بهذه الزيارة، ننهي مرحلة كانت غير طبيعية اتسمت بالبرودة بين البلدين”. هذا التوجه يعكس عزم الجزائر على بناء نموذج إفريقي رائد، فالقارة السمراء هي مستقبل العالم.
من هذا المنطلق، تعزّزت الشراكة بين البلدين في ختام أشغال الدورة الثانية للجنة المشتركة الكبرى للتعاون الجزائرية-النيجرية، التي انعقدت يوم الثلاثاء الماضي بالعاصمة النيجرية نيامي، حيث تم التأكيد على الطابع الاستراتيجي للعلاقات الثنائية وضرورة الارتقاء بها إلى مستوى إمكانات البلدين، مع إبراز أهمية تسريع تنفيذ المشاريع الهيكلية باعتبارها دعائم أساسية للتكامل الاقتصادي.
وتكتسي هذه المشاريع، لاسيما تلك المرتبطة بقطاع الطاقة، أهمية بالغة، وعلى رأسها مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP)، الذي يهدف إلى نقل الغاز الطبيعي من نيجيريا عبر أراضي النيجر وصولًا إلى الجزائر، ومنها إلى الأسواق الأوروبية عبر شبكة الأنابيب المرتبطة بالمتوسط.
ولا يقتصر هذا المشروع على بعده الاقتصادي فحسب، بل يتجاوزه ليحمل أبعادًا استراتيجية مستقبلية، من شأنها ربط القارة الإفريقية بأوروبا عبر الجزائر، بما يعزّز موقعها كمحور طاقوي إقليمي.
وحسب الخبراء، يمثّل هذا المشروع بالنسبة لنيجيريا منفذًا مباشرًا نحو السوق الأوروبية خارج مسارات الغاز الطبيعي المسال، بينما يشكّل للنيجر مصدرًا محتملاً للإيرادات من خلال رسوم العبور وفرص تطوير البنية التحتية.
أما بالنسبة للجزائر، فترى فيه تعزيزًا لدورها كمركز إقليمي لنقل وتصدير الغاز نحو أوروبا عبر شبكاتها القائمة في البحر المتوسط، في حين تنظر إليه أوروبا، في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، كمصدر آمن ومستقر لإمدادات الطاقة.
بين روما وباريس… من يفهم “الجزائر” ومن يخسرها
كانت زيارة رئيسة وزراء إيطاليا الحدث الأبرز في الفضاء الأورو-متوسطي، بالنظر إلى ما تحمله من أبعاد استراتيجية وجيوسياسية تعكس تحوّلًا لافتًا في موازين الشراكة داخل المنطقة.
لقد أحسّ الإليزيه بفشل عميق في إدارة علاقته مع دولة محورية في شمال إفريقيا والفضاء المتوسطي، ما دفعه إلى تحريك قنواته الإعلامية لمهاجمة رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني، عبر عناوين بعيدة كل البعد عن أخلاقيات المهنة الصحفية، تروّج لترهات من قبيل “الركوع من أجل الغاز”، في تجاهل واضح لواقع مفاده أن الجزائر لا تمنح مواردها إلا في إطار شراكات قائمة على الاحترام المتبادل وتقدير السيادة.
غير أن الحقيقة المُرّة التي يتهرّب منها الإليزيه تكمن في أن فرنسا خسرت معركة الحضور في الجزائر، في وقت كسبت فيه روما رهانها بعقلية الندية و بطاقة “رابح – رابح”، وباعتراف صريح بمكانة الجزائر كشريك أول لا يمكن تجاوزه في معادلة المتوسط.
من هذا المنطلق، لم تكن زيارة جورجيا ميلوني مجرد تحرّك دبلوماسي يهدف إلى ضمان إمدادات الطاقة، بل مثّلت “صفعة جيوسياسية” لفرنسا التي تتخبّط في فشلها الطاقوي والدبلوماسي، في مقابل نجاح روما في كسب الجزائر كشريك موثوق واستراتيجي، وهو ما عجزت الجمهورية الخامسة عن تحقيقه.
خوسيه مانويل ألباريس في الجزائر.. عودة الصداقة وحسن الجوار
قبل أن تطأ قدماه أرض الجزائر، حرص وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس على إرسال رسائل سياسية واضحة عبر تصريحات إعلامية مكثفة، أراد من خلالها التأكيد على أن مدريد تدرك جيداً حجم “الخطأ” في تقدير التوازنات السابقة.
فقد صرح علانية بأن “الجزائر لم تعد مجرد بلد جار لإسبانيا، بل أصبحت فاعلاً استراتيجياً رئيسياً في قضايا المتوسط والطاقة والتبادل الاقتصادي”.
هذا التمهيد الدبلوماسي من قبل ألباريس مهد الطريق للقاءاته الرسمية في الجزائر، حيث استقبله وزير الدولة وزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف، قبل أن يُتوّج المسار باستقباله من طرف رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون.
وبناءً على هذه الحركية الإيجابية، أبلغ الرئيس تبون ضيفه بقرار الجزائر السيادي إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون الموقعة في 2002، لتعود العلاقات إلى سكتها الطبيعية.
الجزائر في قلب التحولات الجيوسياسية الراهنة
في المحصلة، تعكس هذه الحركية الدبلوماسية حقيقة واحدة” الجزائر تعيد تثبيت موقعها كقطب توازن في الفضاءين المتوسطي والإفريقي”. فبين عمقها الإفريقي وشراكاتها الأوروبية، تطرح نفسها كحلقة وصل ضرورية في معادلات الطاقة والأمن.
وفي عالم يتجه نحو الاستقطاب، تبدو الجزائر قادرة على لعب دور الوسيط وصانع التوازنات، مستندة إلى إرث “إيكوزيوم” العريق في المنطقة ورؤية استراتيجية تتجاوز منطق الظرفية إلى منطق التأثير المستدام.




