تحل اليوم الذكرى الـ219 لميلاد الأمير عبد القادر بن محيي الدين، المولود في 6 من أيلول (سبتمبر) عام 1807 بزاوية “القيطنة” بولاية معسكر غرب الجزائر.
الأمير عبد القادر القائد الاستراتيجي الذي يُجمع المؤرخون العرب والعجم الأولون والآخرون على اعتباره المؤسس الفعلي للدولة الجزائرية الحديثة، والرمز الأبرز للمقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي الغاشم.
من قائد عسكري إلى مؤسس دولة
لم تقتصر مسيرة الأمير عبد القادر على قيادة المعارك ضد قوات الاحتلال الفرنسي الغاشم، بل تجاوزتها إلى بناء هيكل أو ما يعرف باللهجة الجزائرية الأصيلة (ساس) دولة متكامل في زمن الحرب ضد الاستعمار الفرنسي، وهي الظروف التي يصعب على أي شخصية مهما كان وزنها ودهاؤها السياسي والاستراتيجي أن تقيم فيها دولة، إلا أن الأمير عبد القادر، بقدرة القادر عز وجل، أقامها ومعه رجال الله حماة الأرض و الهوية و الدين.
فقد أقام إدارة منظمة، وسكّ عملة وطنية خاصة، وأنشأ مصانع لتصنيع الأسلحة ونظم الجيش، ورسّخ مفهوم المؤسسات كأساس لسيادة الدولة الناشئة آنذاك بمؤسستها وجيشها النظامي الذي تكون من خيرة أبناء أرض الجزائر ولاؤهم للأرض وحملهم لواء الجهاد ضد المستعمر الفرنسي الغاشم.
قواعد أخلاقية سبقت القانون الدولي وتشريعات الأمم المتحدة
ما ميّز الأمير هو كفاحه ضد المستعمر بقيم الشهامة و كبرياء الرجال برزت في أرض الميدان، فقد أحسن معاملة الأسرى ولم يخن العهود ولم يعتدي على ما عهد عليه، في وقت لم تكن فيه هذه المبادئ قد تبلورت بعد في القانون الدولي الانساني الحديث ولم يُعرف لها أصل ولا تشريع في ذلك الزمن. هذا النهج النبيل والسامي الذي التزم به الأمير أرسى قاعدة فصل بين مشروعية المقاومة ووسائل تنفيذها، فقد قاوم مقاومة الأبطال الا أن تعرض لخيانة الجار وانتهى منفيا بحكم الأقدار.
بعد إنساني عالمي
امتد أثر الأمير عبد القادر إلى خارج حدود الجزائر، حيث سجل موقفه الشهير في دمشق سنة 1860 بحمايته آلاف المسيحيين من أحداث الفتنة الطائفية، وهو الموقف الذي حظي بتقدير دولي واسع لا يزال الى يومنا هذا، وكرّس صورته كقائد يجمع بين الثبات الوطني والانفتاح الإنساني والتعايش السلمي مع مختلف الأعراق والأجناس والديانات، في صورة عكست شخصية الجزائري الأصيل الذي عرف التعايش منذ آلاف السنين.
إرث ما يزال حاضراً
يرى مؤرخون كثر أن قيم الأمير عبد القادر التنظيمية والأخلاقية والاستراتيجية لا تزال تمثل مرجعية أصيلة في بناء مؤسسات الدولة الجزائرية. واستحضار سيرته وإبراز شخصيته وحكمته في العديد من المناسبات يؤكدان استمرارية مشروعه الخالد في العدالة والكرامة والتعايش والسلم والوطنية، واستمرار الدولة الجزائرية إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.
مهدي الباز




