تحيي الجزائر، اليوم، ذكرى يوم العلم المصادف لـ 16 أفريل من كل عام، وهي مناسبة وطنية تستحضر فيها الأمة ذاكرة العلم والعلماء في أرضها المباركة، وتستعيد من خلالها صفحات مشرقة من تاريخها الفكري والحضاري.
فالجزائر، بتاريخها العريق وإرثها الفكري، كانت ولا تزال منارة للعلم وقِبلةً للعلماء، بشهادة القريب والبعيد، إلا من جحد، وهو جحود لا يغير من حقائق التاريخ شيئًا.
لقد كانت هذه الأرض، منذ فجر التاريخ، منبعًا خصبًا للفكر والإبداع، أنجبت علماء ومفكرين أسهموا في تشكيل مسارات الفكر الإنساني، من أوغسطين إلى ابن خلدون، ومن عبد الحميد بن باديس إلى رضا حوحو، وصولًا إلى مالك بن نبي. وهي مسيرة فكرية ممتدة، انتقلت من علم اللاهوت إلى مدرسة الإصلاح، ثم إلى ثورة القلم، لتبلغ أوجها في مشاريع البناء الحضاري التي نظّر لها مالك بن نبي.
غير أن هذا الإرث العلمي والحضاري تعرّض لمحاولات طمس ممنهجة خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية، التي سعت إلى الترويج لصورة مزيّفة عن الجزائر، كذّبها التاريخ وفضحتها شواهد الواقع.
فقبل سنة 1830، كانت الجزائر فضاءً علميًا مزدهرًا، عرفت بروز علماء أناروا العالم بعلمهم وفكرهم، بشهادة مؤرخين وباحثين غربيين. ومن بين هؤلاء الذين برزوا بعلمهم وفكرهم، العلامة عبد الرحمن الأخضري، أحد أبرز علماء القرن العاشر الهجري، الذي وُلد سنة 1514 بمدينة بسكرة، ونشأ في أسرة علمية، فتلقّى علومه الأولى على يد والده وأخيه، قبل أن يواصل تحصيله العلمي بقسنطينة ثم بجامع الزيتونة.
كما يُعد الشيخ محمد بن علي السنوسي، المولود سنة 1787، من أعلام الإصلاح في العالم الإسلامي، ومؤسس الحركة السنوسية، حيث انطلقت جهوده العلمية من الحجاز، قبل أن تتوسع إلى برقة بليبيا، مسهمًا في توحيد القبائل الليبية و جمع شملهم ونشر الوعي بينهم، وكان لدعوته أثر بالغ في يقظة الشعوب الإسلامية في مواجهة الاستعمار.
وقد أدركت فرنسا الاستعمارية مبكرًا قيمة هذا الرصيد العلمي، فعملت على استهدافه بشكل مباشر، من خلال قطع الصلة بين الشعب وعلمائه، ونفي الرموز الفكرية، ومحاصرة التعليم، وإغلاق الكتاتيب والزوايا التي كانت تشكّل حاضنات للعلم والمعرفة.
لقد وعت السلطات الاستعمارية أن العلم يمثل السلاح الحقيقي للشعب الجزائري في مواجهة الظلم والهيمنة، فسعت إلى محاربته طيلة 132 سنة، في محاولة لتجهيل المجتمع وإضعاف بنيته الفكرية، إلى غاية آخر أيامها في الجزائر، والتي شهدت حرق مكتبة جامعة الجزائر في أفريل 1962، في دلالة واضحة على استهداف الذاكرة العلمية للأمة.
واليوم، تواصل الجزائر المنتصرة استكمال مسارها الحضاري، من خلال استحضار رموزها العلمية التي جعلت من المعرفة سلاحًا، ومن القلم منبرًا للحرية.
إن إحياء يوم العلم بالجزائر ليس مجرد احتفاء رمزي، بل هو تجديد للعهد مع رسالة أولئك الذين نذروا أنفسهم لخدمة العلم ونهضة الأمة، والوقوف في وجه كل أشكال الاستعمار والهيمنة.
كما ترتبط هذه المناسبة بذكرى وفاة عبد الحميد بن باديس، أحد أبرز رواد الإصلاح في الجزائر و العالم الإسلامي، الذي كرّس حياته لنشر العلم ومحاربة الجهل، حيث تستحضر الجزائر من خلاله تضحيات كل من جاهد بالفكر والقلم من أجل تحرير الإنسان الجزائري وبناء وعيه الوطني.
16 أفريل.. ذاكرة “أمة جزائرية “صنعت مجدها بالعلم و القلم




