الأولى الاقتصادي الوطني

من تسجيل المشاريع إلى صناعة الثروة رهانات التحول الاقتصادي في الجزائر

لم يعد الرهان الاقتصادي في الجزائر مقتصرًا على استقطاب الاستثمارات وتوسيع النسيج المؤسساتي، بل أصبح يرتبط بقدرة هذه الاستثمارات على بناء قاعدة إنتاجية متكاملة، تخلق الثروة ومناصب الشغل، وتقلص التبعية للأسواق الخارجية. وهي المعادلة التي برزت في لقاء رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، بالمتعاملين الاقتصاديين، الأربعاء، من خلال التركيز على تنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز تنافسيته وقدرته على الصمود أمام التقلبات الاقتصادية العالمية.
ويكتسب هذا التوجه أهمية في ظل المؤشرات التي عرضها رئيس الجمهورية بشأن تطور قطاعات الإنتاج والاستثمار، إلى جانب تأكيد رئيس مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري، كمال مولى، أن الجهود المشتركة للدولة والمؤسسات الاقتصادية ساهمت في تحقيق تنويع الاقتصاد الوطني، في مرحلة وصفها بأنها شهدت تحولًا هيكليًا بعد جائحة كوفيد-19.
الاستثمار من المؤشرات إلى القيمة المضافة
شكّل ملف الاستثمار أحد المحاور الرئيسية في تصريحات رئيس الجمهورية، الذي نوّه بالخطوات المحققة عقب مراجعة المنظومة القانونية، مشيرًا إلى وجود 13 ألف مشروع استثماري حقيقي.
ويعكس هذا الرقم حجم الرهان على توسيع النشاط الاقتصادي، غير أن أهميته لا تتوقف عند عدد المشاريع المسجلة، بل تمتد إلى ما يمكن أن تحققه من إنتاج فعلي، ومناصب شغل، وقيمة مضافة، وقدرة على تلبية احتياجات السوق الوطنية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية مواصلة تحسين مناخ الأعمال وتسهيل الإجراءات الإدارية، بما يسمح بتسريع تجسيد المشاريع وتحويلها إلى مؤسسات منتجة ومستدامة.
كما أن إعلان تطبيق نظام الشباك الوحيد الوطني للاستثمار ابتداءً من الفاتح من جانفي 2027، وفق ما أورده الرئيس، يندرج ضمن مساعي تعزيز مرافقة المستثمرين وتبسيط الإجراءات المرتبطة بنشاطهم.
وتكمن أهمية هذه الخطوات في قدرتها على ربط الإصلاحات القانونية بنتائج ملموسة على أرض الواقع، بما يجعل الاستثمار أداة لتوسيع الإنتاج الوطني وتعزيز تنافسية المؤسسات الجزائرية.
تقليص الاستيراد : فرصة لتعزيز الإنتاج الوطني
ومن بين المؤشرات التي عرضها رئيس الجمهورية، تقليص فاتورة الاستيراد بما يتراوح بين 40 و42 مليار دولار، إلى جانب التقدم المسجل في عدد من القطاعات، من بينها الصناعات الصيدلانية والطاقة.
وأشار رئيس الجمهورية إلى أن الإنتاج الوطني يغطي 84 بالمائة من احتياجات البلاد من الأدوية، كما تطرق إلى التوقف عن استيراد البنزين والكيروسين، وإلى التوجه نحو الاستغناء عن استيراد المازوت عند دخول مصفاة حاسي مسعود الجديدة حيز الاستغلال
وتبرز هذه المعطيات أهمية تطوير القدرات الإنتاجية المحلية في القطاعات الاستراتيجية، بما يسمح بتقليص الاعتماد على الخارج وتوجيه الموارد نحو الاستثمار والنشاط الاقتصادي.
ولا يقتصر أثر هذا التوجه على خفض الواردات، بل يمكن أن يمتد إلى توسيع فرص الاستثمار في الصناعات التحويلية، وتطوير شبكات المناولة، وتعزيز التكامل بين المؤسسات الوطنية.
ومن هذا المنطلق، يصبح تقليص الاستيراد جزءًا من مسار أوسع يستهدف بناء اقتصاد قادر على تلبية حصة أكبر من احتياجاته بإنتاج محلي تنافسي، مع الحفاظ على استيراد التجهيزات والمدخلات الضرورية لتطوير النشاط الاقتصادي.
الصناعة والفلاحة تكامل لبناء اقتصاد أكثر تنوعًا
وفي عرضه للمؤشرات الاقتصادية، أشار رئيس الجمهورية إلى تطور مساهمة الصناعة والفلاحة في الناتج الداخلي الخام، مستعرضًا الجهود المبذولة لتعزيز الإنتاج في القطاعين.
كما أكد أهمية تحقيق الاكتفاء في الحبوب بنهاية سنة 2027، في إطار مساعي تعزيز الأمن الغذائي وتقليص التبعية للأسواق الخارجية.
ويبرز هذا التوجه أهمية التكامل بين النشاط الزراعي والتحويل الصناعي، إذ يسمح تطوير الإنتاج الفلاحي بتوفير المواد الأولية للمؤسسات، فيما تساهم الصناعات التحويلية في تثمين المحاصيل وتوسيع عرض المنتجات الوطنية.
ويشكل تطوير التخزين والتوزيع بدوره عنصرًا أساسيًا في هذه المعادلة، بالنظر إلى دوره في الحفاظ على المنتجات وتنظيم التموين والحد من ضياع الفائض.
وفي هذا الإطار، دعا رئيس الجمهورية إلى إنشاء هيئة اقتصادية تتولى تنظيم التموين، من خلال التخزين وشراء فائض الإنتاج من الفلاحين والمنتجين، بما يربط دعم الإنتاج بآليات أكثر فعالية لضبط السوق.
وتكشف هذه المقاربة أن تعزيز الإنتاج لا ينفصل عن تنظيم السوق، وأن تحقيق نتائج مستدامة يتطلب تنسيقًا بين المنتجين والمؤسسات الاقتصادية والهيئات المكلفة بالتموين والتوزيع.
صناعة السيارات الانتقال نحو الإدماج المحلي
وفي قطاع الصناعة الميكانيكية، تحدث رئيس الجمهورية عن إمكانية بلوغ مرحلة إنتاج سيارة جزائرية بنهاية سنة 2028، في حال تقدم المشاريع وفق المخطط المحدد مع الشركاء الألمان والإيطاليين.
ويطرح هذا الهدف رهانًا يتجاوز تجميع المركبات، نحو تطوير صناعة محلية للمكونات والتجهيزات، وتوسيع شبكة المؤسسات المناولة القادرة على تلبية احتياجات المصانع.
وتكمن أهمية هذا المسار في ما يمكن أن يوفره من فرص للمؤسسات الوطنية للدخول في سلاسل الإنتاج، واكتساب الخبرة الصناعية، وتطوير الكفاءات التقنية.
كما أن رفع نسبة الإدماج المحلي من شأنه أن يعزز القيمة المضافة التي يحققها النشاط الصناعي داخل البلاد،
وبذلك، يمثل تطوير الصناعات الميكانيكية أحد المجالات التي يمكن من خلالها قياس مدى قدرة الاستثمار على الانتقال من مرحلة التركيب إلى بناء منظومة إنتاج متكاملة.
كمال مولى: تنويع الاقتصاد ثمرة جهود مشتركة
من جهته، أكد رئيس مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري، كمال مولى، أن جهود الدولة وتجاوب المؤسسات الاقتصادية سمحت بتنويع الاقتصاد الوطني، مشيرًا إلى أن مرحلة ما بعد جائحة كوفيد-19 شكلت نقطة انطلاق لتحول هيكلي عميق،
كما أشار إلى توقع نمو الاقتصاد بنسبة 3.8 بالمائة، مع توقعات تصل إلى 4 بالمائة، رابطًا هذه المؤشرات بالجهود المشتركة للدولة والمؤسسات الاقتصادية.
وتبرز مداخلة مولى أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص في دفع النشاط الاقتصادي، خصوصًا في المجالات التي تتطلب استثمارات طويلة الأجل وتكاملًا بين البنية التحتية والإنتاج والخدمات.
كما شدد على أهمية السيادة الغذائية، مستحضرًا الدروس التي أفرزتها جائحة كوفيد-19 بشأن مخاطر الاعتماد على الخارج لتأمين الاحتياجات الأساسية، ولا سيما الغذاء والعلاج والطاقة.
وتتقاطع هذه الرؤية مع المحاور التي تناولها رئيس الجمهورية، من خلال التأكيد على ضرورة توسيع القاعدة الإنتاجية وتعزيز مساهمة المؤسسات في خلق الثروة، بما يدعم قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الصدمات الخارجية.
اقتصاد تنافسي مع الحفاظ على البعد الاجتماعي
وفي موازاة التوجه نحو توسيع الاستثمار وتحسين الإنتاجية، شدد رئيس الجمهورية على أهمية حماية القدرة الشرائية ومراعاة أوضاع الطبقة الوسطى والفئات الهشة، داعيًا إلى التصدي للمضاربة والممارسات التي تضر بالسوق الوطنية.
وتعكس هذه المقاربة حرصًا على الجمع بين متطلبات التحول الاقتصادي والحفاظ على الدور الاجتماعي للدولة، خصوصًا أن نجاح الإصلاحات لا يرتبط بالمؤشرات الإجمالية وحدها، بل يتصل أيضًا بأثرها على التموين والأسعار ومستوى معيشة المواطنين.
كما دعا تبون إلى محاربة الممارسات الطفيلية التي قال إنها تستنزف احتياطي العملة الصعبة من دون تقديم مقابل للاقتصاد الوطني، مؤكدًا في المقابل دعم المتعاملين الاقتصاديين النزهاء.
ويبرز هذا التوجه أهمية توفير بيئة أعمال تقوم على وضوح القواعد، وحماية المنافسة، وتشجيع المؤسسات المنتجة، بما يتيح توجيه الموارد نحو الأنشطة التي تسهم في خلق الثروة وتوفير فرص العمل.
المرحلة المقبلة تجسيد الاستثمارات وتعزيز الصادرات
تجمع تصريحات رئيس الجمهورية ومداخلة كمال مولى حول أولوية مواصلة تنويع الاقتصاد الوطني، وتطوير الإنتاج، وتحسين مناخ الاستثمار، وتعزيز دور المؤسسات الاقتصادية في دفع النمو.
وتكشف المحاور التي طُرحت خلال اللقاء أن المرحلة المقبلة ترتبط بمدى القدرة على تحويل المشاريع والاستثمارات إلى نتائج مستدامة، من خلال رفع الإنتاجية، وتطوير الصناعات التحويلية، وتعزيز الإدماج المحلي، وتوسيع الصادرات خارج المحروقات.
وبين المؤشرات التي عرضها رئيس الجمهورية والأهداف التي حددها للمرحلة المقبلة، يتجه الرهان نحو ترسيخ اقتصاد أكثر تنوعًا، يستند إلى الإنتاج والاستثمار، ويعزز قدرته على الصمود أمام التقلبات العالمية، مع الحفاظ على البعد الاجتماعي للتنمية.

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام