اختُتمت، اليوم الثلاثاء، بالمعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية الشاملة بالجزائر العاصمة، فعاليات الملتقى العلمي الموسوم بـ”قضية الصحراء الغربية: الجذور التاريخية، الوضعية الراهنة، والآفاق في ظل التحولات الدولية”، والمنظم تحت شعار مستمد من المقولة التاريخية للمجاهد المغاربي عبد الكريم الخطابي: “الحرية حق مشاع لبني الإنسان، وغاصبها مجرم”.
وشهد الملتقى مشاركة نخبة من إطارات الدولة والأساتذة الجامعيين والباحثين والمختصين في الدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية والقانون الدولي، إلى جانب ممثلي مختلف وسائل الإعلام الوطنية، حيث خُصص اليوم الثاني والأخير لمناقشة الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والإعلامية والقانونية للقضية الصحراوية، إضافة إلى آفاق التسوية العادلة.
الأبعاد الاجتماعية والإنسانية للقضية الصحراوية
واستُهلت أشغال اليوم الثاني بمداخلة بعنوان “الدراسات الاجتماعية والإنسانية للمجتمع الصحراوي: جذور ومميزات”، تناولت فيها الباحثة والكاتبة الصحراوية، بادي سمية، الخصائص الاجتماعية للمجتمع الصحراوي، مبرزة تجانسه من حيث اللغة والدين والمذهب المالكي واللهجة الحسانية، كما تطرقت إلى التحديات التي تواجه هذا البعد، مشيرة إلى ما وصفته بمحاولات المغرب استهداف البنية الديموغرافية للمجتمع الصحراوي عبر تشجيع الاستيطان في الأراضي المحتلة، بما يؤدي إلى تغيير طبيعتها الاجتماعية.
كما تناولت الباحثة واقع قطاع التعليم في الأراضي الصحراوية المحتلة، معتبرة أن فرض المناهج المغربية يستهدف الهوية الوطنية الصحراوية، وتطرقت كذلك إلى واقع القطاع الصحي بالمخيمات، وما يضمه من مستشفيات ومستوصفات، في ظل ما يعانيه الشعب الصحراوي من نقائص وصعوبات. وأكدت، في السياق ذاته، أن الجزائر تتصدر الدول الداعمة للقضية الصحراوية والشعب الصحراوي.
الأبعاد الاقتصادية للقضية الصحراوية
وفي محور الأبعاد الاقتصادية، قدمت الدكتورة برحو سهيلة، أستاذة بالمدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية، مداخلة بعنوان “الأبعاد الجيواقتصادية لاستغلال الموارد الطبيعية في الصحراء الغربية وتداعياتها الاجتماعية: الطاقات المتجددة نموذجًا”، أكدت فيها أن المغرب بات يوظف مشاريع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر لإضفاء الشرعية على احتلاله، من خلال إبرام اتفاقيات مع شركات أجنبية للاستثمار في الأراضي الصحراوية المحتلة.
واستعرضت بالأرقام حجم الاستثمارات الخليجية، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة، في مشاريع الطاقات المتجددة بالصحراء الغربية، معتبرة أن استغلال الموارد الطبيعية ينعكس سلبًا على السكان الصحراويين من خلال حرمانهم من فرص العمل، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، فضلًا عن الأضرار البيئية الناتجة عن عدم احترام المعايير الدولية الخاصة بحماية البيئة والتنمية المستدامة.
من جهته، أكد أوبي بشرايا بشير، مستشار رئيس الجمهورية الصحراوية المكلف بملف الثروات الطبيعية والقضايا القانونية، في مداخلته الموسومة بـ”المحور الاقتصادي وإدارة الموارد الطبيعية والمسار القانوني”، أن الغنى الإقليمي تحول إلى نقمة بدل أن يكون نعمة، محذرًا من سعي المغرب إلى تقديم نفسه كفاعل رئيسي في مجال الطاقات المتجددة، بما قد يمنحه دعمًا دوليًا، خاصة في ظل تزايد الطلب العالمي على هذا النوع من الطاقات.
كما تناولت مداخلات أخرى البعد الاقتصادي للقضية، متطرقة إلى بناء قرى استيطانية موجهة للصيادين في الأراضي المحتلة، وما يشكله ذلك من تهديد للثروات الطبيعية للشعب الصحراوي وتغيير للتركيبة الديموغرافية.
الإعلام والسرديات خط الدفاع الأول
وفي محور الإعلام والسرديات، احتضنت أشغال الملتقى جلسة علمية تناولت السرديات، والتعبئة الإعلامية، ودبلوماسية التأثير، وآليات تفعيل الدعم المشترك. ومن أبرز المداخلات، مداخلة الإعلامي وصانع المحتوى حسام أبركان بعنوان “من معركة الأرض إلى معركة الوعي: الصحراء الغربية وحرب السرديات الرقمية”، حيث أبرز أهمية الفضاء الرقمي في تشكيل الرأي العام، داعيًا إلى الاستثمار في وسائل التواصل الاجتماعي وإنتاج محتوى رقمي قادر على تعزيز السردية الصحراوية ومواجهة ما وصفه بالسردية المغربية.
وأكد أن ترك الفضاء الرقمي دون حضور فعال يسمح بانتشار الروايات المضللة، داعيًا الشباب الصحراوي إلى استغلال المنصات الرقمية للدفاع عن قضيتهم وإيصالها إلى الرأي العام الدولي.
وفي السياق ذاته، شددت الدكتورة حدوش وردية، أستاذة بكلية الحقوق بجامعة مولود معمري بتيزي وزو، في مداخلتها بعنوان “أهمية النشر باللغات الأجنبية للتعريف بقضية الصحراء الغربية: اللغة الإنجليزية نموذجًا”، على ضرورة توسيع النشر باللغة الإنجليزية باعتبارها لغة عالمية، بما يسمح بالتعريف بالقضية الصحراوية وإبرازها باعتبارها قضية تصفية استعمار أمام الرأي العام الدولي.
تقرير المصير… حقٌّ تكفله الشرعية الدولي
كما قدم سفير الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية بالجزائر، خطري أدوه، مداخلة بعنوان “آفاق الحل والتسوية المستقبلية”، أكد فيها أن قضية الصحراء الغربية ما تزال قضية تصفية استعمار مدرجة على جدول أعمال الأمم المتحدة، محذرًا من محاولات تغيير طبيعتها القانونية والسياسية أو تجاوز حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.
وتخللت أشغال اليوم الثاني مائدة مستديرة أتاحت للمشاركين تبادل وجهات النظر وإثراء النقاش حول مختلف أبعاد القضية الصحراوية.
توصيات الملتقى
وفي ختام الملتقى، خرج المشاركون بجملة من التوصيات، أبرزها التأكيد على حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، ودعم مسارات التسوية السلمية وفق قواعد القانون الدولي، مع الدعوة إلى توسيع مهام بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) لتشمل مراقبة أوضاع حقوق الإنسان.
كما أوصت أشغال الملتقى بتشجيع الدراسات المتعلقة بالتكامل الاقتصادي المغاربي والإفريقي، وتسليط الضوء على استغلال الموارد الطبيعية في الصحراء الغربية، إلى جانب تعزيز المقاربة الأكاديمية وتشجيع البحوث متعددة التخصصات التي تجمع بين القانون الدولي والتاريخ والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع.
وفي مجال الإعلام والاتصال، دعا المشاركون إلى إعداد برامج تكوينية متخصصة، ووضع استراتيجية اتصالية لدعم القضية الصحراوية، وتشجيع إنتاج محتوى رقمي متعدد اللغات يستند إلى مصادر موثوقة، فضلًا عن دعم صحافة المواطن والعمل على توحيد السردية الإعلامية المتعلقة بالقضية الصحراوية.
مهدي الباز




