لم يكن البرنامج الذي أشرف عليه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، تزامنًا مع الاحتفال بالذكرى الرابعة والستين لعيد الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية، مجرد سلسلة من عمليات التدشين ووضع حجر الأساس، بل عكس رؤية متكاملة لبناء دولة حديثة تقوم على الرقمنة، والاقتصاد القائم على المعرفة، وتحسين الخدمات العمومية، وتعزيز التنمية المستدامة.
وقد شمل البرنامج إطلاق مشاريع استراتيجية في قطاعات الصحة، والرقمنة، والعمران، والثقافة، والسكن، والبنية التحتية، في رسالة تؤكد أن معركة الجزائر اليوم تتمثل في تحقيق السيادة الاقتصادية والتكنولوجية، إلى جانب ترسيخ العدالة الاجتماعية.
الرقمنة ركيزة السيادة الوطنية
استهل رئيس الجمهورية برنامجه بتدشين المركز الوطني للخدمات الرقمية ببلدية المحمدية، وهو مشروع استراتيجي يهدف إلى تأمين البيانات الوطنية، وتطوير الخدمات الرقمية، وتعزيز الأمن السيبراني، وتسريع رقمنة الإدارة العمومية. ويعكس هذا المشروع إدراك الدولة لأهمية امتلاك بنية رقمية وطنية قادرة على مواكبة التحولات التكنولوجية العالمية.
الاستثمار في البحث العلمي والصحة
وفي قطاع الصحة، وضع رئيس الجمهورية حجر الأساس لإنجاز المعهد الجزائري للتداوي بالخلايا الجذعية والجينية ببلدية الرحمانية، وهو مشروع يعكس توجه الجزائر نحو الاستثمار في البحث العلمي والطب المتخصص، ويمثل خطوة مهمة لتطوير العلاج بالتقنيات الحيوية الحديثة وتقليص الاعتماد على العلاج في الخارج.
عمران حديث وخدمات متكاملة
وفي إطار مواصلة إنجاز المدن الجديدة، أشرف رئيس الجمهورية على تدشين القطب الحضري “المجاهد الراحل أحمد طالب الإبراهيمي” بالمدينة الجديدة سيدي عبد الله، بما يعكس توجه الدولة نحو إنشاء أقطاب عمرانية متكاملة توفر السكن، والخدمات، ومناصب العمل، وتخفف الضغط عن المدن الكبرى.
كما وضع حجر الأساس لإنجاز قاعة العروض الكبرى بأولاد فايت بسعة 10 آلاف مقعد، في مشروع يعزز البنية التحتية الثقافية ويؤكد اهتمام الدولة بتطوير الفضاءات المخصصة للتظاهرات الوطنية والدولية.
السكن تعزيز البعد الاجتماعي
ومن أبرز محطات البرنامج إعطاء إشارة الانطلاق الرسمية لأكبر عملية توزيع للسكنات لسنة 2026 عبر مختلف ولايات الوطن وبمختلف الصيغ، في خطوة تؤكد استمرار الدولة في جعل السكن من أولوياتها الاجتماعية، باعتباره عاملًا أساسيًا في تحسين ظروف عيش المواطنين وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
الطرق شريان التنمية الاقتصادية
وفي قطاع الأشغال العمومية، تم إطلاق ووضع حيز الخدمة 84 مشروعًا للطرقات بطول إجمالي بلغ 872 كيلومترًا موزعة عبر 37 ولاية. وتمثل هذه المشاريع استثمارًا مباشرًا في تحسين الربط بين المناطق، وفك العزلة، وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع، وتهيئة الظروف الملائمة لجذب الاستثمار وتحقيق تنمية متوازنة.
دلالات تتجاوز تدشين المشاريع
تكشف طبيعة المشاريع التي أطلقت في الخامس من جويلية عن رؤية تعتمد على تنويع أولويات التنمية، فلا يقتصر الاهتمام على البنية التحتية، بل يشمل أيضًا الرقمنة، والبحث العلمي، والصحة، والثقافة، والسكن، بما يعكس انتقال الجزائر إلى مرحلة جديدة تقوم على الاستثمار في الإنسان والمعرفة والتكنولوجيا.
كما يحمل اختيار عيد الاستقلال موعدًا لإطلاق هذه المشاريع دلالة رمزية، مفادها أن مفهوم الاستقلال في العصر الحديث لم يعد يقتصر على التحرر السياسي، بل أصبح يشمل امتلاك القرار الاقتصادي والتكنولوجي، وبناء مؤسسات قوية واقتصاد تنافسي قادر على مواجهة تحديات المستقبل.




