لم يشهد الإعلام الفرنسي تسوناميًا إعلاميًا كالذي رافق قضية الكاتب الجزائري-الفرنسي “بوعلام صنصال”. لقد تقَيّأت وسائل الإعلام السائدة حتى التعب، وكاد الفضاء الإلكتروني أن يشبَّ لهيبًا، بينما نشجت منظمات حقوق الإنسان حتى الثمالة، واهتزت قاعات المحاضرات تحت وطأة ليترات من رذاذ اللعاب.
لكن هذا “التضامن الاستثنائي” يطرح أسئلةً محرجة: فلم يُسْتَحْدَثْ مثلاً لقضية “ثيو كليرك” الفرنسي-الفرنسي الذي حُكِمَ عليه بثلاث سنوات سجن في أذربيجان لمجرد رسم ولا لقائد الحركة الكاناكية “كريستيان تين” المسجون في فرنسا على بُعد 17 ألف كم من وطنه. ولا لـ”سيسيل كوليه” و”جاك باريس” المحبوسين في إيران منذ 2022. ولا لـ”جورج إبراهيم عبد الله” (74 عامًا)، الذي قضى 41 عامًا في السجن الفرنسي بملفٍ فارغ، رغم أهليته للإفراج منذ ربع قرن! ولا لعشرات المناصرين لفلسطين الذين يُلاحَقون لمجرد رفعهم علمًا فلسطينيًا أو كتابة تغريدة تُعبِّر عن رعبهم أمام مجازر غزة الوحشية.
في مشهدٍ يُجسّد أقصى درجات النفاق السياسي الذي تمارسها فرنسا، تحوّلت قضية الكاتب الجزائري-الفرنسي “بوعلام صنصال” إلى مسرحية مكشوفة، كشف خيوطها الكاتب أحمد بن سعادة من خلال الانتقائية التي تمارسها فرنسا في الدفاع عن حقوق الانسان، وتساءل الكاتب عن أسباب هذه الانتقائية التي تعود لرواسب استعمارية جديدة في عمق الدولة الفرنسية؟ كما تسال عن وجود لوبيات تعمل لتفخيخ العلاقات الفرنسية-الجزائرية؟
وفي تحليل جريء مسنود بأمثلة دامغة كشف أحمد بن سعادة التحالف الثلاثي بين اللوبي الصهيوني والدبلوماسية الفرنسية والإعلام الموجه. ومعايير مزدوجة ترفع شعار “حرية التعبير” بينما تدعم جرائم الحرب الإسرائيلية.
ووسط هذا المشهد الذي يُلخّص ازدواجية المعايير الغربية، برزت قضية الكاتب الجزائري-الفرنسي “بوعلام صنصال” كواجهة لمشروع سياسي متكامل الأركان يجمع بين اللوبي الصهيوني الفرنسي في عمل متواصل لخلق شبكة علاقات مشبوهة تهدف لزعزعة استقرار الجزائر عبر حروب الجيل الرابع.
ويكشف بن سعادة في تحليل مفصل لشبكة المصالح الخفية وراء أزمة صنصال، كيف حوّلت فرنسا كاتبًا إلى سلاح يتحكّم في زناده اللوبي الصهيوني الفرنسي مدعوم بآلة الدعاية الإعلامية والدبلوماسية العدائية.
ويكشف الكاتب أحمد بن سعادة سلوكيات بعض الشخصيات الفرنسية التي تسبّبت في الأزمة الجزائرية الفرنسية على رأسها السفير زافيي دريانكور واصفا إياه بالسفير الذي نسى أخلاقيات المهنة، فهو يحوز على سجل حافل بالعداء للجزائر خلال عمله سفيراً من سنة 2017 إلى سنة 2022، وكشف بن سعادة انّه من بين 22 سفيرًا فرنسيًا تعاقبوا على الجزائر منذ استقلالها، يظل “زافيي دريانكور” الوحيد الذي يبصق ليل نهار على البلد الذي مُثِّلَ فيه! بل ربما يكون الدبلوماسي الوحيد في العالم الذي يُطلق العنان للسانه للتهجّم المستمر والتشويه المنهجي للدولة التي عُيِّنَ سفيرًا لها. سابقةٌ لم يُسمع بمثلها!
كما ذكّر الكاتب أن هذا السفيرمثّل بلاده في ماليزيا. هل انتقدها؟ لا كلمة واحدة. وفي أستراليا؟ الصمت ذاته. لكن مع الجزائر، الأمر مختلف! فلدى دريانكور هاجسٌ واحدٌ لا يتزحزح: الجزائر! وهذا الهوس بدأ قبل اعتقال بوعلام صنصال بسنوات، فقد اعتبر هذه القضية مجرد رغيف خبز مقدّس ليطلق العنان لثرثرته المعادية للجزائر.
وكشف ان فترة دريانكور في الجزائر خالية من الفضائح، بل كانت سلسلةً من التصرفات الغامضة تجسس، علاقات مشبوهة، صفقات مُريبة…
كما كان هذا السفير الفرنسي الصديق الحميم لصنصال حيث يُعتبر دريانكور “الصديق الشخصي” لبوعلام صنصال. بل إنه تناول العشاء معه ليلة مغادرته إلى الجزائر (والتي انتهت باعتقاله). ومنذ لقائهما قبل 15 عامًا، لم يخفِ دريانكور دعمه له، حتى أنه دعاه (مع كمال داود) لغذاء مع الرئيس ماكرون خلال زيارته الرسمية للجزائر عام 2017. وفي تلك المناسبة، قال صنصال للرئيس الفرنسي “سيدي الرئيس، نحن صوت فرنسا في الجزائر… لا تتخلَّ عنا!”
ويصف بن سعادة دريانكور سفير فرنسا الذي حاول ان حوّل الجزائر إلى “حديقة خلفية” لاستقطاب العملاء! فقال “يجب الاعتراف بأن السفير دريانكور كان يزرع بدقة في “حديقته” الخاصة – أولئك العاشقين لفرنسا، الذين قدموا خدماتهم لتمجيد القوة الاستعمارية السابقة والحط من شأن وطنهم الأم. فاستقطاب “المخبرين المحليين” هو جزء من العمل الدبلوماسي، كما تحالف مع رسامي كاريكاتير مثل علي دليم الذي مُنح وسام “فارس الفنون والآداب” عام 2010 بمبادرة من دريانكور وغيلاس آينوش العضو في المنظمة الإرهابية المالك لتحويل الفن إلى سلاح سياسي يوجّه ضد الجزائر وفقط، وتحالف أيضا مع أدباء وسياسيين على غرار سعيد سعدي الذي اعتبره الكاتب مجرد مخبر يشتغل ضد بلده لصالح فرنسا.
وذكّر أن علاقة بوعلام صنصال بـ”فيلا الزيتون” (مقر السفارة الفرنسية) لم تكن فقط خلال فترة دريانكور في الجزائر، كما يؤكد هو نفسه، بل كان صنصال زائرًا “دائمًا” للسفارة الفرنسية، وارتبط بعلاقات وثيقة مع السفراء برنارد باجوليه وبرنارد إيمييه، الذين أصبحوا لاحقًا مديرين للمخابرات الفرنسية (DGSE).
كما كشف الكاتب علاقة صنصال بالوزيرة الفرنسية السابقة نويل لينوار المصابة بجنون عظمة الصهيوني، وأورد اعترافها الصريح: “نحن ندعم صنصال لأنه صديق لإسرائيل”.
وكشف أيضا المحامي فرانسوا زيمراي المتورّط في قضية تهريب أميرة بوراوي، الذي اعتبره محامي المجرمين المزدوج فمن مقارنة الفلسطينيين بـ”النازيين” إلى الدفاع عن مجرمي الحرب الإسرائيليين أمام المحكمة الجنائية.
أما بالنسبة للأجندة الخفية لمحاولة المساس باستقرار الجزائر، فأورد أحمد بن سعادة ان الدماغ المحرّك لها هو اللوبي الصهيوني، بحيث تستعمل فرنسا الغطاء الثقافي للتدخل في الشؤون الجزائرية
كما يسعى هذا اللوبي إلى صناعة الأزمات، أو ما يعرف بحرب الجيل الرابع، وتأتي قضية صنصال في هذا الاطار حيث تمّ تضخيم قضية فردية ليتحوّل إلى ضحية ، بينما يتجاهلون سجن عشرات المعارضين الحقيقيين في فرنسا، لتتحوّل حقوق الانسان إلى أداة بمعايير مختلفة ليتأكّد أن صخب التضامن مع صنصال مُحرك بواسطة اللوبي الإسرائيلي. مع التأكيد على أن الإعلام الفرنسي خاضع لهذا اللوبي ويُروج لأجندته تحت شعار “الحرية”.
فقضية صنصال لا تدخل اطلاقا في إطار حرية التعبير وحقوق الإنسان، بل هي فرصة للآلة الدعائية لانتاج الاستعمار بأدوات جديدة، وهي اختبارٌ لمدى قدرة الدول على مقاومة الحرب الناعمة. كما تمثّل صورة مصغرة عن ازدواجية الغرب الداعمة للدكتاتوريات حين تخدم مصالحه، ومعاداة الديمقراطيات حين تعارضها، أما في العلاقة بينية فهي فرصة للعودة إلى نقطة الصفر بين فرنسا والجزائر، يُحرّكه الحنين إلى الماضي الاستعماري، والغيظ المستنفِر لتقليص الوجود الفرنسي في إفريقيا، ولاقلاع الجزائر نحو التنمية خارج الوصاية وبعيدا عن العبث الفرنسي بمصالح الدول مستعمراتها السابقة.
حسان خ




